الرئيسية / الديون / تبديد الغموض الذي يكتنف نظرية الدين الكريه وكاتبها ألكسندر ناهوم ساك

تبديد الغموض الذي يكتنف نظرية الدين الكريه وكاتبها ألكسندر ناهوم ساك

تبديد الغموض الذي يكتنف نظرية الدين الكريه وكاتبها ألكسندر ناهوم ساك

بقلم: إريك توسان

 

غالبا ما يتسرع الذين ينتقدون النظرية التي بلورها ألكسندر ساك كما أولئك الذين يدافعون عنها في إصدار حكم عليها دون أخذ ما يكفي من الوقت لاستيعاب إطار تحليل هذا الخبير الدولي في القانون وكذا توجهه. فألكسندر ساك ليس رجلا ذو نزعة إنسانية كان يسعى لحماية الشعوب أو الدول من السلوك المضر لرؤساء الدول أو الدائنين المستعدين لإثقال المجتمع بالديون بطريقة لا شرعية إن لم نقل إجرامية، أو كريهة بكل اختصار. ولم يكن هدفه الرئيسي يتمثل في وضع مبادئ الأخلاق أو الفضيلة في النظام المالي الدولي. كان ساك يريد الدفاع عن حقوق الدائنين، ولكنه اضطر إلى توضيح وجود استثناء مهم في تطبيق القاعدة المقدسة التي تنص على استمرارية سداد الديون. ويتمثل هذا الاستثناء في ضرورة قبول الدائنين، في بعض الظروف، إلغاء ديونهم إذا ما تبين أنها ديون كريهة. ورغم تعرضها بشكل قوي جدا للتشكيك والهجوم، ورغم الحدود الجلية لصاحبها، فإن نظرية الدين الكريه تستلهم عديدا من الحركات التي تبحث في أعمال ساك عن وسيلة للنضال ضد الديون غير الشرعية، وغير القانونية، وغير المحتملة، و/أو الكريهة. اختار ساك معيارين لتحديد وجود دين كريه يمكن لدولة أن ترفض تسديده. يتمثل الأول في غياب أي استفادة للسكان، والثاني، في تواطؤ الدائنين. ويمكن القول إن هذين المعياريين صائبين وفعالين. وبالنسبة لنا، يتعلق الأمر بتجاوز نظرية ساك بالحفاظ على ما هو عملي فيها، وإلغاء ما يبدو فيها غير مقبول منذ الوهلة الأولى، وإدماج عناصر فيها في علاقة مع المكاسب الاجتماعية والديمقراطية التي وجدت تعبيرا لها في تطور القانون الدولي منذ الحرب العالمية الأولى. إن قاعدة استمرارية التزامات الدول بتسديد ديونها حتى في حال تغيير النظام تعزز الدائنين وتقوي النظام الدولي المهيمن وهي تسعى لمنع الدول (والشعوب) من التحرر من عبء الديون. وغالبا ما كانت هذه القاعدة محط إعادة نظر، سواء من الناحية النظرية من قبل عديد من رجال القانون منذ القرن التاسع عشر، أو من الناحية العملية من خلال لجوء الدول إلى إلغاءات أحادية الأجانب لديونها.

 

إن الجزء الأكثر اقتباسا من كتاب ساك المتعلق بنظرية الدين الكريه يشوبه الالتباس. ونحن نسرده هنا. “إذا عمد نظام استبدادي إلى إبرام قرض ليس من أجل حاجيات الدولة ومصلحتها، بل من أجل تدعيم سلطته الاستبدادية وقمع السكان الذين يناضلون ضده، فإن هذا الدين يعتبر كريها لسكان الدولة بأكملها. ليس هذا الدين ملزما للبلد، بل هو دين ملزم للنظام، دين شخصي للنظام الذي أبرمه. وبالتالي، فهو يعتبر لاغيا وباطلا بسقوط هذا النظام” (صفحة 157). ” ويكمن السبب في عدم اعتبار هذه الديون “الكريهة” ملزمة للبلد، هو كونها لا تستجيب لإحدى الشروط التي تحدد صحة ديون الدولة، وهي وجوب إبرام ديون الدولة واستعمال الأموال التي ستأتي منها لتلبية حاجيات الدولة ولأجل مصالحها (نفس المرجع أعلاه. فقرة 6). إن الديون “الكريهة” التي جرى إبرامها واستعمالها بعلم الدائنين بشكل يتعارض مع مصالح البلد، لا يمكن أن تلزم هذا الأخير – في حال سقوط الحكومة التي أبرمتها- (…) فالدائنون ارتكبوا تصرفا معاديا للشعب، ولا يمكنهم بالتالي أن يعتمدوا على هذا البلد الذي تحرر من النظام الاستبدادي لكي يتحمل الديون “الكريهة” والتي هي تعتبر ديونا شخصية لهذا النظام” (صفحة 158). تهدف دراستنا هذه إلى توضيح موقف ساك، ووضع نظرية الدين الكريه في سياقها، وفحص آفاق تطورها.

 

نشأ ألكسندر ناهوم ساك (موسكو 1890 – نيويورك 1955) في روسيا، واختص في علم القانون، وقام بتدريسه بسان بطرسبورغ ثم بباريس. ويعد ساك أحد المؤسسين البارزين لنظرية الدين الكريه. وقد كٌتب الكثير حول هذه النظرية التي ترتكز على سلسلة من مقولات الفقه القانوني. وغالبا ما تعرضت هذه النظرية لانتقادات وتهميش واسع، أو تم اسقاطها من الدروس الجامعية، إلا أنها كانت مع ذلك محط مئات المقالات وعشرات الكتب المتخصصة. فقد قامت كل من لجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي (1)، وصندوق النقد الدولي (2)، والبنك العالمي (3)، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (4)، والخبير المستقل للأمم المتحدة المكلف بإعداد تقرير عن آثار الديون على ممارسة حقوق الإنسان (5)، ولجنة التدقيق الشامل للدين العمومي للإكوادور التي أرساها الرئيس رافائيل كوريا في عام 2007 (6)، واللجنة من أجل إلغاء ديون العالم الثالث التي أصبحت فيما بعد اللجنة من أجل  إلغاء الديون غير الشرعية (7)، ولجنة تقصي الحقيقة حول الديون اليونانية التي أنشأتها رئيسة البرلمان اليوناني في عام 2015 (8)، بإصدار وثائق حول نظرية الدين الكريه، واتخاذ موقف، وتنظيم ندوات، لأن مسألة الديون غير الشرعية وغير القانونية تطرح باستمرار على قائمة جدول أعمال العلاقات الدولية (9).

 

وشخصيا، أدرس هذه النظرية منذ ثلاثين عاما، وأصدرت أعمالا بشأنها، وشاركت في لجان للتحقيق في الديون غير الشرعية، وغير القانونية، وغير المحتملة، والكريهة. وقد أدركت أن التوجه الذي دافع عنه ألكسندر ساك كان غير معروف بشكل كبير. فسواء الذين يهاجمون النظرية التي صاغها ساك أو أولئك الذين يرتكزون عليها في نشاطهم، يعرفون قليلا أو بشكل مشوه إطار تحليل هذا المختص في القانون الدولي وتوجهه. وعوض الاقتصار على تقديم بعض المقتطفات أو تعريف تبسيطي، سيكون من المفيد جدا أن نتعمق في تناولنا لهذه النظرية إذا أردنا أن نوضح النضال ضد الديون غير الشرعية ونقويه.

ليس ساك ذو نزعة إنسانية يسعى لحماية الشعوب أو الدول من السلوك المضر لرؤساء الدول أو الدائنين المستعدين لإثقال المجتمع بالديون بطريقة لا شرعية وحتى إجرامية. ولم يكن هدفه الرئيسي يتمثل في وضع مبادئ الأخلاق أو الفضيلة في النظام المالي الدولي. كان هدفه يتمثل في تقوية النظام الدولي كما هو قائم، وضمان استمرارية سداد الديون، وبالتالي السماح للدائنين باسترداد قروضهم.

يتناول ساك مسألة الديون الكريهة في كتاب صدر بالفرنسية سنة 1927 بباريس (10). ويكتسي العنوان الذي اختاره له أهمية كبيرة: آثار تحولات الدول على الديون العمومية وباقي الالتزامات المالية: دراسة قانونية ومالية. ويمكن تلخيص السؤال الذي طرحه ساك منذ البداية على النحو التالي: ماذا سيكون مصير القروض التي أبرمتها دولة بعد قيام ثورة تؤدي إلى تغيير النظام؟ ويكشف ساك في أول فقرة من مقدمة كتابه عن السبب الذي دفعه إلى طرح هذا السؤال: “إنها الثورة الروسية التي حدثت في مارس 1917. فهي التي دفعتني إلى فحص آثار تحول سياسي للدولة على دينها العمومي”. وبالفعل، فمن بين الأحداث الرئيسية التي طبعته ودفعته إلى القيام بدراسة معمقة، كانت كل من ثورة أكتوبر 1917 (الذي وصفها بــ “انقلاب بلشفي”)، وإلغاء الديون القيصرية من قبل الحكومة البلشفية في يناير 1918، تحتلان مكانة مركزية (11). وقام بعد ذلك تدريجيا بتوسيع مجال أبحاثه، ودرس مختلف حالات توارث الدول وآثارها فيما يخص الالتزامات التي تربط الدولة أو النظام الجديد بالدائنين.

نيكولا بوليتيس (Nicolas Politis)، رجل دولة يوناني ومختص في القانون، صاغ تقديما لكتاب ساك بين فيه جسامة العمل الذي أنجزه هذا الأخير: “لن أبالغ القول في أن ساك نفذ المهمة التي كان قد سطرها بنجاح كامل. استطاع أن يجمع توثيقا غنيا جدا بشكل نادر (…) وقام بتمحيص اللائحة الطويلة لمعاهدات الضم والإلحاق وتسوية الديون التي أبرمت منذ 150 عاما بتحليل بنودها واحدة بواحدة. وبحث في الطريقة التي طبقت بها الإجراءات التشريعية والإدارية والقانونية التي نتجت عنها. وقام بجمع وترتيب آراء جميع الكتاب الذين تناولوا الموضوع. وتمكن في الأخير أن يستعمل هذا الكم الهائل من المادة وقد أبان عن إحساس جدير بالإعجاب بالضرورات العملية لتفسير الطبيعة القانونية لتوارث الديون، والتزامات المٌدينين وحقوق الدائنين، والعلاقة بين الدول الوارثة، وأنماط توزيع الديون بينها ونٌظم وضع حصصها المتبادلة، وكل ذلك بأدق التفاصيل الممكنة”.

 

لم يعالج ساك مسألة الدين الكريه سوى في نهاية كتابه حيث خصص لها حوالي خمسة عشر صفحة في الفصل الرابع. أما 157 صفحة السابقة فتناول فيها تحويل الديون العمومية حسب مختلف الحالات: غزو (ضم) دولة من طرف أخرى، انفصال دولة عن أخرى، آثار ثورة تؤدي إلى تغيير النظام، إلخ. سأتناول موقف ساك حول الدين الكريه فيما بعد في هذا المقال.

 

بالنسبة لساك، الطبيعة الاستبدادية أو الديمقراطية لنظام ما لا تهم كثيرا

 

بالنسبة لرجل القانون الروسي هذا، عندما يتم تغيير النظام نتيجة ضم أو انفصال أو ثورة، على النظام الجديد أن يسدد الديون التي راكمها النظام السابق. فهناك إذن استمرارية التزامات الدولة إزاء الدائنين حتى في حال حدوث تغيير جذري للنظام. كان هذا الموقف المحافظ والرجعي يهيمن على العلاقات الدولية في تلك الفترة (13).

وعلاوة على ذلك، لا تؤثر الطبيعة (الديمقراطية أو الاستبدادية) للنظام القديم أو الجديد على هذه القاعدة العامة. وما يهم أكثر في نظر ساك، هو وجود حكومة قانونية تمارس السلطة على مجمل تراب البلد: “في نظرنا، الحكومة القانونية هي النظام الأسمى القائم فعلا على حدود ترابية محددة. وسواء كان هذا النظام ملكيا (ملكية مطلقة أو محدودة) أو جمهوريا، أو يستمد حكمه من “نعمة الله” أو من “إرادة الشعب”، أو كان يعبر عن “إرادة الشعب” أو لا، أو عن إرادة الشعب بكامله أو فقط قسم منه، أكان أرسي بشكل قانوني أو لا، إلخ، كل هذا لا يكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للمسألة التي تشغل بالنا الآن” (صفحة 6).

وحسب ساك، يمكن للنظام الجديد أن يعيد النظر في صلاحية الديون التي سيرثها إذا تبين أن الديون المعنية تعد كريهة. وفي هذه الحالة، على النظام الجديد أن يحصل على إذن دولي بخرق استثنائي لقاعدة استمرارية الالتزامات فيما يخص تسديد الديون. وسنرى في آخر هذه الدراسة ما هي الشروط التي يقترحها. وفي المحصلة، سنرى بأن ساك يقيم فرقا بين طبيعة سند الدين وطبيعة الحكومة، حيث أن الحكومة الكريهة يمكنها أن توقع على سندات قرض غير كريه، وبأن حكومة غير كريهة، والتي قد نصفها بشرعية وديمقراطية، يمكن أن توقع على ديون كريهة.

 

بالنسبة لساك، يجب على حقوق الدائنين أن تسمو على حقوق الدولة

كان نيكولا بوليتيس (Nicolas Politis) قد وضح في المقدمة بأن “النظريات القديمة قد أغفلت بأن التزامات الدول الوارثة والتزامات المٌدين الأصلي قائمة إزاء الدائنين وليس إزاء دولتهم” (14).

يعتبر ساك إذن بأن مصلحة الدائنين الخواص تسمو على مصلحة البلد. وكان الهدف الذي يصبو إليه ساك هو إقناع المجتمع الدولي بضرورة التوفر على مدونة وبنيات قانونية دولية تسمح بضمان حقوق الدائنين الخواص إزاء الدول بشكل أفضل (صفحة 14) (15).

وعلى مستوى هذه النقطة المركزية، يتناقض توجه ساك مع توجه رجال القانون الآخرين سواء في القرن التاسع 19 أو الذين عاشوا فترته (16). ويعتبر كل من لويس دراغو (Luis Drago) من الأرجنتين، وكارلوس كالفو (Carlos Calvo) (17) من الأوروغواي، وغوستاف رولان (Gustave Rolin) من بلجيكا، بأن الأمر يتعلق بحماية الدول المٌدينة إزاء تجاوزات الدائنين الخواص المدعومين غالبا من دولهم (أنظر الإطار مع مختلف الاقتباسات). وفعلا، ففي تلك الفترة كان الدائنون الخواص يتشكلون بشكل رئيسي من البنوك ومؤسسات أو أشخاص خواص آخرين يعيشون في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية أو في ألمانيا، وكانوا يستفيدون من دعم حكوماتهم التي لا تتردد في استعمال سياسة الإكراه لتحصيل ديونها.

 

مختصون في علم القانون يقدمون حججا جد مختلفة ويدافعون عن الدول المٌدينة إزاء الدائنين الخواص (18).

 

لويس ماريا دراغو (Luis Maria Drago) (19). أعلن خلال معاهدة لاهاي لسنة 1907: “لا يمكن التشكيك قيد أنملة في أن قروض الدولة هي عقود قانونية، ولكنها تكتسي طبيعة خاصة ولا يمكن خلطها مع أي عقود أخرى، كما لا يمكن أن نطبق عليها القانون المدني. فكونها تدخل ضمن الاختصاصات السيادية التي لا يمكن لأي فرد خاص أن يمارسها، فهي لا تمثل بأي حال التزاما إزاء أفراد معينين. فهي بالفعل تنص بعبارات عامة على أن التسديدات ستتم في تاريخ معين لصالح الدائن الذي هو دائما شخص غير محدد.  ولا يقوم المٌدين من جانبه بتسبيق النقود كما في حال إبرام عقد قرض. فهو لا يقوم سوى بشراء سند متداول في السوق. وبالتالي، ليس هناك أي تصرف فردي موثق ولا أي علاقة مباشرة مع الحكومة المٌدينة.

في العقود العادية، تتصرف الحكومة بموجب الحقوق المتصلة بالشخصية القانونية أو بالهيئة الإدارية وهي لا تمارس حقا سياديا، بل قرينة الحق الذي يحظى به ممثل أو عضو المجلس الإداري لأي شركة مساهمة.

وفي الحالة الثانية، تتصرف بوصفها حكومة سيادية وتمارس وظيفتها كشخصية عمومية. في الحالة الأولى، ندرك بأن الحكومة يمكن استدعاؤها للمثول أمام المحاكم بشكل عادي لتجيب بصدد التزاماتها بموجب القانون الخاص. لكن لا يمكن أن نتصور في الحالة الثانية أن يعاد النظر في ممارسة حقها السيادي أمام محكمة عادية. سيكون على الأقل ضروريا أن نقيم هذا التمييز العملي الذي سمحت لنفسي بإعادة طرحه على الجلسة العامة. فالمحاكم لها الاختصاص بالنسبة للعقود العادية، لكن لا يمكن لأي محكمة أن تملك الاختصاص بالنسبة للديون العمومية.

وإذا ما طرح، من جهة أخرى، بأن قروض الدولة تستدعي عقدا، كما هو الشأن بالنسبة لأي قرض آخر، بمعنى أنها تخلق التزامات بالنسبة للبلد المٌقترض، فسيكون الجواب بأن العقود لا تخلق وحدها الالتزامات. ولكن سيكون من الضروري، وحتى صائبا، أن نعترف بأن الأمر يتعلق بنوع خاص من العقود تحظى بمميزات جلية تمكننا من تصنيفها في قسم آخر على حدة” (20).

غوستاف هوغو (Gustave Hugo) (21). مختص في القانون، وغالبا ما يوصف بكونه أب المدرسة التاريخية في القانون. كتب: “لا يمكن وصف إفلاس دولة بكونه غير قانوني. أما تصنيفه بكونه مناف للأخلاق أو يتضمن مخاطر فيرتبط تماما بالظروف. وإذا أردنا أن نحترم أنفسنا، لا يمكن أن نطلب من الأجيال الحالية أن تتحمل لوحدها آثار حماقة أو غياب البصيرة لدى من سبقوهم، وإلا في الأخير سيسحق سكان البلد بثقل الديون العمومية”.

كارل سالومو زاشاري فون لنخنتال (Karl Salomo Zachariae von Lingenthal) (23). كتب: “الدولة تملك حق تقليص ديونها، وحتى إلغائها كاملة مادامت عاجزة عن الحصول على الأموال الضرورية لتسديد فوائد ورأسمال الدين العمومي علاوة على النفقات الجارية “. وحسب إدوين بورشار (Edwin Borchard)، يدافع زاشاري على أن الحفاظ على حياة المواطنين هو واجب أسمى على الحكومة ويسبق أداء ديونها. وعليها أن تنسى دائنيها إذا لم يكن أمامها خيار آخر. إنه يقيم فرقا بين الذين منحوا قروضا بمحض إرادتهم ووقعوا بذلك عقد الغرر وبين أولئك الذين فٌرض عليهم القرض. ولا يمنح للدولة حق الإخلال بالتزاماتها إزاء دائنين مفروضين سوى في حال القوة القاهرة.

 

فريديريك كارل فون سافينيي (Friedrich Carl von Savigny) (24). ربما تأثر بقانون بروسي صدر سنة 1823 ينص على أن الدولة لا يمكن متابعتها من أجل ديونها العمومية. وخلص إلى أن الديون العمومية ليست من اختصاص قاضي المحكمة كما هو الأمر في القانون الخاص.

 

ج. رولين جاكيمينس (G. Rolin-Jaequemyns) (25). بلجيكي مختص في علم قانون. عبر في مجلة القانون الدولي لسنة 1869، في صفحة 146، على أن إبرام قرض هو تصرف سيادي، كما هو الأمر بالنسبة لتسديده. ويضيف بأن تدخل دولة أخرى غير وارد.

ويتقاسم عديد من علماء القانون الفرنسيون هذا الرأي. ومنهم مثلا لويس بير (Louis Berr) الذي صرح: “إن مواطنا فرنسيا يبرم عقدا مع حكومة خارجية يخضع مسبقا لقوانين هذه الحكومة فيما يخص السلطة القضائية واختصاصات محاكمها. وهو يتنازل طوعا عن الحماية التي توفرها له قوانين بلده الخاصة. وبالتالي، لا يمكنه أن يرفع القضايا التي تتعلق بتسديد الديون وتصفية الالتزامات ضد دولة أجنبية أمام محاكم بلده الخاصة إلا باتفاق مع قواعد القانون العام الجارية بالدولة المٌدينة” (26).

سير روبير فيليمور (Sir Robert Phillimore). في تعليقاته على القانون الدولي (27)، كتب: “قررت المحاكم الإنجليزية بأن السندات التي تشتريها حكومة دولة من أصحابها ليست دينا ملزما. ولا يمكن لأي محكمة خارجية أو محكمة الدولة المٌقترضة أن تفرض عليها تسديده إلا بموافقة الحكومة” (28).

كارل لودفيغ فون بار (Carl Ludwig von Bar) (29). كتب: “إذا تمكن الدائنون من استخلاص مستحقاتهم عبر مصادرتهم ممتلكات، سيشلون آلة الدولة. وبالتالي، فالديون العمومية التي تم إصدارها بموجب قانون خاص، وأبرمت إزاء عدد من الدائنين، هي التزامات للدولة. وتملك الدولة الحق لمنح الأولوية لما تراه ضروريا لحماية نفسها أولا، وتجعل من تسديد هذه الديون اعتبارا ثانويا” (30).

 

 وارين (A. Wuarin). “إن إبرام القرض يتم بموجب قانون (أو مرسوم). ويمكن للدولة لاحقا أن تصدر قانونا آخر (أو مرسوما) تتنصل فيه، ودون حاجة إلى تفسير، من أي التزام، أو تقرر تعليق استهلاك أداء الفوائد أو إلغاء الضمانات…” (اقتبسه ساك، صفحة 37).

 

دولابراديل وبوليتيس (A. de La Pradelle  et N. Politis) (31): “إن الدين الذي ينتج عن قرض يعد التزاما بموجب القانون كما هو الأمر بالنسبة لأي دين آخر. ولكن هذا الدين الذي أبرم لمصلحة عامة يخضع للشروط التي فرضتها الضرورات المالية والإدارية للدولة المٌقترضة. وما دامت هذه الشروط وضعت بموجب إجراءات تشريعية، فيمكن تعديلها بإجراءات تشريعية أخرى” (32).

 

دولابراديل وبوليتيس (A. de La Pradelle et N. Politis). “إن المساهمين في سندات الدين أو مالكيها يعرفون طبيعة العملية ومخاطرها عليهم ويقبلون بها مسبقا. فهم يعرفون بأن الحكومة المٌدينة ستسدد لهم. لكن قد تفرض عليها بعض الظروف تأجيل تسديد الدين، وتعديل مقتضياته، وحتى تقليص مبلغه. وفي غياب تشريع دولي خاص بحالات إفلاس الدولة تتم تصفية الدين بشروط المٌدين. ولكن، حرصا على سمعته وعلى دينه، عليه بالأحرى أن يلجأ إلى إبرام اتفاق مع دائنيه عوض مسطرة الحكومة” (33).

 

كريغوار ديمتريسكو (Grégoire Dimitresco). ” تملك الدولة حق التنصل من تنفيذ كامل أو جزئي للعقد الذي أبرمته مع دائنيها، أو تعديل بنود هذا العقد بالذات إذا تبين لها جدوى ذلك وإذا كانت الظروف تفرضه. إنها تستمد هذا الحق من طبيعة العقد. وهو في الواقع يتنافى مع دور الدولة ووظيفتها في إبرام عقود أخرى في شروط أخرى” (34).

 

كوروفين.م (M. Korovine). أستاذ في معهد القانون الروسي. يعتقد أن إرث الديون يسقط في حال تغيير سياسي. أما قروض الأشخاص في فترة الحكومة القديمة، فهي بمثابة أمانة (35) على الحكومة الجديدة، أي أنها لا تستطيع التصرف فيها”.

 

 

 

يغض ساك الطرف عن شطط أصحاب البنوك فيما يخص إصدار القروض وكذا بصدد التلاعب بالسندات

 

كان ساك على علم كامل بالحالات التي أصدر فيها أصحاب البنوك في لندن وفرنسا وألمانيا أو في الأسواق المالية الغربية الكبرى سندات الدين العمومي وهم يفرضون شروطا مجحفة (36) على الدول التي تلجأ إلى خدماتهم ويتلاعبون بأسعار هذه السندات. وثم توثيق تجاوزات أصحاب البنوك بشكل كبير، وتشكلت لجن التقصي سواء في بريطانيا أو في فرنسا أو في الولايات المتحدة الأمريكية وأنتجت تقارير تتضمن استنتاجات فادحة ضد أصحاب البنوك. وكانت هناك وساطات. كان ساك على علم أيضا بالسلوك المضارباتي للمؤسسات الخاصة التي تملك سندات الدين العمومي. وكان هذا كله محط نقاشات عمومية عديدة طوال القرن التاسع عشر حتى الفترة التي كتب فيها ساك كتابه. وبمناسبة إعداد معاهدة لاهاي لسنة 1907 (أنظر لاحقا القسم الذي يتناول سياسة الولايات المتحدة) ندد عديد من المتدخلين، منهم مثلا لويس دراغو (Luis M. Drago) الذي كان وزيرا في الأرجنتين ومختصا في القانون، بسلوك الدائنين. ولا يشير ساك في أي مكان من كتابه إلى إمكانية الطعن في عقد الاستدانة، وفي إلغاء السندات، في حال تبث وجود تجاوزات واحتيالات من قبل الدائنين بدءا بالبنوك. وهذا يبين الطرف الذي انحاز إليه ساك.

 

عندما سأتناول المعايير التي اعتمدها ساك لتحديد الطابع الكريه لبعض الديون ومسؤولية الدائنين، سنرى بأنه يعالج مسؤولية الدائنين من زاوية تواطئهم مع الأفعال الشنيعة التي ترتكبها الأنظمة التي تستفيد من الديون. هذا صحيح جدا، لكنه غير كاف لأن ساك يستبعد بشكل كامل مسؤولية الدائنين في الوقت الذي يقومون فيه بإصدار السندات في الأسواق المالية (بيعها بأثمان تقل بكثير عن قيمتها الإسمية، رسوم باهظة، معدلات فائدة حقيقية عالية جدا (37)) وفي “تدبير” هذه الأخيرة بعد إصدارها، أي المضاربة والتلاعب في الأسعار (38). إن احتيالات أصحاب البنوك وشططهم وسوء نواياهم تستدعي المحاربة والشجب. إلا أن ساك قرر عمدا، من هذه الزاوية، أن يترك حرية التصرف للدائنين.

وهو يرفض أن يأخذ بعين الاعتبار الحالات التي تنتج عنها ديون كريهة تفرض شروطا مجحفة على المٌدينين. وهذا يعكس توجهه السياسي والإيديولوجي لصالح الدائنين.

 

ورغم ذاك، يتقدم ساك بمقترح إلغاء بعض الديون الكريهة

ورغم انحيازه لصالح الدائنين، يعتبر ساك بأن حالات استثنائية يمكن أن تفرض إلغاء بعض الديون. وحسب ساك، على الدائنين أن يقبلوا بإلغاء بعض الديون إذا ما تبين أن الحكومة التي أبرمتها تنوي استعمالها ضد سكان البلد. لقد اضطر هذا المختص في القانون إلى توضيح وجود استثناء مهم في تطبيق القاعدة المقدسة التي تنص على استمرارية سداد الديون واحترام حقوق الدائنين الخواص. أي أنه في بعض الظروف على الدائنين أن يقبلوا بإلغاء ديونهم إذا تبين أن الدين كريه. ويقبل أيضا نقطتين أساسيتين سأعود لتناولهما لاحقا. فعندما تكون هناك فرضية الديون الكريهة، فالدائنون هم الملزمون بإثبات حسن نواياهم. وإذا عجزوا عن ذلك، يمكن لعقود قروضهم أن تعتبر منافية للدولة. ولكن قبل أن نتناول الدين الكريه كما يحدده ساك، أريد أن أتناول بشكل سريع عناصر أخرى من موقفه في علاقة مع حقوق الدائنين والدول في ظروف معينة كظروف الحرب.

 

تمييع حروب الغزو

يعتبر ساك بأنه من الطبيعي جدا أن تخوض الدول حروب غزو وتفرض جزية على المنهزمين. فحسب ساك، تسمو حقوق الدائنين على حقوق الدولة في حال الحرب. “يمكن للحكومة أن تقود حربا تنتج عنها نفقات هائلة وخسائر في العتاد والأرواح، إلخ. ومن المحتمل أن تؤدي الحرب إلى شروط سلم مجحفة للدولة وتفرض عليها تعويضات نقدا وعينا (عتاد السكك الحديدية، والسفن، والمدفعية، إلخ). سيكون لتصرفات الحكومة، علاوة على نتائج أحداث أخرى، تأثير رهيب على مالية الدولة المٌدينة وقدرتها على التسديد. وكل هذا يشكل مخاطر يجب تحملها من قبل الدائنين الذين لا يمكنهم أن يقيدوا الحكومة لا في حقها في التصرف بحرية في المجال الخاص ومالية الدولة، ولا في حقها في الحرب” (صفحة 58).

ويتبنى ساك بوضوح تراتبية القيم ويلغي منها حق الشعوب في تقرير المصير والسلم. وكما أشرنا أعلاه، إزاء حق الدول في خوض الحرب وتحمل نتائجها، يعتبر ساك أن الدائنين ليس أمامهم سوى الخضوع أمام مصلحة الدولة العليا. ويستشهد في هذه الحالة، دون أن ينتقده، بحكم صدر عن مجلس الدولة الفرنسي يشير بوضوح إلى أن الحق في خوض الحرب يتضمن حق السطو: “إن استيلاء الجيش الفرنسي على الأموال الموجودة في الصناديق العمومية للبلد الذي قام باحتلاله (فينيز في هذه الحالة) لا يعني أن الدولة الفرنسية مٌدينة بتلك الأموال لدائني الدولة المحتلة. فواقع الحرب هنا لا يستدعي أي مطالبة لتلك الأموال” (صفحة 58).

وهذا الحكم يضعف فكرة ساك حول استمرارية التزامات المٌدينين العموميين إزاء الدائنين (أنظر النقطة الموالية).

وعلينا التذكير بأن حق الشعوب في تقرير مصيرها أصبح عنصرا في النظرية الرسمية في الفترة التي صاغ فيها ساك كتابه، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو في الاتحاد السوفياتي (39). ويعارض هذا الحق الاستعمار وعمليات ضم أراضي البلدان التي تمت السيطرة عليها من قبل القوى العظمى. والحال أن ساك، وكما سنرى لاحقا، كان مقتنعا بشكل واضح بــ “مزايا” السياسة الامبريالية التي تخوضها مثلا الإمبراطورية الروسية القديمة إزاء الشعوب غير الروسية التي كانت تسطير عليها وتخضعها، أو الإمبراطورية الألمانية في مستعمراتها الافريقية.

 

ساك واستمرارية التزامات الدول فيما يخص الديون رغم تغيير النظام

يخصص ساك جزءا مهما من كتابه لتحويل الديون في حال تغيير النظام، نتيجة قيام ثورة، أو انقلاب أو حرب أهلية. وهو يستحضر على ما يبدو ما جرى بفرنسا ما بين 1789 والفترة التي بلور فيها نظريته. وهذا ما جعله يستنتج بأن الحكومات المتوالية، ورغم تغيير أنظمتها، تحملت في كل مرة أعباء الدين العمومي.

وإليكم ما كتب: “لم تتنصل الثورة الفرنسية التي قامت في 1789 وأطاحت بالنظام من الالتزامات المالية القديمة للدولة. وقد صدر مرسوم يوم 17 يونيو 1789، وهو التاريخ الذي حولت فيه الطبقة الثالثة (Tiers-État) مجلس الطبقات (États-Généraux) إلى جمعية وطنية، يضع “دائني الدولة تحت شرف الدولة الفرنسية وأمانتها”. وفي جلستها ليوم 13 يوليوز 1789، صاغت الجمعية التأسيسية وجهة نظرها بصدد دين الدولة على النحو التالي:” إن الجمعية الوطنية، وهي التي تترجم إرادة سكان البلد، تعلن بأن الدين العمومي ابرم بضمانة شرف فرنسا وأمانتها. ولا يمكن بالتالي للدولة أن ترفض تسديد فوائد هذا الدين. وليس من حق أي سلطة أن تنطق بكلمة الانهيار المخزية أو تخل بالثقة العمومية بأي شكل أو بأي اسم كان.

ويحتوي دستور 13-14 شتنبر 1791 البند التالي: ” لا يمكن أن ترفض أو تعلق، وكيفما كانت الذريعة، الأموال الضرورية لتسديد ديون البلد “. كما أن دستور 24 يونيو 1793 “يضمن لجميع الفرنسيين الدين العمومي”. هكذا سجلت الالتزامات المالية للنظام القديم في سجل الدين العمومي بموجب المراسيم 15 و16 و17 و24 غشت. كما تم فتح حساب الدولة في السجل الكبير (الفقرة 1، البند 5). وكان أيضا للاعتبارات المرتبطة باللحظة السياسية دورها. فقد كتب (Cambon) في تقريره الشهير ليوم 15 غشت 1793 على السجل الكبير للدين العمومي ما يلي:” لا يمكن أن نميز بين الدين الذي تم إبرامه من طرف الحكم المطلق والدين الذي أبرم منذ الثورة”. ويتابع: ” سترون أن الرأسمالي سيفضل تارة ملكا لأن لديه ملك مٌدين، ويخاف أن يفقد سند دينه إن لم يعد قائما. وسيفضل تارة أخرى الجمهورية التي ستصبح مٌدينته لأنه سيخاف أن يفقد رأسماله بفقدان الجمهورية” (الصفحتين 48-49) (40).

وشهدت فرنسا تغييرات عديدة للنظام: سقوط الملكية (1789)، نهاية الجمهورية الأولى في 1804، سقوط الإمبراطورية الأولى (1814)، سقوط الملكية في 1848، نهاية الجمهورية الثانية في 1852، ونهاية الإمبراطورية الثانية في 1870…هذا دون أن ننسى تغيير العائلة الملكية: عائلة الاورلينانز (Orléans) حلت في 1830 محل آل بوربون (Bourbons) التي أعيد إرساؤها في 1815. ورغم هذا اللاستقرار السياسي والاندفاعات الثورية، فقد احترمت، حسب ساك، قاعدة تحويل الديون العمومية بين مختلف الأنظمة (الصفحتين 49 -50).

ويستشهد ساك بعدة أمثلة من تحويل الديون التي جرت رغم تغييرات النظام الكبيرة أو رغم الحصول على الاستقلال. في القرن 18، تحملت الولايات المتحدة الأمريكية عبأ ديونها إزاء بريطانيا العظمى، رغم إعلانها عن استقلالها الذي حصلت عليه بالحرب (صفحة 48). وتحملت بلجيكا التي انفصلت في 1830 على هولندا جزءا من ديون هذه الأخيرة التي كانت جزءا منها وأدت لها تعويضات (صفحات 80 و83-84). وقبلت أغلب المستعمرات الاسبانية القديمة تسديد الديون التي حصلت عليها في ظل النظام الاسباني (صفحة 52). وفي 1825، أدت البرازيل تعويضا للبرتغال لتقبل باستقلالها.

هذه الاستمرارية في تحويل ديون نظام إلى آخر لم تكن قد تمت في كل مكان. بالعكس. سواء في روسيا في 1918، وفي المكسيك (في خمس مرات بين 1861 و1922)، أو في كوستا ريكا (بين 1919-1922)، ألغت الأنظمة الجديدة الديون المبرمة من قبل الحاكمين الذين سبقوهم. ويجب أن نضيف أيضا الإلغاءات الثلاث التي تمت في الولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن 19، وكذا إلغاء الدين الذي طالبت به إسبانيا  لكوبا. وهذه الأمثلة مهمة جدا.

 

إلغاءات الديون بين 1830 وسنوات 1920

 

إلغاء دين القيصرية الروسية في 1918

حسب ساك، كانت الدولة القيصرية دولة قانونية ولا يهم كثيرا إن كانت لها شرعية أو كانت غير ديمقراطية. وبالتالي فالديون التي أبرمتها يجب أن يتم الوفاء بها حتى في حال تغيير النظام. في مارس-فبراير 1917، حدثت ثورة أدت إلى استيلاء حكومة مؤقتة على السلطة. واعترفت هذه الحكومة المؤقتة بجميع الديون التي راكمها النظام القيصري (صفحة 52)، وهو ما اعتبره ساك أمرا بديهيا. في أكتوبر 1917، حدثت ثورة ثانية، وثم إسقاط الحكومة المؤقتة واستبدلت بحكومة قادها الحزب البلشفي الذي ارتكز على السوفيات (مجالس الجنود والعمال والمزارعين). ويعتبر ساك استيلاء البلاشفة على السلطة انقلابا، لكنه لا يضع محط تساؤل بأن الأمر يتعلق بحكومة قانونية تبسط تدريجيا رقابتها على مجمل البلد خلال الحرب الأهلية التي دامت حتى 1920. واعتبر ساك بأن البلاشفة كان عليهم أن يعترفوا من تلقاء أنفسهم بالديون القيصرية. والحال أن الحكومة الثورية ألغت هذه الديون التي نددت بها واعتبرتها كريهة (41). لم يقبل ساك أيضا عدم مطالبة الحكومة السوفياتية بولونيا، التي تحررت من نير القيصرية وألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، تسديد قسم من ديون الإمبراطورية الروسية التي كانت جزءا منها. وكتب ساك: “فبموجب المعاهدة التي أبرمت بين بولونيا والسوفيات يوم 18 مارس 1921، تنصلت بولونيا عن قسم من ديونها إزاء الإمبراطورية الروسية وما ينتج عنها من فوائد. وأكثر من ذلك. فقد نص البند 13 على ما يلي: ” تتعهد روسيا وأوكرانيا بأداء 30 مليون روبل من الذهب نقدا أو سبائك إلى الجمهورية البولونية جزاء على مشاركتها النشيطة في الإمبراطورية الروسية القديمة، والتي اعترفت بها المفاوضات التمهيدية للسلم في 12 أكتوبر 1920، وذلك في أجل لا يتجاوز سنة بدءا من التوقيع على هذه المعاهدة” (42). ويعتبر ساك هذه الهدية بمثابة خرق للقواعد السارية المفعول في العلاقات الدولية (43).

طوال القرن 19 وبداية القرن 20، كان الحاكمون يستندون على لا شرعية الديون وطابعها الكريه لإلغائها. هذه الاستثناءات الملموسة لقاعدة استمرارية العقود التي تربط دولة بدائنيها دفعت بساك إلى أن يحدد الشروط التي يمكن الحديث فيها عن الديون الكريهة. ومن وجهة نظر ساك، يجب تنظيم عقود الإلغاء وتنبيه الدائنين بمجازفاتهم وهم يمنحون القروض التي قد تتطابق مع معايير الدين الكريه. وهاكم لائحة سريعة للإلغاءات التي حدثت خلال التي الفترة التي صدر فيها كتاب ساك.

 

ثلاث موجات من إلغاءات الديون العمومية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن 19

في سنوات 1830، ألغت أربع ولايات من الولايات المتحدة الأمريكية ديونها، هي المسيسيبي (Mississipi)، والأركاناس (Arkansas) وفلوريدا (Floride) و ميشيغان (Michigan). وكان الدائنون هم البريطانيون بشكل رئيسي. وكتب ساك بهذا الصدد:” إن أحد الأسباب الرئيسية التي تبرر هذه الإلغاءات كان هو تبذير الأموال المقترضة: فغالبا ما كانت القروض من أجل إنشاء بنوك، أو بناء سكك حديدية. والحال أن هذه البنوك أفلست، ولم تشيد خطوط السكك الحديدية. وغالبا ما نتجت هذه الصفقات المشبوهة عن اتفاق بين أعضاء فاسدين من الحكومة ودائنين غير نزيهين” (صفحة 158). وقد حٌكم بالرفض على الدعاوي التي أقامها الدائنون أمام المحكمة الفيدرالية للولايات المتحدة الأمريكية ضد الولايات التي ألغت ديونها. ولتبرير هذا الرفض، ارتكزت المحكمة الفيدرالية على التعديل 11 لدستور الولايات المتحدة الذي ينص على “أن السلطة القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تصدر أي حكم مدني أو حكم إنصاف ضد أي ولاية من ولايات الولايات المتحدة في دعوى رفعها ضدها مواطن أو ولاية أخرى، أو مواطنون أو رعايا دول أجنبية” (44). هذا القرار أحادي الجانب لإلغاء الديون تكلل بالنجاح. ولم يشر ساك إلى قرار المحكمة الفيدرالية هذا، ربما لأنه سيضعف دفاعه عن إمكانية حصول الدائنين الخواص على إدانة دولة قد تتنصل من تسديد ديونها. وكانت تبريرات الإلغاء هي سوء استعمال الأموال المقروضة وعدم نزاهة المقرضين والمقترضين على السواء. وبصدد هذه النقطة بالضبط قدم ساك حكما صائبا، ولم يشر إلى أي طابع استبدادي للنظام.

وعلى إثر حرب الانفصال (1861-1865)، فرضت الحكومة الفيدرالية على الدول الجنوبية إلغاء الديون التي أبرمتها لخوض الحرب. وهذا ما جسده التعديل 14 لدستور الولايات المتحدة الأمريكية الذي نص على ما يلي: “لن تتحمل الولايات المتحدة، ولا أي ولاية من ولاياتها، ولن تسدد ديونا أو التزامات أبرمتها لمساعدة انتفاضة أو تمرد ضد الولايات المتحدة” (45). كان الدائنون قد اشتروا في لندن وباريس بشكل رئيسي سندات أصدرتها البنوك الأوروبية لصالح ولايات الجنوب (46). وكانت أسباب الإلغاء هي أن القروض استعملت لتمويل تمرد ولايات الجنوب التي تجمعت في كونفدرالية ضد الولايات المتحدة. ولم يتعلق السبب بطبيعة الحكم في ولايات الجنوب، وهل كانت استبدادية أو غير ذلك. إن غاية القروض هي التي تم التذرع بها وخصوصا كونها أبرمت من قبل قوى متمردة.

حدثت موجة أخرى من الإلغاءات في الولايات المتحدة في الفترة التي تلت 1877. قامت ثمان ولاية من الجنوب (47) بإلغاء ديونها ونصت على أن القروض التي منحت خلال الفترة الممتدة من نهاية حرب الانفصال إلى 1877 هي قروض غير مشروعة أبرمها سياسيون فاسدون (منهم أقنان تحرروا) ومدعمين من قبل ولايات الشمال. فقد قرر هذا الإلغاء إذن من قبل حاكمين عنصريين (منخرطين بشكل عام في الحزب الديمقراطي) عادوا إلى السلطة بعد انسحاب القوات الفيدرالية التي احتلت الجنوب حتى 1877. ولم يشر ساك إلى هذا الإلغاء.

 

الإلغاء أحادي الجانب الناجح للمكسيك في سنوات 1860

في نفس فترة حرب الانفصال في الولايات المتحدة، ألغى المكسيك في سنة 1860 الدين الكريه الذي طالب به الدائنون الفرنسيون والبريطانيون. وفي رد مناقض، قامت فرنسا مدعومة من قبل بريطانيا واسبانيا بإرسال قوات تدخل بلغت 35 ألف جنديا. واضطر لويس نابليون بونابرت إلى سحب القوات الفرنسية من الأراضي المكسيكية في 1866 أمام الهجوم المضاد الناجح للقوات التقدمية المكسيكية. كما اضطر إلى مواجهة إلغاء جديد للديون قررته حكومة الرئيس بنيو خواريز (Benito Juarez) في 1867 (48). وفي 1883، صادقت السلطة التشريعية المكسيكية على قانون حول تسديد الدين، والذي نص بنده الأول في الجزء الخامس على ما يلي: “لا يمكننا أن نعترف بالديون، وبالتالي لن يكون هناك أي تحويل للديون التي أبرمتها الحكومة المزعومة التي وجدت في المكسيك من 17 دجنبر 1857 إلى 24 دجنبر 1860 (حكومة الجنرال زولاغوا Zuloaga) ومن 1 يونيو 1863 إلى 21 يونيو 1867” (49). وكما نرى، تعرض هذا القرار أحادي الجانب الناجح لمواجهة من قبل أوروبا التي قامت بتدخل عسكري قوي جدا. ونشير بأن المكسيك قرر عدم اللجوء إلى تحكيم دولي.

 

البيرو يتعرض إلى الإدانة وهو يلغي دينه غير القانوني والكريه

وبالمقابل، قبل البيرو بالتحكيم في نزاعه ضد فرنسا التي وقفت إلى جانب أصحاب البنوك الخسيسين بعرضه على محكمة لاهاي. هذه الأخيرة حكمت عليه بتسديد الدين رغم أنه يستجيب لمعايير تسمح –كما سنرى لاحقا- بوصف الدين بالكريه (غياب استفادة للسكان وعلم الدائنين بذلك).

ونص دستور البيرو بتاريخ 10 نونبر 1860 (وأيضا دستور 1839)، في البند 10على ما يلي: “تعتبر لاغية العقود التي تغتصب الوظائف العامة والمناصب التي عهدتها الدولة وفق الشروط التي يحددها الدستور والقوانين” (50).

وفي دجنبر 1897، أسقطت حكومة البيرو من قبل بييرولا (Pierola) الذي استولى على السلطة وأعلن عن نفسه رئيسا للجمهورية. واعترفت بحكومته كل من إنجلترا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا.

كان نيكولا بييرولا (Nicolas de Pierola) رجلا فاسدا يرتشيه أصحاب البنوك الفرنسية وخاصة بنك درايفوس (Dreyfus) الذي حصل من بييرولا لما كان وزيرا للمالية (1868-1871) على احتكار استغلال وتصدير سماد ذرق الطيور الغوانو (guano)، وهو سماد طبيعي كان مطلوبا جدا بأوروبا في تلك الحقبة. والتزم درايفوس بأداء 365 مليون فرنك مقابل 2 مليون طن من هذا السماد الذي تقدر قيمة إعادة بيعه بــ 625 مليون فرنك (52). ومن جهة أخرى، حصل بنك درايفوس على تدبير الدين الخارجي للبيرو ! بمعنى أن درايفوس التزم بتسبيق مبالغ مالية لحكومة البيرو قدرت بــ 75 مليون فرنك بالنسبة للسنة الأولى و 67 مليون فرنك بالنسبة لسنوات اللاحقة وبضمان خدمة الدين البيروفي. ونص البند 32 من العقد على أن الحكومة ترهن جميع مداخيل الدولة إذ عجز سماد الغوانو عن تسديد هذه التسبيقات. وصادق البيرو على هذا العقد في 17 غشت 1869.

وقرر بنك درايفوس تعليق سداد الدين الخارجي للبيرو في بداية 1876 معتبرا أن المداخيل التي يجنيها من الغوانو لا تكفي لمواصلة التسديد (53). وتبين أن بييرولا كان في خدمة مصالح أصحاب البنوك الفرنسيين والانجليزيين وقسما من الأوليغارشية المحلية.

وبعد سقوط الديكتاتور وعودة النظام الدستوري، صدر قانون البيرو في 25 أكتوبر 1886 يلغي جميع العقود السابقة التي أبرمتها حكومته. ورفعت الدعوى ضد هذا القرار إلى محكمة لاهاي الدولية للتحكيم. ويبين هذا ضعف تأكيد ساك على كون العلاقات بين الدائنين الخواص والدول هي من اختصاص القانون الخاص وليس القانون العام (انظر الإحالة 16). وفعلا، وبما أن الدائنين الخواص لا يستطيعون (بعد) أن يرفعوا دعوة ضد دولتهم أمام المحكمة لخرقها بنود عقد، فإنهم يطلبون من “دولتهم” (وهي الدولة الفرنسية في هذه الحالة) حماية مصالحهم إزاء الدولة المٌدينة. وفي النزاع الذي نتناوله هنا، فالدولة الفرنسية التي تدافع عن أصحاب البنوك الفرنسيين هي التي ترفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية لتنصفها ضد الدولة المٌدينة أي البيرو.

وفي دعوى من أجل التحكيم بين فرنسا والشيلي (54)، عللت محكمة العدل الدولية حكمها الصادر في 5 يوليوز 1901 بخصوص حكومة نيكولا بييرولا بالتقديرات التالية: “إن قدرة حكومة على تمثيل دولة في العلاقات الدولية لا تتعلق أبدا بشرعية أصلها…فالذي يستولي على السلطة ويملكها بالفعل، بموافقة معلنة أو مضمرة من سكان البلد، يتصرف ويوقع باسم الدولة المعاهدات التي على الحكومة الشرعية الجديدة أن تحترمها…” (55).

وأعلنت محكمة لاهاي الدولية خلال دعوى التحكيم بين فرنسا والبيرو في حكمها الصادر يوم 11 أكتوبر 1921 بأن القانون الذي صادق عليه البيرو يوم 25 أكتوبر 1886 ليس له أهمية كبيرة، إذ لا يمكن استعماله ضد الدائنين الذين أبرموا العقود بحسن نية. ويبدو جيدا أن محكمة لاهاي تساند بحكمها هذا مصالح أصحاب البنوك الفرنسية والبريطانية.

 

خلاصات يمكن استنتاجها من مثالي المكسيك والبيرو

يبين مثالي المكسيك والبيرو أنه من المستحسن لحكومة جديدة تواجه خلافا مع الدائنين الذين يطالبون بالدين أن تلجأ إلى قرار أحادي الجانب للإلغاء مبني على حجج القانون الداخلي والقانون الدولي عوض اللجوء إلى التحكيم الدولي. ففي الواقع، نادرا وفي حالات استثنائية، يمكن لتحكيم أن ينصف الضعيف (بلد مٌدين من الجنوب) ضد القوي (من الشمال)، إذا ساندت قوة عظمى (من الشمال) الضعيف لمصلحتها الخاصة. وهذا ما سنراه في التحكيم الذي حصل في الخلاف بين كوستا ريكا وبريطانيا في سنوات 1920. ثم إن عدد التحكيمات التي فقد فيها البلد المٌدين الدعوى ضد القوى الدائنة تفوق بكثير تلك التي صدر فيها حكم لصالح البلد المٌدين. يتعلق الأمر بعشر حالات بالنسبة للأولى وحالة واحدة بالنسبة للثانية.

لكن قبل أن نواصل سردنا الكرونولوجي، سنتناول إلغاء الولايات المتحدة للديون التي طالبت بها إسبانيا كوبا على إثر حرب 1898.

 

إلغاء الولايات المتحدة للديون التي طالبت بها إسبانيا كوبا في 1898

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب ضد اسبانيا في أواسط سنوات 1898 وأرسلت أسطولها الحربي وجيوشها لتحرير كوبا من الاستعمار الاسباني. تلقت اسبانيا هزيمة وبدأت مفاوضات في باريس بين البلدين للوصول إلى معاهدة سلم وقعاها في الأخير في دجنبر 1898 (56).

وخلال المفاوضات، دافعت السلطات الاسبانية على الموقف التالي: بما أن الولايات المتحدة استولت على مستعمراتها، فعليها أن تسدد ديون كوبا إزاء اسبانيا. انها قواعد اللعبة. وبالفعل، كانت ممارسة القواعد التي استندت إليها اسبانيا شائعة في القرن 19. فعلى كل دولة تضم أخرى أن تتحمل ديونها. وقد قدم ساك عدة أمثلة بهذا الصدد.

رفضت الولايات المتحدة وقالت بأنها لم ترغب في ضم كوبا. وكان جوهر إعلانها: “حررنا كوبا وقدمنا المساعدة للمطالبين بالاستقلال الذين قاوموا ضدكم منذ عدة سنوات”.

أجاب الاسبان بأن حصول كوبا على الاستقلال يستدعي تسديد ديونها كما وافقت عليها بموجب معاهدة جميع المستعمرات الاسبانية الأخرى التي أصبحت مستقلة خلال القرن 19.

ورفضت الولايات المتحدة بشكل قاطع بأن تطالب اسبانيا كوبا بتسديد ديونها. وفي الأخير، وقعت اسبانيا معاهدة السلم مع الولايات المتحدة وتخلت عن المطالبة بتحصيل الديون.

إن الصيغة الشائعة في سرد ما جرى هي أن الولايات المتحدة رفضت الديون التي تطالب بها اسبانيا كوبا لأنها هذه الديون استعملت لإخضاع كوبا والشعب الكوبي لنير الاستعمار الاسباني. والحال أن تحليلا لمضمون المفاوضات سيعطينا تفسيرا مختلفا. صحيح أن الولايات المتحدة استندت إلى هذه الحجة، لكنها ليست سوى واحدة من بين العديد التي تقدموا بها لتبرير موقفهم.

 

ما هي الحجج التي تقدمت بها الولايات المتحدة؟

1)أصدرت إسبانيا سندات إسبانية في أوروبا لدى البنوك الفرنسية والبريطانية باسم كوبا. فإسبانيا هي التي تضمن إصدار السندات وتقدم كرهن مداخيل الجمارك الكوبية ورسوم أخرى. وأغلبية الديون، إن لم يكن كلها، التي أصدرتها إسبانيا باسم كوبا بقيت في إسبانيا وأغنتها.

2)لا يمكن الحديث في هذه الحالة عن ديون كوبا، لأن كوبا كمستعمرة لم يكن لديها الحق في إصدار سندات بمبادرة خاصة منها أو باسمها الخاص. فمالية الجزيرة كانت تراقبها بشكل حصري الحكومة الإسبانية.

3)لم يكن هناك أي دليل على أن السندات الاسبانية المرهونة بمداخيل كوبا استعملت في مشاريع مفيدة لكوبا. بالعكس، فتاريخ مالية كوبا كمستعمرة يبين بأن مداخيل الجزيرة كانت تمتصها الميزانية الوطنية الإسبانية. وبهذا، وحتى 1861، أنتجت كوبا عائدات تفوق بكثير نفقات الحكومة التي أرستها اسبانيا في كوبا. وكان فائض العائدات بالنسبة للنفقات يحول كله تقريبا إلى إسبانيا. وبعد ذلك، لما انخرطت إسبانيا في الحملات العسكرية المكلفة ضد المكسيك، في سان دومينغ ولمواجهة المطالبين بالاستقلال الكوبيين، كانت المالية الكوبية تعرف عجزا. وبعبارات أخرى، بدأت كوبا تعيش عجزا في الميزانية لأن إسبانيا تستعمل المداخيل الكوبية لتمويل الحروب الاستعمارية سواء خارج كوبا أو على أراضي كوبا. وكانت الحملات العسكرية الاسبانية نحو المكسيك وسان دويمنغ تنطلق من كوبا.

4)وبناء على الحجج 1 و 3 أكدت الولايات المتحدة بأن، كوبا كانت وهمية كبلد مستدين لأن ما يسمى الديون الكوبية تحجب في الحقيقة مديونية إسبانيا. وعللت الولايات المتحدة بأن ميزانية إسبانيا كانت تمتص الفائض الذي تنتجه الجزيرة وتثقلها بالديون التي تخدم مصالحها وليس مصالح كوبا.

وفقط وبعد أن استعملت الولايات المتحدة الحجج السابقة أضافت الحجة الأخلاقية المعروفة: “من زاوية أخلاقية لا يمكن قبول مقترح فرض تسديد الديون على كوبا. إذا كانت النضالات من أجل استقلال الجزيرة خيضت ودعمت فقط من قبل أقلية، كما يقال أحيانا، فأن نفرض على مجمل السكان التكاليف الناتجة عن قمع الانتفاضات يعني معاقبة الجميع على خروقات البعض. وإذا كانت هذه النضالات بالمقابل، وكما يدافع عن ذلك المبعوثين الأمريكيين، تعبر عن طموحات وتطلعات الشعب الكوبي بمجمله، فسحق السكان بعبء ديون خلقتها إسبانيا في محاولتها لمواجهة الاستقلال سيكون بدوره غير عادل. (…)إن عبأ  ما يسمى “الدين الكوبي” المفروض على كوبا دون رضاها وبقوة السلاح يمثل ظلما كبيرا ضد أولئك الذين خاضوا النضالات من أجل استقلال كوبا”. (57).

إزاء هذه الحجج بدلت اسبانيا تكتيكها في المفاوضات. اقترحت أن تخضع الديون الكوبية لتحكيم دولي بغية تحديد أي جزء استعمل فعلا ضد مصالح كوبا. واقترحت اسبانيا نفسها لتحمل جزء الديون التي لم تستفد منها كوبا وطلبت من الولايات المتحدة أن تتحمل الجزء الآخر أو تحويله إلى الدولة الكوبية الجديدة المستقلة. وبعث المفاوضون الأمريكيون برقية إلى الرئيس ماكينلي يطلبون رأيه. أجابهم بكل وضوح أن الولايات المتحدة لن تتحمل أي دين كوبي ولن تشجع كوبا على قبوله.

وفي الخلاصة وبكل بساطة ألغت الولايات المتحدة الدين الذي طالبت به اسبانيا كوبا.

وفي 1909، وبعد أن سحبت الولايات المتحدة قواتها الخاصة، طلبت اسبانيا من الحكومة “المستقلة” الكوبية بتسديد جزء من الدين. ودون أي مفاجأة رفضت كوبا معللة ذلك بأن معاهدة باريس في دجنبر 1898 التي أنهت الحرب بين اسبانيا والولايات المتحدة ألغت جميع الديون. ومن ثم لجأت اسبانيا إلى التفاوض مع دائنيها الفرنسيين والبريطانيين.

وعلاوة على هذا كله، علينا الإشارة بأن الولايات المتحدة لم تطلب في أي لحظة من كوبا أن تبعث ممثليها للمشاركة في المفاوضات التي جرت في باريس. ومن جهة أخرى، استندت الولايات المتحدة بشكل ثانوي على حجة الطابع الاستبدادي للنظام الاستعماري، وركزت بالأحرى على استعمال إسبانيا للقروض المسماة كوبية لتوضح بأن إسبانيا هي المستفيدة الأولى. وبينت أيضا أن إسبانيا هي التي كانت توقع على القروض وليس كوبا.

تحدوني رغبة كبيرة في ربط هذا المثال بالوضعية الحالية في أوروبا. فمقارنة النزاع بين واشنطن ومدريد وهافانا في 1898 يكتسي في الحقيقة أهمية رئيسية إذا أخذنا بعين الاعتبار وضع اليونان وبلدان أخرى كقبرص أو البرتغال في سنوات 2010.

فبعد 2010 بينت بالفعل عديد من الدراسات بأن المبالغ التي اقترضتها اليونان لم تحول إلى السلطات اليونانية (58). استعملت هذه القروض بشكل رئيسي لتسديد ديون البنوك الخاصة الأجنبية خصوصا الفرنسية والألمانية. ومنذ 2010، كانت القروض التي منحت لليونان قد حصلت عليها من 14 دولة من منطقة اليورو، ومن صندوق النقد الدولي، والصندوق الأوروبي للاستقرار المالي الذي عوض بآلية الاستقرار المالي الأوروبي، وذلك لأن اليونان لم يعد بإمكانها ولوج الأسواق المالية (كما هو حال كوبا في ظل الاستعمار الاسباني، في سياق مغاير). فهناك أطراف ثالثة هي التي أبرمت قروضا وحملتها بعد ذلك لليونان وأملت عليه شروطا مجحفة. فقط أقل من 10% من الديون التي تحملها اليونان منذ 2010 هي التي حولت إلى ميزانيته، واستعملت هذه المبالغ الهزيلة لتمويل الإصلاحات المضادة وعمليات الخصخصة. فالمقرضون المشار إليهم أعلاه يحصلون على الأموال من البنوك الخاصة الأوروبية ويستعملونها لتسديد قروضهم دون أن تمر هذه المبالغ المقترضة من الميزانية اليونانية. وتبين أن هذه القروض لم يستفد منها الشعب اليوناني. كما أنها لم تحسن الوضع الاقتصادي والمالي للبلد، بل بالعكس.

وعلينا أن نضيف بأنه في مرحلة أولى حققت البلدان الأربعة عشر لمنطقة اليورو، التي منحت القروض لليونان، أرباحا على حسابه بسن معدلات فائدة فاحشة بين 2010 و2012 (نسبة فائدة بين 4 و5,5%). وحقق صندوق النقد الدولي أيضا أرباحا على حساب اليونان، وكذلك حققها البنك المركزي الأوروبي (59).

أصبح لجوء اليونان إلى إبرام القروض وهما منذ 2010. وتعتبر اليونان كبلد مستدين وهما يخدم مصالح القوى الرئيسية في منطقة اليورو بدءا بألمانيا وفرنسا. وهذه القوى العظمى نفسها تدافع عن مصالح مقاولاتها الكبرى سواء كانت بنكية أو صناعية (خصوصا صناعة الأسلحة) أو تجارية. أقنعت هذه القوى العظمى 12 بلدا آخر من البلدان الأعضاء في منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي لإرساء هذا الوهم بتواطؤ السلطات اليونانية. وساهم في هذه التركيبة كل من آلية الاستقرار المالي الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي. ويحصل الرأسمال اليوناني الكبير (البنكي والتجاري وأصحاب الأسطول البحري) على قسطه من الأرباح من هذه الوضعية.

 

الإلغاء أحادي الجانب للديون من قبل كوستاريكا تدعمه واشنطن

في يناير 1917، أطيحت حكومة كوستا ريكا برئاسة ألفريدو كونزاليس (Alfredo Gonzalez) من قبل كاتب الدولة في الحرب فرديريكو يتينوكو (Federico Tinoco) الذي أقدم على تنظيم انتخابات جديدة وأرسى دستورا في يونيو 1917. انقلاب تينوكو دعمته الأوليغارشية التي رفضت السياسة التي نهجتها الحكومة السابقة. وكان ذلك لأن هذه الأخيرة قررت فرض رسم على الملكية وضريبة تصاعدية على المداخيل (60). حصل تينوكو أيضا على دعم مالك الشركة الأمريكية عابرة الحدود (أونايتيد فروت كومباني United Fruit Company التي ستصبح بدءا من 1989 شيكيتا براندز الدولية Chiquita Brands International) سيئة الصيت، والمعروفة بكونها ساهمت في إسقاط عدة حكومات في أمريكا اللاتينية من أجل تنمية أرباحها (61). وبعد ذلك ثم الاعتراف بحكومة تينوكو من قبل عديد من دول أمريكا الجنوبية وأيضا ألمانيا والنمسا واسبانيا والدانمارك. في حين رفضت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا من جانبها الاعتراف بها.

في غشت 1919، غادر تينوكو البلد حاملا معه مبالغ نقدية هائلة حصل عليها للتو من إبرامه قرضا باسم بلده مع بنك بريطاني، البنك الملكي لكندا (62). تم إسقاط حكومته في شتنبر 1919. أشرفت حكومة مؤقتة على إعادة إرساء الدستور القديم ونظمت انتخابات جديدة. وسيلغي قانون رقم 41 بتاريخ 22 غشت 1922 جميع العقود التي أبرمت بين السلطة التنفيذية والأشخاص الخواص بموافقة السلطة التنفيذية أو بدونها بين 27 يناير 1917 و2 شتنبر 1919. ويلغي هذا القانون أيضا القانون رقم 12 بتاريخ 28 يونيو 1919 الذي كان قد سمح للحكومة بإصدار 16 مليون كولونز (عملة كوستا ريكا) من النقود الورقية. ومن المفيد أن نشير إلى أن رئيس كوستا ريكا الجديد، جوليو أكوستا (Julio Acosta)، طعن في البداية في قانون إلغاء الديون بالفيتو بصفته رئيسا معللا ذلك بكونه يتنافى مع التقليد القاضي باحترام الالتزامات الدولية إزاء الدائنين. لكن المجلس التأسيسي بضغط من الشعب حافظ على موقفه، واضطر الرئيس لسحب الفيتو الذي تقدم به. ويشكل قانون إلغاء الديون وجميع العقود السابقة التي أبرمها النظام القديم قطيعة جلية مع تقليد استمرارية التزامات الدول رغم تغيير النظام. وهذا القرار أحادي الجانب والسيادي الذي اتخذته كوستا ريكا يشبه بشكل واضح القرار الذي اتخذه في 1867 الرئيس بينيتو خواريز (Benito Juarez) والذي دعمه المجلس والشعب المكسيكي لإلغاء الديون التي طالبت بها فرنسا (63). كما أنه يندرج أيضا في السياق الذي عقب المرسوم البلشفي القاضي بإلغاء الديون القيصرية الذي تم اعتماده في 1918.

هددت بريطانيا كوستا ريكا بتدخل عسكري إذا لم تعوض الشركات البريطانية التي تضررت من إلغاء الديون والعقود الأخرى. ويتعلق الأمر بالبنك الملكي لكندا وشركة بترولية. وأرسلت لندن باخرة حرب إلى المياه الإقليمية لكوستا ريكا (64).

وثبتت كوستا ريكا في موقفها برفض التعويض معلنة ما يلي: “إن بطلان جميع العقود التي أبرمها نظام تينوكو حسمه مرسوم الجمعية التأسيسية لكوستا ريكا التي تعد السلطة الأسمى التي لها صلاحية القرار بهذا الصدد، ولا يمكن لقرارها بهذا الشأن الذي اتخذته في إطار ممارسة الحقوق السيادية لشعب كوستا ريكا أن يكون محط تعديل من قبل سلطة خارجية” (65).

ومن أجل إيجاد حل، قبلت كوستا ريكا باللجوء إلى تحكيم دولي في شخص وليام تافت (William H. Taft) رئيس المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية حتى يعطي رأيه حول النزاعين الرئيسين مع بريطانيا، وهما قضية البنك الملكي لكندا وقضية منح استغلال البترول من طرف الديكتاتور تينوكو للمقاولة الأمريكية  British Controlled Oilfields Ltd.

كانت كوستا ريكا تأمل من لجوئها إلى وليام تافت الذي كان رئيسا للولايات المتحدة من 1909 إلى 1913 أن ينصفها نظرا للمصلحة التي كانت لدى واشنطن بتهميش بريطانيا بالمنطقة، وهذا ما جرى بالضبط.

وقضى قرار وليام تافت برفض طلب التعويض الذي تطالب به لندن.

ومن المفيد أن نتأمل عن كثب حجج  وليام تافت. فقد أكد في البداية على أن الطبيعة الاستبدادية لنظام تينوكو عديمة الأهمية. وصرح في حكمه بشكل خاص: “أن نزعم بأن حكومة أرسيت وتدير بكل انسجام إدارتها برضى سكانها خلال مرحلة حاسمة لا يمكنها أن تكون حكومة قائمة فعلا إذا أخلت بمقتضيات الدستور الجاري به العمل، يعني أننا سنزعم أيضا بأنه في إطار القانون الدولي لا يمكن لثورة تتنافى مع القانون الأساسي للحكومة القائمة أن ترسي حكومة جديدة”. وهذا ما يعني بأن تافت رفض حجة كوستاريكا بخصوص طبيعة حكم تينوكو. فحسب تافت، فتينوكو الذي كان يمارس فعلا رقابة على الدولة حتى ولو كان يخرق الدستور، كان يمتلك حق إبرام القروض باسم الدولة. ويضيف حتى أنه كان يحظى برضى السكان.

تفتح حجة تافت هذه الباب للاعتراف بالحكومات الثورية التي تصل إلى السلطة دون احترام الدستور. ويعلن تافت بأنه إذا استثنيا إمكانية أن تصبح حكومة غير دستورية حكومة قانونية، فهذا يعني أن القانون الدولي يمنع شعبا قام بثورة أن يرسي حكومة جديدة شرعية. وهذا ليس صائبا وفق تافت. أكيد أن ما حصل غالبا في الممارسة العملية في القرنين الماضيين هو الاعتراف (ودعم حكومة واشنطن بشكل خاص) بالأنظمة الديكتاتورية التي أطاحت بالأنظمة الديمقراطية، ودعم هذه الأنظمة الديكتاتورية لتحصل على قروض من الخارج، وممارسة ضغط على الأنظمة الديمقراطية التي حلت محلها لتتحمل الديون التي أبرمتها الديكتاتورية. وهذا ما يطبع الفرق بين النظرية التي ترتكز على تاريخ نشوء الولايات المتحدة التي تمردت ضد النظام الدستوري البريطاني في 1776 والممارسة العملية اللاحقة للولايات المتحدة.

يتضمن حكم تافت مقطعا يؤكد على ضرورة احترام قاعدة استمرارية التزامات الدولة رغم تغيير في النظام: ” لا تضر تغييرات في الحكومة أو في السياسة الداخلية لدولة بمكانتها على مستوى القانون الدولي. (…) فرغم التغييرات في الحكومة، تبقى الدولة قائمة دون أن تتغير حقوقها وواجباتها (…) فمبدأ استمرارية الدول له نتائج كبيرة. فالدولة ملزمة باحترام التزاماتها التي اتخذتها الحكومات السابقة، والحكومات الجديدة عليها عادة أن تحترم الالتزامات التي اتخذها النظام الذي استولى على السلطة (…)” (66). وهذا يبين بوضوح الموقف المحافظ لتافت.

وبالمقابل، أنصف تافت كوستا ريكا ضد بريطانيا بناء على حجج أخرى مهمة. يؤكد تافت بأن الصفقات بين البنك البريطاني وتينوكو تشوبها عيوب، وبأن البنك مسؤول عليها. ويضيف بأن “حالة البنك الملكي لا تتعلق فقط بشكل الصفقة، ولكن بحسن نية البنك خلال توقيع القرض بصدد استعماله فعليا من قبل حكومة كوستا ريكا تحت حكم تينوكو. وعلى البنك أن يبرر بأن الأموال التي أقرضها للحكومة كانت لغايات شرعية. وهذا ما لم يفعله.” (67). لنتناول مرة أخرى منطق تافت في التحليل: يمكن لتينوكو أن يبرم قروضا رغم استيلائه على السلطة بخرقه الدستور بشكل سافر، لكن عليه أن يقوم بذلك في مصلحة الدولة. ويؤكد تافت بأن تينوكو أبرم قروضا إزاء البنك الملكي لكندا لمصلحته الشخصية (68). ويضيف تافت بأن البنك كان على علم بذلك، وهو بالتالي متواطئ بشكل مباشر. ونوضح بأنه حسب منطق تافت، إذا كان تينوكو قد حصل على قروض لتنمية شبكة السكك الحديدية، فالنظام الذي حل محله سيكون مضطرا لتسديد تلك الديون.

 

دوافع الولايات المتحدة الأمريكية في إلغائها للديون في حالتي كوبا وكوستاريكا

إن دوافع الولايات المتحدة في إلغائها للديون في الحالتين التي تم تحليلهما (كوبا في عام 1898 وكوستاريكا في سنوات 1920) واضحة، حيث كان الأمر متعلقا بزيادة نفوذها وسلطتها في المنطقة. فكوبا تحتل مكانة استراتيجية لدى واشنطن، وكانت هذه الجزيرة الغنية على مرمى حجر من السواحل الأمريكية. كما أنها كانت تشكل آخر مستعمرة اسبانية في الأميركيتين إلى جانب بورتوريكو التي انتزعتها الولايات المتحدة من إسبانيا في عام 1898. أما بالنسبة لكوستاريكا، فهي تعد جزءا من أمريكا الوسطى التي تعتبرها الولايات المتحدة مجالها الخاص. وكانت بريطانيا حتى ذلك الحين القوة المالية المهيمنة في المنطقة بأسرها. وكانت الولايات المتحدة سعيدة جدا بطرد بنك بريطاني كبير من البلاد وإصدار تحذير إلى كل الآخرين مفاده أن إلغاءات أخرى للدين قد تحدث لأن البنوك البريطانية كما البنوك الفرنسية كانت تشارك في أعمال مليئة بالمخالفات تثقل بلدان أمريكا اللاتينية بالديون. وكانت البنوك الأمريكية تنتظر بفارغ الصبر أخذ مكانها.

في عام 1912، أكد تافت (Taft) الذي كان حينها رئيسا للولايات المتحدة في خطاب له: “يقترب ذلك اليوم الذي ستتألق فيه أعلام الولايات المتحدة في ثلاث نقاط متساوية المسافة تكون مؤشرا على مدى شساعة أراضينا: علم في القطب الشمالي، وآخر على قناة بنما، وثالث في القطب الجنوبي. سوف يكون نصف الكرة الأرضية الغربي في الواقع ملكا لنا، وهو كذلك بالفعل من الناحية المعنوية بفضل تفوق جنسنا “(69) كان الرئيس تافت يدعم بنشاط تمديد البنوك الأمريكية إلى أمريكا اللاتينية بشكل عام وأمريكا الوسطى على وجه الخصوص (70). وفي ديسمبر 1912، أعلن أمام الكونغرس: “إن مبدأ مونرو (Monroe) هو أكثر حيوية في المنطقة المجاورة لقناة بناما ومنطقة البحر الكاريبي من أي مكان آخر. ولذا فمن الضروري أن يتم تخليص البلدان الموجودة في هذه المنطقة من الأخطار الناجمة عن الحمل الزائد من الديون الخارجية المرتبطة بإدارة فوضوية لمالياتها الوطنية ومن الخطر الدائم الذي تمثله توتراتها الداخلية. وهذا هو سبب سرور الولايات المتحدة بتشجيع ودعم المصرفيين الأمريكيين الذين كانوا على استعداد للمساعدة في إعادة التأهيل المالي لهذه البلدان…” (71).

هذا القول المأثور بخصوص كوستاريكا الصادر عن تافت كان محسوبا جدا. لقد رفض أن يستفيض بشأن الطبيعة الاستبدادية وغير الدستورية لنظام تينوكو (Tinoco) القائم بكوستاريكا (72)، في حين كان من السهل اللجوء لاستخدام هذه الحجة لأن واشنطن ولندن رفضتا الاعتراف بنظامه. لقد اختار حججا أخرى. انه أراد تجنب إرساء سابقة تاريخية قائمة على أساس الطابع الديمقراطي أو اللاديمقراطي للنظام. كان يعرف أن واشنطن ومقاولات الولايات المتحدة دعمت وسوف تدعم الطغاة في المستقبل. ناهيك عن الحالات التي ستساهم بنشاط لإرسائهم في الحكم.

 

حجج تافت التي يمكن أن تلهم اليونان والأرجنتين وتونس، الخ.

 

بعض حجج تافت مفيدة لقضية الشعب اليوناني والشعوب الأخرى التي تخضع لنير الديون.

يقول تافت أن الديون والالتزامات الأخرى التي أبرمها تينوكو باطلة لأنها لم تحترم الدستور الذي وضعه هو نفسه بعد انقلابه. هذا الدستور يشرع أن نوع الالتزامات التي أبرمها تينوكو يتطلب تصويتا مشتركا من مجلس الشيوخ ومجلس النواب. والحال أن مجلس النواب وحده هو من صوت لصالح منح امتيازات استغلال النفط والإعفاءات الضريبية للشركة البريطانية. وفقا لذلك، حسب تافت، فإن العقد يعتبر لاغيا (73).

وكما ذكر العديد من فقهاء القانون اليونانيين ولجنة تقصي الحقائق بشأن الديون اليونانية، فإن المادتان 28 و36 من الدستور اليوناني قد انتهكتا عندما صودق على مذكرة 2010 التي تنطوي على تراكم ديون جديدة بقيمة 120 مليار يورو (74). وبغض النظر عن الطابع الديمقراطي أو اللاديمقراطي للنظام اليوناني، فكونه عقد التزامات تجاه الدائنين منتهكا الدستور اليوناني يشكل لوحده حجة البطلان. وطبعا هناك العديد من الحجج التي يمكن أن نضيفها من أجل التأسيس القانوني لإلغاء الديون التي يطالب بها الدائنون الحاليون لليونان.

 

إذا انتقلنا إلى نقطة أخرى من الكوكب، فإن الحجة يمكن أن تستخدم أيضا في الأرجنتين لتبرير إلغاء الالتزامات إزاء الدائنين الأجانب من قبل الأنظمة الديمقراطية المختلفة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية في عام 1983. فدستور الأرجنتين يستبعد إمكانية اللجوء إلى عدالة دولة أخرى عندما تبرم الدولة ديونا أو أنواعا أخرى من الالتزامات.

 

هناك حجة أخرى مفيدة للحكم الصادر عن تافت. لنتذكر أن تافت أعلن أن “البنك يجب أن يثبت أن الأموال التي قدمها كقروض للحكومة هي موجهة لاستخدامات مشروعة”. من الواضح أن الدائنين الذين منحوا القروض لليونان والبرتغال وقبرص وايرلندا واسبانيا، منذ 2010، غير قادرين على إثبات “أن الأموال التي تم إقراضها للحكومة هي موجهة لأغراض مشروعة”، إذ أن المال استخدم في المقام الأول لسداد البنوك الأجنبية للدول المانحة الرئيسية، وتم منحه بشرط تنفيذ سياسات تتعارض مع مصالح البلاد.

 

وتنطبق هذه الحجة أيضا على الديون التي أبرمتها كل من تونس ومصر بعد سقوط الدكتاتورية في عام 2011. لم يتعاقد على  تلك الديون لأجل مصلحة الشعب والوطن. ولم يتم التعاقد عليها لاستخدامات مشروعة.

 

وختاما تكمن أهمية مرافعة تافت في أنه لم يؤسس بطلان الديون المستحقة على كوستاريكا بناء على الطبيعة الاستبدادية للنظام الذي عقدها. يستند حكم تافت على الاستخدام الذي تم إجراؤه لتلك الديون وعلى الاحترام للمعايير القانونية الداخلية للبلاد. وتقول مرافعة تافت أنه رغم أن هناك استمرارية التزامات الدول، من حيث المبدأ، حتى في حالة تغيير النظام، فإن هذه الالتزامات يمكن التنصل منها إذا كان استخدام الأموال المقترضة غير شرعي. وأضاف أنه إذا تضمنت العقود خرقا للقواعد الداخلية السارية المفعول (مثل خرق للدستور) أو شابتها تجاوزات، فإن البلد له حق إلغاء تلك العقود.

 

ليس لدينا أي تعاطف مع تافت، ومن الواضح أن دوافعه كانت مغرضة. شئنا أم أبينا، فإن تحكيم تافت يشكل مرجعية دولية لتطبيق القانون فيما يتعلق بالديون والتزامات أخرى. ومن الضروري أن تمارس الدول حقها بإلغاء ديون غير شرعية.

 

تذكير سريع بخصوص سياسة الولايات المتحدة مع جيرانها في جزئي القارة الأمريكية

 

منذ 1823 اعتمدت الحكومة الأميركية عقيدة مونرو، وهي مشتقة من اسم الرئيس الجمهوري للولايات المتحدة، جيمس مونرو، تلك العقيدة القائمة على إدانة أي تدخل أوروبي في شؤون “الأمريكيتين”. وفي الواقع، سوف تستخدم عقيدة مونرو لتبرير سياسة غزو أكثر فأكثر شراسة من قبل الولايات المتحدة على حساب دول أمريكا اللاتينية المستقلة الجديدة، بدءا بضم جزء كبير من المكسيك في سنوات 1840 (تكساس، ونيو مكسيكو وأريزونا، وكاليفورنيا، وكولورادو، ونيفادا، ويوتا). لنتذكر أن القوات الأمريكية احتلت العاصمة مكسيكو في سبتمبر 1847. ومن الجدير بالذكر أيضا أن الحكومة الأمريكية حاولت إبادة جميع السكان الأصليين “الهنود الحمر” الذين رفضوا الاستسلام، وحتى الذين استسلموا كانوا هم أيضا ضحايا لفظائع وتم رميهم في ثكنات.

وفي عام 1898، كما رأينا، أعلنت الولايات المتحدة الحرب على إسبانيا، وسيطرت على كوبا وبورتوريكو.

وفي عام 1902، خلافا لمبدأ مونرو، لم تدافع واشنطن عن فنزويلا وهي تتعرض لعدوان مسلح من طرف ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا كان هدفه إلزام البلاد على سداد الديون. ثم تدخلت الولايات المتحدة دبلوماسيا كي تستأنف كراكاس تسديد الديون. ونتج عن موقف واشنطن هذا خلاف كبير مع مختلف حكومات أمريكا اللاتينية وعلى وجه الخصوص مع وزير خارجية الأرجنتين، لويس م. دراغو (Luis M. Drago) الذي صرح: “إن المبدأ الذي أود أن يتم الاعتراف به هو مبدأ أن الدين العام لا يمكن أن يؤدي إلى تدخل عسكري، ناهيك عن الاحتلال الفعلي لأرض دول أمريكية من طرف قوة أوروبية. “. وهذا ما سيعرف فيما بعد باسم عقيدة دراغو. وقد أسفرت محادثات الحكومات عن عقد مؤتمر دولي في لاهاي انتهى باعتماد اتفاقية دراغو وبورتر(H. Porter) في سنة 1907 (بورتر كان له منصب عسكري ودبلوماسي في حكومة الولايات المتحدة). وقد اشترط المؤتمر أن يكون التحكيم الوسيلة الأولى لحل النزاعات: يجب على أية دولة طرف في الاتفاقية أن تقبل إجراء التحكيم والمشاركة فيه بحسن نية، وإلا فللدولة التي تطالب بسداد ديونها الحق في استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها.

في عام 1903، قام الرئيس ثيودور روزفلت (Theodore Roosevelt) بتنظيم خلق بناما التي تم فصلها عن كولومبيا ضد إرادة هذه الأخيرة. لقد كان الأمر يتعلق بالقدرة مستقبلا على إنشاء قناة بناما تحت سيطرة واشنطن.

وفي عام 1904، أعلن نفس الرئيس بأن الولايات المتحدة تعتبر نفسها دركيا على جزئي القارة الأمريكية. وأعلن ما يسمى نسخة روزفلت لمبدأ مونرو: “إن الظلم المزمن أو العجز الناتج عن تراخ عام لقواعد المجتمع المتحضر قد يستدعيان، في نهاية المطاف، في أمريكا أو أي مكان آخر، تدخل أمة متحضرة. وفي نصف الكرة الأرضية الغربي، قد يجبر تبني عقيدة مونرو الولايات المتحدة، ولو على مضض، وفي حالات صارخة من الظلم وضعف القوة، على ممارسة سلطة الشرطة الدولية” (75).

وفي عام 1915، غزت الولايات المتحدة هايتي بذريعة استعادة الديون واحتلت البلاد حتى عام 1934 (76). وهناك تدخلات عسكرية أخرى للولايات المتحدة في نفس الفترة لكن قائمتها الكاملة ستكون طويلة جدا.

هذا الملخص الموجز لتدخل الولايات المتحدة وسياستها في جزئي القارة الأمريكية في القرن 19 وأوائل القرن 20 يتيح فهم الدوافع الحقيقية لإلغاء واشنطن للديون المستحقة على كوبا في عام 1898 وكوستاريكا في سنوات 1920.

في عام 1935، لخص الجنرال سميدلي د بتلر (Smedley D. Butler)، الذي شارك في الكثير من غزوات الولايات المتحدة في الأمريكيتين، على طريقته عندما أصبح متقاعدا، سياسة واشنطن كالتالي: “قضيت ثلاثة وثلاثين سنة وأربعة أشهر كجندي في القوة الأكثر فعالية في هذا البلد: مشاة البحرية. عبرت جميع مستويات التسلسل الهرمي، من رتبة ملازم ثاني إلى رتبة جنرال. وطوال هذه الفترة، قضيت معظم الوقت كمقاتل من الدرجة الأولى لصالح التجارة الكبرى، لصالح وول ستريت والمصارف. في كلمة واحدة، كنت قاتلا مأجورا في خدمة الرأسمالية… على سبيل المثال، في عام 1914، ساعدت كي تصبح المكسيك، خصوصا تامبيكو (Tampico)، هدفا سهلا لمصالح أصحاب شركات النفط الأمريكية. لقد ساعدت كي تصير هايتي وكوبا أماكن مناسبة لجمع الأرباح الريعية لبنك ناشيونال بنك سيتي… وفي 1909-1912، ساعدت على تنقية نيكاراغوا لصالح البنك الدولي براون براذرز. وفي عام 1916، حملت النور للجمهورية الدومنيكية باسم مصالح أصحاب صناعة السكر في أمريكا الشمالية. وفي عام 1903، ساعدت على ضمان السلم في هندوراس، لصالح شركات إنتاج الفواكه في أمريكا الشمالية” (77).

 

الدين الكريه وفقا لساك

لقد طال التشويق بما فيه الكفاية. يتعلق الأمر الآن بتحديد الظروف التي يمكن فيها، حسب ساك، وصف دين بالكريه.

وهاكم الجزء الأكثر اقتباسا من كتاب ساك: “إذا تعاقدت سلطة استبدادية على ديون ليس وفقا لاحتياجات ومصالح الدولة، ولكن لتعزيز نظامها الاستبدادي، وقمع السكان الذين يواجهونها، فإن هذا الدين كريه بالنسبة لسكان الدولة بأكملها. ليس هذا الدين إلزاميا للدولة، بل هو دين النظام، دين شخصي للنظام الذي أبرمه. وبالتالي فإنه يسقط بسقوط ذلك النظام”(ص 157). “والسبب في أن هذه الديون” الكريهة “لا يمكن اعتبارها مترتبة على الدولة، هو كونها لا تستوفي أحد الشروط التي تحدد مشروعية الديون الخارجية، والتي هي كالتالي: يجب أن يتم التعاقد على ديون الدولة وتستخدم الأموال المتأتية منها لحاجيات ومصالح الدولة (أعلاه، الفقرة 6). إن الديون “الكريهة”، التي أبرمت واستخدمت بعلم الدائنين لأهداف تتعارض مع مصالح الدولة، لا تلزم هذه الأخيرة -في حال تم اسقاط الحكومة التي أبرمتها-(…) لقد ارتكب الدائنون عملا يتعارض مع مصالح الشعب، بالتالي ليس بإمكانهم انتظار وفاء أمة تحررت من سلطة استبدادية بالديون “الكريهة”، التي هي ديون شخصية لتلك السلطة.”(ص 158).

 

وقد خلص عديد من المعلقين (78) على هذا المقطع أنه وفقا لساك، لوصف دين بأنه كريه، يجب أن يكون مبرما من طرف نظام استبدادي. هذا ليس موقف ساك. في الواقع، يرى هذا الخبير القانوني أن هناك عديد من الحالات يمكن وصف الديون فيها بالكريهة. الاقتباس أعلاه يتعلق بحالة واحدة، ولكن هناك حالات أخرى.

فخمس صفحات بعد الاقتباس السابق، يعرف ساك بطريقة أكثر شمولا المعايير التي تحدد ما إذا كان الدين كريها أم لا. وفي هذا التعريف العام، لا يأخذ كشرط الطبيعة الاستبدادية للنظام: “لذلك، كي يمكن اعتبار دين أبرم بشكل قانوني من قبل حكومة نظامية (انظر أعلاه، الفقرتين 1و5) دينا كريها بدون شك، مع كل ما يترتب عن ذلك من النتائج المذكورة أعلاه، يجب أن تتحقق الشروط التالية (انظر أيضا أعلاه، الفقرة 6 في النهاية:

  1. 1. – يجب على الحكومة الجديدة الاثبات وعلى محكمة دولية الإقرار:

أ) أن الحاجيات التي كانت أساس تعاقد الحكومة السابقة على الدين المعني كانت “كريهة” وتتعارض بصراحة مع مصالح سكان كل الأراضي السابقة للبلد أو جزء منها.

ب) أن الدائنين في وقت إصدار القرض، كانوا على علم بوجهتها الكريهة.

2 – وعند تحقق هاتين النقطتين، فإن الدائنين هم الذين عليهم إثبات أن الأموال الناتجة عن تلك القروض المزعومة قد استخدمت في الواقع ليس لأغراض كريهة وضارة بسكان كل الدولة أو جزء منها، ولكن لتلبية الحاجيات العامة أو الخاصة للدولة، والتي ليس لها طابع كريه (انظر، أيضا تحته، ص. 170). ”

 

في هذا الاقتباس يصف ساك السيناريو الأكثر عمومية، ويقول بشكل واضح جدا أن الديون الكريهة يمكن أن تعزى إلى حكومة شرعية. لنعد قراءة الجملة الأولى من الاقتباس: “كي يمكن اعتبار دين أبرم بشكل قانوني من قبل حكومة نظامية دينا كريها بدون شك، فإنه سيكون من المناسب…”.

لنذكر أن ساك يعرف الحكومة النظامية على النحو التالي: “يجب أن نعتبر حكومة نظامية تلك السلطة العليا القائمة بالفعل داخل نطاق ترابي معين. سواء كانت تلك السلطة ملكية (مطلقة أو محدودة) أو جمهورية، سواء كونها تنطلق من “إرادة الله” أو من “إرادة الشعب”، وسواء كانت تعبر عن “إرادة الشعب” أم لا، إرادة الشعب كله أو جزء منه فقط، وسواء تم إرساؤها قانونيا أم لا، الخ. كل هذا لا يهم بالنسبة للمشكلة التي نحن بصددها“(ص 6).

 

لذلك ليس هناك مجال للشك في موقف ساك المتمثل في أن الطبيعة الاستبدادية للنظام ليست شرطا ضروريا لتحديد وجود الديون الكريهة التي يمكن المطالبة بإلغائها (79). ووفقا لساك، كل الحكومات النظامية، سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية، بأنواعها المختلفة، من الممكن اتهامها بأنها عقدت ديونا كريهة (80).

 

ما هما المعياران اللذان يسمحان بإثبات أن الدين كريه؟ دعونا نقتبس ساك مجددا: “يجب على الحكومة الجديدة الإثبات وعلى محكمة دولية الإقرار:

أ) أن الحاجيات التي كانت أساس تعاقد الحكومة السابقة على الدين المعني كانت “كريهة” وتتعارض بصراحة مع مصالح سكان كل الأراضي السابقة للبلد أو جزء منها

ب) أن الدائنين في وقت إصدار القرض، كانوا على علم بوجهتها الكريهة”.

بتلخيص، يمكننا القول إنه وفقا لساك، فإن دينا يكون كريها إذا تم التعاقد عليه لتلبية حاجيات تتعارض بصراحة مع مصالح السكان وإذا كان الدائنون في وقت منح القرض على علم بذلك.

 

في رأي نشرته مجلة صندوق النقد الدولي “التمويل والتنمية”، يعرف كل من ميخائيل كريمر (Michael Kremer) وسيما جياشاندران (Seema Jayachandran) في عام 2002 نظرية الدين الكريه على النحو التالي: “إن نظرية الدين “الكريه” تعتبر أن الديون السيادية المترتبة دون موافقة السكان وبلا فائدة لهم لا يجب أن يتم تحويلها إلى الدولة الجديدة، لا سيما إذا كان الدائنون يدركون هذه الحقيقة” (81).

 

هذا التلخيص مقنع للوهلة الأولى ولا يحتوي على شرط إلزامي بخصوص الطبيعة الاستبدادية للنظام. ولكن عند قراءة متأنية، ندرك أن إحدى الشروط التي وضعها الكاتبين لم تكن موجودو في تعريف ساك (82). في الواقع، لا يذكر ساك “غياب موافقة السكان” باعتباره واحدا من الشروط التي يجب توفرها لاعتبار دين أنه كريه. إن عدم إشارة ساك لهذا الشرط يتوافق تماما مع موقفه لأنه يقول بوضوح أن طبيعة الحكومة لا تهم.

 

وإذا كان بعض القراء لا تزال لديهم شكوك حول المنطق الذي يطبقه ساك في نظريته اتجاه الأنظمة الاستبدادية، فهذا اقتباس اضافي: “حتى إذا تمت الإطاحة بسلطة استبدادية من طرف أخرى، لا تقل استبدادا، ولا تتجاوب أكثر مع إرادة الشعب، فإن الديون “الكريهة” للسلطة المزاحة مع ذلك تبقى ديونها الشخصية وليست إلزامية للسلطة الجديدة”(ص 158). نرى ذلك بشكل جيد، فالمهم بالنسبة ساك هو فقط الاستخدام الذي جرى للديون وكون المقرضين على علم بذلك.

 

تعليقات ساك بشأن عدة إلغاءات للديون

كمثال على الديون الكريهة، يضيف ساك الديون التي خدمت الإثراء الشخصي للمسؤولين الحكوميين وعمليات غير شريفة للدائنين: “يمكن أن تندرج أيضا ضمن هذه الفئة من القروض الديون التي تم التعاقد عليها لأغراض نفعية وشخصية لأعضاء الحكومة أو لأفراد وجماعات مرتبطة بالحكومة-أهداف لا علاقة لها بمصالح الدولة” (ص. 159). ويقول بعد ذلك مباشرة أنه بعد رفض الاعتراف بهذه الأنواع من الديون الكريهة في الولايات المتحدة في سنوات 1830 كما رأينا ذلك: «أنظر حالات التنصل من بعض القروض من طرف دول مختلفة من أمريكا الشمالية. وتكمن إحدى الأسباب الرئيسية لهذا الإلغاء في تبديد الأموال المقترضة: في الغالب قد تم الاقتراض لتأسيس بنوك أو بناء السكك الحديدية، في حين أفلست هذه البنوك، ولم يتم بناء خطوط السكك الحديدية. كانت هذه العمليات المشبوهة غالبا ما تكون نتيجة اتفاق بين مسؤولين حكوميين عديمي الضمير ودائنين غير شرفاء “(ص 159). لنذكر أنه في هذه الحالة المحددة لرفض الاعتراف بالدين والمتعلقة بأربع دول مختلفة، لم يكن الأمر يتعلق بديون تعاقدت عليها حكومات استبدادية.

 

ثم يعطي ساك مثالا آخر على الديون الكريهة: “عندما تتعاقد الحكومة على الدين لاستعباد سكان جزء من أراضيها أو لاستعمارهم من طرف مواطني الجنسية الغالبة، الخ، تعتبر هذه الديون كريهة للأهالي الأصليين بهذا الجزء من تراب الدولة المدينة ” (ص 159).

 

يذكر ساك عدة أمثلة وقام بالتعليق عليها. وبدأ بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة قدمت من بين الأسباب التي أدت بها أن تعلق الديون التي طالبت بها اسبانيا بخصوص كوبا أن هذه الديون كانت تستخدم أساسا لإبقاء الشعب الكوبي تحت نير الاستعمار.

 

ثم يتناول إلغاءين للديون تقررا بموجب معاهدة فرساي التي وقعت في 28 يونيو 1919.

 

أولى إلغاءات الديون هي إلغاء الديون التي تعاقدت عليها ألمانيا وبروسيا لاستعمار بولونيا أو مثلا تمكين الألمان من الاستقرار على الأراضي التي تمت إعادة شرائها من البولونيون. وبعد هزيمة ألمانيا، أعيد تشكيل بولونيا المستقلة. وتنص معاهدة فرساي على أن الديون التي استخدمت لاستعمار بولونيا لا ينبغي أن تلقى على عاتق هذا البلد المحرر من نير الاستعمار. بقي ساك متحفظا على هذا القرار، لأنه يرى أن جزءا من هذا الدين لم يكن يتوجب إلغاؤه لأنه ليس كريها: “القروض التي كانت الحكومة البروسية قد تحصلت عليها خلال ثلاثين عاما من نشاطها الاستيطاني كانت موجهة لاحتياجات الموازنة العامة، أو على الأقل لم تكن موجهة لاحتياجات “كريهة”. ولا يمكن اعتبار هذه القروض كريهة. “(ص 164).

 

تم علق ساك على إلغاء ثان للديون المتضمنة في معاهدة فرساي. لقد تم تجريد الإمبراطورية الألمانية من مستعمراتها الأفريقية التي تم إلغاء ديونها. مع ذلك فإن المستعمرات الألمانية لم تتحرر، لأنها انتقلت تحت سيطرة القوى التي انتصرت في الحرب. حول هذا، اقتبس ساك جزءا من الجواب الذي أدلى به الحلفاء لألمانيا التي لم تكن على استعداد لقبول هذا الإلغاء لأن ذلك يفترض أنها هي التي ستسدد تلك الديون. كان جواب الحلفاء أنه: “لا ينبغي أن تجبر المستعمرات على دفع أي جزء من الدين الألماني، وأنه ينبغي أن تتحرر من أي التزام لتعويض التكاليف المترتبة جراء إدارة الحماية الإمبراطورية الألمانية. في الواقع، سيكون من الظلم تطويق الأهالي عبر إجبارهم على أداء نفقات استخدمت بوضوح في مصلحة ألمانيا، وأنه ليس أقل ظلما إلقاء هذه المسؤولية على سلطات الانتداب التي، بقدر ما تم تعيينها من طرف عصبة الأمم، لن تستفيد من هذه الوصاية” (83).

وهذه ملاحظتين لساك: “لا يبدو أن هذه الاعتبارات مبررة تماما. إذا تم الإنفاق على المستوطنات في مصلحة ألمانيا، فإن ذلك لا يعني أنها كانت كريهة بالنسبة للمستعمرات (…) “(ص 162). وأضاف: “ويتساءل المرء إن كان عادلا تماما، من جهة، أن القروض الاستعمارية لم يتم نقلها إلى المستعمرات، رغم أنه باسم هذه القروض تم تنفيذ كثير من الإنفاق المنتج في هذه المستعمرات نفسها”(ص 161).

 

هذا ما يوضح الكثير عن التوجه المحافظ لساك، ونزعته الأوروبية المركزية والاستعمارية لأنه لا ينتقد حقيقة زعم الحلفاء أنهم لن يستفيدوا من “الوصاية” (تعبير منافق جدا) على المستعمرات الألمانية السابقة. وعلاوة على ذلك، فإنه يرى أن الإنفاق في المستعمرات كان منتجا في حين أنه استخدم لإخضاع الشعوب وللحصول على أقصى قدر من الأرباح للمركز الاستعماري.

 

هل من المناسب أن نتحدث عن نظرية الدين الكريه بلورها ساك؟

 

إذا اعتبرنا أن “نظرية” تعني بطريقة شاملة الأعمال التي تحتوي على الآراء التي أعرب عنها خبراء قانونيون كنتيجة لتفكير حول قاعدة أو حالة، وإذا ما كان الأمر يتعلق ببلورة نظرية ينبغي بسط “بناء قانوني، وتحديده، ووضعه في مجمل العلاقات القانونية، والإشارة إلى حدوده، وشروط تنفيذه، وتحديد الآثار المترتبة عنه على حياة المجتمعات، والقيام في الوقت نفسه بمعالجة منهجية وتحليلية، ونقدية ومقارنة “(84)، سيكون بالتالي جائزا أن نعتبر أن ساك قد وضع نظرية الدين الكريه.

لبلورة هذا النظرية، ارتكز على قائمة واسعة من المعاهدات الدولية تتناول بشكل خاص عمليات تحكيم بخصوص تسوية الديون التي تم عقدها بين أواخر القرن 18 وسنوات 1920. حلل الكيفية التي تم التعامل بها مع النزاعات بشأن الديون، والتدابير التشريعية والإدارية والقضائية التي أقرتها؛ وجمع وصنف آراء العديد من الكتاب (في الواقع، فقط الأوروبيين والأمريكيين) الذين كتبوا حول هذا الموضوع. وقدم رؤيته للطبيعة القانونية لاستمرارية الديون والتزامات المدينين وحقوق الدائنين، والعلاقات بين الدول المتعاقبة، وأنماط توزيع الديون بينها، والآثار المترتبة على تغيير النظام، وحدد معايير لتحديد الديون الكريهة.

 

إن نظريته قابلة للنقاش، وتحتوي على نقاط ضعف، وتعطي الأولوية لحقوق الدائنين، وتتجاهل حقوق الإنسان، ولكن يجب أن نعترف أن فيها بعض التماسك. يجب أيضا تسجيل أنه على الرغم من انتقادها من قبل بعض الأقوياء (الصحافة السائدة، والبنك الدولي، والعديد من الحكومات)، فإنها تلهم سلسلة من الحركات التي تبحث في أعمال ساك عن مصدر لإيجاد حلول بخصوص تسوية مشاكل الديون. إن كلا المعياران اللذان اختارهما ساك لتحديد وجود دين كريه يسمح لدولة برفض تسديده إجرائيين ومبررين: عدم وجود فائدة للسكان وتواطؤ الدائنين.

 

يتعلق الأمر منذ الآن بتجاوز نظرية ساك مع الاحتفاظ بما هو إجرائي فيها، والتخلي على ما هو غير مقبول بها منذ البداية ودمج عناصر متعلقة بالمكاسب الاجتماعية والديمقراطية التي وجدت تعبيرا لها في تطور القانون الدولي منذ الحرب العالمية الثانية (انظر لاحقا موقف اللجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية CADTM). وينبغي أيضا أن تدمج مباشرة في نظرية الديون الكريهة، مسؤولية الدائنين لأنهم يشكلون بانتظام مصدرا لانتهاك معاهدات وصكوك دولية أخرى لحماية الحقوق. لقد فرض صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على البلدان المدينة سياسات تنتهك عمدا وبشكل متكرر سلسلة من حقوق الإنسان الأساسية. وفرضت الترويكا التي تأسست في عام 2010 على اليونان سياسات تقشف عنيفة أملت قوانين تدوس على العديد من الاتفاقيات الدولية والوطنية المعنية بحقوق الإنسان. وليس الدائنون فقط متواطئون في بعض الأحيان في الأعمال الإجرامية غير المشروعة أو الصريحة التي ارتكبتها الحكومات، بل هم في بعض الحالات وراء هذه الأعمال، بل هم دبروها.

تقودنا التجربة المراكمة منذ قيام ساك بأعماله إلى تعديل العديد من الخيارات التي أدلى بها ساك. واحدة من النقاط الرئيسية التي يجب رفضها في موقفه، والتي تتوافق مع النظام السائد، هي مبدأ استمرارية التزامات الدولة تجاه الدائنين حتى في حالة تغيير النظام. بالتأكيد يؤيد ساك إضافة استثناء – الديون الكريهة – ولكن هذا غير كاف. نقطة أخرى يجب أن يتم رفضها في موقف ساك هي دعم نظام الائتمان الدولي كما هو قائم. وأخيرا، يرى ساك أن دولة ذات سيادة لا يمكنها التنصل من ديون تم تحديدها كديون كريهة دون الحصول على موافقة مسبقة من محكمة دولية يتم تأسيسها لذاك الغرض (انظر المقطع الذي سبق ذكره حيث كتب ساك: يجب على الحكومة الجديدة الاثبات وعلى محكمة دولية الإقرار بما يلي: أ) أن الحاجيات التي كانت أساس تعاقد الحكومة السابقة على الدين المعني كانت “كريهة” وتتعارض بصراحة مع مصالح سكان كل الأراضي السابقة للبلد أو جزء مها، و ب) أن الدائنين في وقت إصدار القرض، كانوا على علم بوجهتها الكريهة. منذ أن قدم ساك هذا الاقتراح، لم يتم إرساء أي محكمة دولية بشأن الديون. وقدمت عديد من المقترحات ولكن أيا منها لم ينجح. وتبين التجربة أنه يجب علينا أن نختار طريقا آخر: الدولة ذات السيادة التي تواجه دينا كريها يمكنها ومن جانب واحد اتخاذ قرار إلغاء هذا الدين. يجوز لها، كخطوة أولى في هذا الاتجاه، البدء من جانب واحد بتعليق تسديد هذا الدين والقيام بتدقيق بإشراك مواطني مع استبعاد الدائنين إسوة بما جرى في الإكوادور في الفترة 2007-2009.

 

نحن بحاجة إلى تطوير نظرية أخرى للديون غير الشرعية، والكريهة، وغير القانونية وغير المحتملة. تنكب على ذلك حركات مثل اللجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية CADTM من خلال الشراكة مع أكبر عدد من الجمعيات وعبر جمع الكثير من الطاقات والمؤهلات. وهذه مقتطفات طويلة من موقف اللجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية تم تبنيه سنة 2008 حول الديون الكريهة ويحتفظ بكامل راهنيته:

 

“لقد سعى العديد من الكتاب في وقت لاحق إلى توسيع أعمال ساك لترسيخ هذا النظرية في السياق الحالي. فقد قدم مركز القانون الدولي للتنمية المستدامة (CISDL) من جامعة ماكجيل (McGill) في كندا، على سبيل المثال، هذا التعريف العام: “الديون الكريهة هي تلك التي تم عقدها ضد مصالح سكان دولة ما، من دون موافقتها وبعلم تام من قبل الدائنين” (85). استند جيف كينغ (Jeff King) (86) على هذه المعايير الثلاثة (غياب الرضى، وعدم وجود فائدة، وعلم الدائنين)، وجمعها بشكل تراكمي، كي يقترح طريقة لتمييز الديون الكريهة.

 

على الرغم من أن مقاربة كينغ مثيرة للاهتمام في كثير من النواحي (87)، فهي من وجهة نظرنا ناقصة لأنها لا تسمح بالأخذ بعين الاعتبار جميع الديون التي يجب أن توصف بأنها كريهة. في الواقع، وفقا لكينغ، فيكفي أن تنبثق حكومة عن انتخابات حرة لكيلا تعتبر ديونها كريهة. ومع ذلك، فقد أثبت التاريخ، مع هتلر في ألمانيا، وماركوس في الفلبين أو فوجيموري في بيرو، أن الحكومات المنتخبة ديمقراطيا يمكن أن تكون ديكتاتوريات عنيفة وترتكب جرائم ضد الإنسانية.

 

ولذلك فمن الضروري الاهتمام بالطابع الديمقراطي للدولة المدينة بغض النظر عن طريقة تشكيلها: إن أي قرض منح لنظام، حتى ولو انتخب ديمقراطيا، لا يحترم المبادئ الأساسية للقانون الدولي مثل حقوق الإنسان الأساسية، والمساواة في السيادة بين الدول، أو عدم اللجوء لاستخدام القوة، ينبغي اعتباره كريها. وفي حالة الديكتاتوريات سيئة السمعة، لا يمكن للدائنين التحجج بجهلهم ولا يمكنهم المطالبة بالتسديد. وفي هذه الحالة، ليست وجهة القروض أساسية لتوصيف الدين. وفي الواقع، إن تقديم الدعم المالي لنظام إجرامي، حتى إن كان للمستشفيات والمدارس، يعد في المحصلة تعزيزا لنظامه، وتمكينه من الاستمرار. أولا، يمكن لبعض الاستثمارات المفيدة (كالطرق والمستشفيات …) أن تستخدم لاحقا لغايات كريهة، على سبيل المثال لدعم المجهود الحربي. وثانيا، يمكن لمبدأ تبادلية الأموال أن يتيح لحكومة تقترض لأغراض مفيدة للسكان أو الدولة – كما هو الحال رسميا دائما تقريبا – أن يحرر أموالا لأهداف أخرى أقل نبلا.

 

إذا ما تجاوزنا طبيعة النظام يجب أن تكون وجهة الأموال على العكس كافية لوصف دين بأنه كريه، عندما تستخدم هذه الأموال ضد المصلحة الكبرى للسكان أو عندما تذهب مباشرة لإثراء دائرة السلطة. في هذه الحالة، تصبح هذه الديون ديونا شخصية، وليست بتاتا ديون الدولة التي تلزم الشعب وممثليه. لنتذكر أيضا واحدة من شروط اعتبار الديون نظامية وفقا ساك “يجب أن يتم إبرام عقود ديون الدولة وأن تستخدم الأموال المتأتية منها لتلبية احتياجات الدولة ومصالحها”. هكذا، تندرج الديون متعددة الأطراف التي تم التعاقد عليها في إطار برامج التقويم الهيكلي في فئة الديون الكريهة، حيث أن الطابع المدمر لهذه السياسات قد ثم التأكيد عليه بشكل واضح، خصوصا من طرف هيئات الأمم المتحدة (88).

وعمليا، وأخذا في الاعتبار التطورات الحاصلة في القانون الدولي منذ التنظير الأول للدين الكريه في عام 1927، يمكن وصف الديون الكريهة على الأقل بأنها تلك التي تقوم بها الحكومات التي تنتهك مبادئ القانون الدولي كما وردت في ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 المتممة له، وكذا القواعد الإلزامية للقانون الدولي. ويجد هذا التأكيد ما يعززه في معاهدة فيينا بشأن قانون المعاهدات لعام 1969، والتي تنص في المادة 53 على بطلان الأفعال التي تتعارض مع القواعد الإلزامية (89)، والتي تشمل، من بين أمور أخرى، المعايير التالية: حظر خوض الحروب العدوانية، وحظر التعذيب، وحظر ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وحق الشعوب في تقرير المصير.

 

وهذا أيضا ما ذهب إليه التعريف المقترح لاتفاقية فيينا سنة 1983 من طرف المقرر الخاص محمد بجاوي في مسودة مقال عن الانتقال فيما يخص ديون الدولة لمن يخلفها: “انطلاقا من وجهة نظر المجتمع الدولي، يمكن أن نعتبر الدين كريها أي دين تم تكبده لأغراض لا تتوافق مع القانون الدولي المعاصر، وخاصة مبادئ القانون الدولي المجسدة في ميثاق الأمم المتحدة”(90).

 

وهكذا، فإن الديون المتعاقد عليها في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا هي كريهة، لأن هذا النظام ينتهك ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحدد الإطار القانوني للعلاقات الدولية. وقد طلبت الأمم المتحدة فعلا من خلال قرار اتخذ في عام 1964، من وكالاتها المتخصصة، بما فيها البنك العالمي، إلى وقف دعمها المالي لجنوب أفريقيا، لكن البنك العالمي تجاهل هذا القرار واستمر في إقراض نظام الفصل العنصري، في تجاهل تام للقانون الدولي (91).

 

وينص القانون الدولي أيضا، في حالة الديون الناجمة عن الاستعمار، على عدم قابلية نقلها للدول التي حصلت على استقلالها، وفقا للمادة 16 من اتفاقية فيينا لعام 1978، والتي تنص على: “يجوز للدولة المستقلة حديثا ألا تحافظ على معاهدة سارية المفعول ولا أن تصبح طرفا فيها لمجرد أن تلك الاتفاقية كانت سارية المفعول بالنسبة للأراضي حين تولت خلافتها”. والمادة 38 من اتفاقية فيينا لعام 1983 بشأن خلافة الدول المتعلقة بالممتلكات والمحفوظات وديون الدول (لم تدخل بعد حيز التنفيذ) واضحة في هذا الصدد:

1.عندما تكون الدولة الخلف دولة مستقلة حديثا، لا يمكن لأي دين دولة للدولة السلف أن يؤول إلى الدولة المستقلة حديثا، ما لم ينص اتفاق بينهما على خلاف ذلك في ضوء العلاقة بين دين الدولة للدولة السلف في ارتباط مع نشاطها في البلد المعني بخلافة الدول والممتلكات والحقوق والمصالح التي تنتقل إلى الدولة المستقلة حديثا.

  1. 2. لا يمكن للاتفاق المشار إليها في الفقرة 1 أن ينتهك مبدأ السيادة الدائمة للشعوب على ثرواتها ومواردها الطبيعية، أو أن يشكل تنفيذه خطرا على التوازنات الاقتصادية الأساسية للدولة المستقلة حديثا.

 

ومن الجدير بالذكر أن البنك العالمي متورط بشكل مباشر في بعض الديون الاستعمارية، لأنه في سنوات الخمسينيات والستينيات منح قروضا إلى القوى الاستعمارية من أجل مشاريع تسمح للمتربولات بتوسيع أرباحها من استغلالها لمستعمراتها. ومن الجدير بالذكر أيضا أن الديون التي أبرمتها السلطات البلجيكية والبريطانية والفرنسية لدى البنك العالمي من أجل مستعمراتها قد ثم تنقيلها إلى البلدان التي حازت على استقلالها دون موافقتها (92).

ومن جهة أخرى، رفض البنك العالمي الخضوع للقرار الذي اتخذ في عام 1965 من قبل الأمم المتحدة يطالبه بوقف دعم البرتغال مادامت تواصل سياستها الاستعمارية.

 

علاوة على ذلك، علينا أن نصف بالكريهة جميع تلك الديون التي أبرمت لسداد الديون التي اعتبرت كريهة. تماثل المؤسسة الاقتصادية الجديدة (New Economic Foundation) (93) عن حق القروض المخصصة لتسديد قروض كريهة بعملية تبييض الأموال. يجب أن يسمح التدقيق بتحديد شرعية أو عدم شرعية هذه القروض.

 

ترتبط الديون الكريهة بمسائل القانون ولا يحظى تعريفها بالإجماع. ولكن كونها استدعت نقاشات لا ينقص في شيء من أهميتها وصحتها. بل ينبغي لنا بالأحرى أن نرى فيها مؤشرا على التحدي الذي تمثله هذه المسألة للدائنين والمدينين على حد السواء، وتجسيدها على المستوى القانوني لصراع بين مصالح متناقضة. ولقد أظهرت عديد من الحالات إمكانية الاستناد إلى هذه الحجة لرفض تسديد الدين”.

 

تعريب أزيكي عمر

نونبر 2016

 

Notes :

(1)

Yearbook of the International Law Commission 1977 Volume II Part One – ilc_1977_v2_p1.pdf, http://legal.un.org/ilc/publications/yearbooks/english/ilc_1977_v2_p1.pdf , voir aussi le rapport de 1979

http://legal.un.org/ilc/publications/yearbooks/english/ilc_1979_v2_p2.pdf

 

(2)

FMI, Michael Kremer et Seema Jayachandran, “La dette odieuse”, Finances et développement – Juin 2002, Washington DC, https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/fre/2002/06/pdf/kremer.pdf

Voir aussi en anglais: Michael Kremer and Seema Jayachandran, “Odious Debt”, Presented at the Conference on Macroeconomic Policies and Poverty Reduction, April 2002, https://www.imf.org/external/np/res/seminars/2002/poverty/mksj.pdf

FMI, « Entre nous : Odieuse ou insidieuse ? » – Finances et développement – Décembre 2004 https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/fre/2004/12/pdf/straight.pdf ; en anglais : https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/2004/12/pdf/straight.pdf

 

(3)

Vikram Nehru and Mark Thomas, 2008, “Odious Debt: Some Considerations” at: http://siteresources.worldbank.org/INTDEBTDEPT/Resources/468980-1184253591417/OdiousDebtPaper.pdf

World Bank, Round table on Odious_Debt_Roundtable, Washington D.C., 14 April 2008, http://siteresources.worldbank.org/CSO/Resources/Odious_Debt_Roundtable_Report_FINAL_July_17_08.pdf

Voir la réaction du CADTM par rapport à la table ronde organisée par la Banque mondiale: CADTM – La position du CADTM Belgique sur la doctrine de la dette odieuse et sa stratégie juridique pour l’annulation de la dette, http://www.cadtm.org/La-position-du-CADTM-Belgique-sur , publié le 20 juin 2008

(4)

Robert Howse, The Concept of Odious Debt in Public International Law, CNUCED-UNCTAD, 2007 http://unctad.org/en/Docs/osgdp20074_en.pdf

(5)

Nations Unies, Cephas Lumina, Rapport de l’expert indépendant chargé d’examiner les effets de la dette extérieure et des obligations financières internationales connexes des États sur le plein exercice de tous les droits de l’homme, en particulier des droits économiques, sociaux et culturels, 2009. http://www2.ohchr.org/english/bodies/hrcouncil/docs/11session/A.HRC.11.1_fr.pdf En anglais: UN, Cephas Lumina, Report of the independent expert on the effects of foreign debt and other related international financial obligations of States on the full enjoyment of all human rights, particularly economic, social and cultural rights, 2009 http://www2.ohchr.org/english/bodies/hrcouncil/docs/11session/A.HRC.11.10_en.pdf

(6)

Voir le rapport final des travaux de cette commission à laquelle j’ai participé en tant que représentant du CADTM. Ce rapport existe en anglais et en espagnol, il peut être téléchargé ici : http://www.auditoriadeuda.org.ec/index.php?option=com_content&view=article&id=89

(7)

Voir CADTM – Dette illégitime : l’actualité de la dette odieuse. Position du CADTM, publié le 28 août 2008, http://www.cadtm.org/Dette-illegitime-l-actualite-de-la

(8)

Commission pour la vérité sur la dette grecque, Rapport préliminaire de la Commission pour la vérité sur la dette publique grecque, en particulier les chapitres 8 et 9, http://www.cadtm.org/Rapport-preliminaire-de-la
Voir également Commission pour la vérité sur la dette grecque, « Analyse de la légalité du mémorandum d’août 2015 et de l’accord de prêt en droit grec et international », http://www.cadtm.org/Analyse-de-la-legalite-du

(9)

On peut citer également la publication récente de livres universitaires sur le sujet : Stephania Bonilla, Odious Debt: Law-and-Economics Perspectives, Gabler publisher, Wiesbaden, 2011 ; Michael Waibel, Sovereign Defaults before International Courts and Tribunals, University of Cambridge, 2013; Jeff King, The Doctrine of Odious Debt in International Law. A Restatement, University College London, 2016; Michael Waibel, Sovereign Defaults before International Courts and Tribunals, University of Cambridge, 2013.

(10)

Les effets des transformations des États sur leurs dettes publiques et autres obligations financières : traité juridique et financier, Recueil Sirey, Paris, 1927. Voir le document presque complet en téléchargement libre sur le site du CADTM : http://cadtm.org/IMG/pdf/Alexander_Sack_DETTE_ODIEUSE.pdf

(11)

La liste des ouvrages qu’il a publiés indique qu’il ne s’est penché sérieusement sur la question des dettes publiques qu’à partir de la révolution russe (voir la liste publiée à la fin de cet article).

(12)

Nicolas Politis (Corfou 1872, Paris 1942), juriste, spécialiste du droit international ; diplomate et homme politique. Docteur en droit et sciences politiques (en 1894) ; professeur agrégé de droit public international aux facultés de droit des universités d’Aix-en-Provence (de 1898 à 1903), Poitiers (de 1903 à 1910), puis Paris (de 1910 à 1914). Membre de l’Institut de France ; membre fondateur de l’Académie d’Athènes (en 1926). Ministre des affaires étrangères de Grèce à plusieurs reprises (de 1916 à 1920, en 1922 et en 1936) ; représentant de la Grèce à la Conférence de la paix en 1919 ; ambassadeur de Grèce en France (de 1924 à 1925 et de 1927 à 1940). Membre et vice-président de l’Institut de droit international, vice-président de l’Académie de droit international de La Haye, membre de la Cour permanente d’arbitrage de La Haye, représentant la Grèce. Délégué à la Société des Nations (en 1923), puis président de l’assemblée de la SDN (en 1932). Autres formes du nom : Nikólaos Polítīs (1872-1942), Νικόλαος Πολίτης (1872-1942) Source : http://data.bnf.fr/13092602/nicolas_politis/

C’est tout à fait frappant de constater que Nicolas Politis qui a été ministre des affaires étrangères de la Grèce à trois reprises ne mentionne pas, dans son introduction au livre de A. Sack, la Grèce comme un exemple emblématique de dette odieuse. Nulle part dans son introduction, il ne fait allusion à la thématique de la dette odieuse qui manifestement à ses yeux ne constitue pas un élément central du livre de Sack.

Sur la dette odieuse de la Grèce dès son origine en 1829-1830, voir Éric Toussaint, « La Grèce indépendante est née avec une dette odieuse », http://cadtm.org/La-Grece-independante-est-nee-avec et Éric Toussaint, « Grèce : La poursuite de l’esclavage pour dette de la fin du 19e siècle à la Seconde Guerre mondiale », http://cadtm.org/Grece-La-poursuite-de-l-esclavage

(13)

Cette règle qui favorise les créanciers et renforce l’ordre international dominant en cherchant à empêcher les États (et les peuples) de se libérer du fardeau de la dette a été souvent remise en cause tant du point de vue de la théorie (comme le montre l’encadré consacré à une série de citations de juristes du 19e siècle) que dans la pratique (voir les exemples de répudiations unilatérales de dettes donnés dans cet article). Plus récemment, de nouveaux travaux remettent en cause cette règle, c’est notamment le cas de Odette Lienau, Rethinking Sovereign Debt: Politics, Reputation, and Legitimacy in Modern Finance, 2014, http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=2583591 et http://www.hup.harvard.edu/catalog.php?isbn=9780674725065. En 2015, la Commission pour la vérité sur la dette grecque, dont j’ai coordonné les travaux, a également remis en cause l’obligation du remboursement de la dette.

(14)

Paradoxalement, cette affirmation très forte semble largement en contradiction avec la position adoptée par le même auteur dans un ouvrage écrit avec A. de La Pradelle : A. de La Pradelle et N. Politis, Recueil des arbitrages internationaux, Paris, 1924. Je mentionne ce paradoxe car, à plusieurs reprises Sack, dans son livre introduit par N. Politis, cite A. de La Pradelle et N. Politis et exprime son désaccord avec ceux-ci. Je reprends plusieurs de ces citations dans cet article. Pour une meilleure connaissance des positions de A. de La Pradelle et N. Politis, lire notamment les pages 545 à 552 de A. de La Pradelle et N. Politis, Recueil des arbitrages internationaux, t. II : 1856-1872, Paris, 1924. Ces pages sont facilement accessibles grâce au lien suivant https://archive.org/stream/recueildesarbitr02lapruoft#page/xxxviii/mode/2up

(15)

De ce point de vue, cette proposition de Sack a connu un succès réel. Au 21e siècle, les créanciers privés obtiennent régulièrement que des tribunaux condamnent des États en matière de dette alors qu’au 19e siècle et au début du 20e, ils étaient souvent déboutés. L’exemple récent le plus emblématique est la condamnation de l’Argentine par un tribunal de New York qui a été saisi par un fonds vautour. Sur l’Argentine et les fonds vautours, voir Renaud Vivien, « Un vautour peut en cacher d’autres », in Le Soir, 23 juin 2014, http://www.cadtm.org/Argentine-un-vautour-peut-en ; Éric Toussaint, « Comment lutter contre les fonds vautours et l’impérialisme financier ? », http://cadtm.org/Comment-lutter-contre-les-fonds ; Julia Goldenberg, Éric Toussaint, « Les fonds vautours sont une avant-garde », http://cadtm.org/Les-fonds-vautours-sont-une-avant. Le Centre International pour le réglement des différends relatifs aux investissements (CIRDI), une structure du groupe de la Banque mondiale chargée d’arbitrer les conflits entre un État et un investisseur originaire d’un autre État, est également de plus en plus sollicité par les créanciers pour faire condamner les Etats. Voir Stéphanie Jacquemont, “Ces vautours qui veulent la peau de l’Argentine”            http://www.cadtm.org/Ces-vautours-qui-veulent-la-peau

Par contre, la proposition de Sack concernant la création d’un mécanisme international pour résoudre les litiges en matière de dettes odieuses n’a pas été mise en pratique.

(16)

Sack soutient de plus « que des emprunts d’État, comme d’autres emprunts publics soient fondés sur un contrat de prêt ou sur un contrat de vente et d’achat d’un titre (ou de la créance découlant de ce titre), toujours est-il que les dettes d’État reposent entièrement, quant à leur teneur matérielle, sur les règles du droit privé. Les éléments de droit public ne figurent pas dans ces contrats et le pouvoir suprême de l’État n’y apparaît pas. — En opérant un emprunt, ou en vendant ses titres, le gouvernement reçoit de l’argent de ses créanciers, ou des acheteurs de ses titres, en vertu d’un libre arrangement avec eux, de même que toute personne privée morale ou physique. La teneur matérielle des règles de droit sur lesquelles repose un emprunt d’État est la même qu’en cas d’emprunt contracté par n’importe quelle personne privée physique ou morale. » (p. 30-31). D’autres juristes éminents s’opposent à cette interprétation. Selon Albert Wuarin, dans « L’emprunt d’État — un acte souverain de l’État », « l’emprunt d’État est donc un contrat soumis à certaines règles particulières de droit public ». Selon Luis M. Drago : « Les emprunts d’État sont… des actes juridiques… d’une nature toute spéciale et ne peuvent pas être confondus avec aucune autre. (…) Émis par un acte de souveraineté qu’aucun particulier ne pourrait exercer, ils ne représentent, en aucun cas, un engagement vis-à-vis de personnes déterminées... » A. de La Pradelle et N. Politis : « L’emprunt public occupe… dans la masse des contrats d’État… une place à part ; c’est une opération de crédit, faite en vertu d’actes souverains, pour assurer la vie du pays et faciliter le fonctionnement de ses services publics. » (cité par Sack, p. 33). Sack commente sèchement les trois opinions précédentes : « Ce point de vue est évidemment erroné. » (Sack, p. 33). Pour une vue plus ample des juristes ne partageant pas le point de vue de Sack, voir l’encadré : « Des juristes qui avancent des arguments très différents de Sack et qui prennent la défense des États endettés face aux créanciers privés ».

(17)

Carlos Calvo (1824-1906) a élaboré une doctrine de droit international, connue comme la doctrine Calvo, qui stipule que les personnes vivant dans un pays étranger doivent faire leurs demandes, plaintes et griefs dans le cadre de la compétence des tribunaux locaux, sans recourir à la pression diplomatique ou à l’intervention militaire. Toutes les voies juridiques locales doivent être épuisées avant d’envisager de saisir les voies diplomatiques internationales. Cette doctrine a été transposée dans plusieurs constitutions de pays de l’Amérique latine. Voir https://fr.wikipedia.org/wiki/Carlos_Calvo

(18)

Une grande partie des citations contenues dans cet encadré proviennent de Edwin Borchard, State Insolvency and Foreign Bondholders, Vol. I. General Principles. Yale University Press, New haven, 1951. Je remercie Christine Pagnoulle pour la traduction de l’anglais vers le français.

(19)

https://fr.wikipedia.org/wiki/Luis_Mar%C3%ADa_Drago

(20)

Voir James Brown Scott, The Proceedings the Hague Peace Conferences. The Conference of 1907, Oxford University Press, 1921, II, p. 557.

(21)

https://fr.wikipedia.org/wiki/Gustave_Hugo

(22)

Lehrbuch des Naturrechts, 2e édition, Berlin, 1819.

(23)

‘über das Schuldenwesen der Staaten’, Jahrbücher der Geschichte (Leipzig, 1830) p. 291.Voir sa biographie : https://fr.wikipedia.org/wiki/Karl_Salomo_Zachari%C3%A4

(24)

Obligationenrecht II, Berlin, 1852, p. 110. Voir aussi https://fr.wikipedia.org/wiki/Friedrich_Carl_von_Savigny

(25)

https://fr.wikipedia.org/wiki/Gustave_Rolin-Jaequemyns

(26)

Étude sur les obligations, Paris, 1880, p. 236.

(27)

3e édition, Londres, Butterworth’s, 1882, II, p. 18. Voir aussi https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_Phillimore

(28)

Citant Crouch vs Credit foncier of England L. R. 8 Q. B. 374 (1873) ; Twycross vs Dreyfus 5 Ch. D. 605 (1877).

(29)

https://en.wikipedia.org/wiki/Carl_Ludwig_von_Bar

(30)

Theorie und Praxis des internationalen Privatrechts, Hannover, Hahn, 1889, II p. 663.

(31)

https://fr.wikipedia.org/wiki/Albert_de_Geouffre_de_La_Pradelle

(32)

Cité et souligné par Sack, p. 37 ; original : Recueil des arbitrages internationaux, T2,1856-1872, Paris, Pedone, 1923, p. 547.

(33)

Cité par Sack, p. 39 ; original op. cité, p. 547.

(34)

Cité par Sack, p. 39

(35)

Cité par Sack, p. 68 sur la base de Le droit international de l’époque transitoire, Moscou, 1924 (en russe), p. 30, cité chez M. Mirkine-Guetzevitch, R. G. D. I. P., 1925, p. 320.

(36)

Ce terme juridique signifie ici que les droits des créanciers sont absolument disproportionnés par rapport à leurs obligations et par rapport aux droits des Etats.

(37)

J’ai présenté des exemples précis de comportements abusifs et frauduleux des banquiers dans plusieurs cas d’émission de titres de dette publique au 19e siècle concernant notamment la Grèce (http://www.cadtm.org/La-Grece-independante-est-nee-avec et http://www.cadtm.org/Grece-La-poursuite-de-l-esclavage), le Mexique et d’autres pays d’Amérique latine (http://www.cadtm.org/La-dette-et-le-libre-echange-comme), l’Egypte (http://www.cadtm.org/La-dette-comme-instrument-de-la), la Tunisie (http://www.cadtm.org/La-dette-l-arme-qui-a-permis-a-la).

(38)

Rappelons que deux articles du Code pénal français interdisaient la spéculation jusqu’en 1885, date de leur abrogation sous la pression des milieux d’affaires de l’époque. Selon l’article 421, « les paris qui auront été faits sur la hausse ou la baisse des effets publics (c’est-à-dire des titres de la dette publique :  note de l’auteur) seront punis d’un emprisonnement d’un mois au moins, d’un an au plus. » L’article 422 précisait : « Sera réputée pari de ce genre, toute convention de vendre ou de livrer des effets publics qui ne seront pas prouvés par le vendeur avoir existé à sa disposition au temps de la convention, ou avoir dû s’y trouver au temps de la livraison. » Voir Paul Jorion, in Financité, novembre 2013.

(39)

Le président démocrate Woodrow Wilson en a fait un élément central de la politique extérieure de Washington et le Traité de Versailles est imprégné à quelques endroits de ce nouveau principe universel : le droit des Polonais à retrouver leur souveraineté face aux anciens empires russes et allemands ; le droit des peuples africains qui avaient été soumis à la domination allemande à ne pas payer les dettes coloniales. Voir Odette Lienau, Rethinking Sovereign Debt: Politics, Reputation, and Legitimacy in Modern Finance, 2014, p. 60-63.

De son côté, Vladimir Lénine en avait fait un principe fondamental de la politique socialiste, il affirmait : « Le socialisme victorieux doit nécessairement instaurer une démocratie intégrale et, par conséquent, non seulement instaurer une égalité totale en droits des nations, mais aussi mettre en application le droit des nations opprimées à disposer d’elles-mêmes, c’est-à-dire le droit à la libre séparation politique. ». Voir Lénine, La révolution socialiste et le droit des nations à disposer d’elles-mêmes, 1916  http://marxiste.fr/lenine/droitnation.html

Pour les positions de W. Wilson et de V. Lénine, voir Odette Lienau, Rethinking Sovereign Debt: Politics, Reputation, and Legitimacy in Modern Finance, 2014, p. 60-63.

(40)

Voir le discours de Cambon : http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k56840w/f13.image

(41)

Dans leur note du 28 mars 1918, au sujet de la répudiation par les soviets de la dette russe, la France et l’Angleterre déclaraient ce qui suit : « Aucun principe n’est mieux établi que celui d’après lequel une nation est responsable des actes de son gouvernement sans qu’un changement d’autorité affecte les obligations encourues : … les engagements ne peuvent être répudiés par aucune autorité, quelle qu’elle soit, sans quoi la base même du droit international se trouverait ébranlée. Autrement, il n’y aurait plus de sécurité dans les relations entre les États ; il deviendrait impossible de traiter un contrat à longue échéance si ce contrat risquait d’être méconnu ; ce serait la ruine du crédit des États au point de vue politique, comme au point de vue financier. » (Sack, p. 47). Soulignons que les principaux créanciers des dettes tsaristes étaient des banquiers et des rentiers français et britanniques. En 1997, un accord est intervenu entre la Russie et la France. Voir sur le site du sénat français, les ACCORDS RELATIFS AU RÈGLEMENT DÉFINITIF DES CRÉANCES ENTRE LA FRANCE ET LA RUSSIE ANTÉRIEURES AU 9 MAI 1945, http://www.senat.fr/seances/s199712/s19971210/sc19971210010.html

(42)

Société des Nations, t. V-VI, p. 51 et suiv., in Sack p. 82.

(43)

Plus loin, quand sera résumée la réaction de Sack par rapport à la disposition du Traité de Versailles de ne pas faire porter sur les anciennes colonies allemandes en Afrique le poids de la dette, on verra que le juriste russe considère que la colonisation apporte des bienfaits aux populations d’Afrique.

 

(44)

Concernant le 11e amendement, voir : https://fr.wikipedia.org/wiki/XIe_amendement_de_la_Constitution_des_%C3%89tats-Unis

 

(45)

Il est très important de souligner que le 14e amendement exclut également toute indemnisation des propriétaires d’esclaves. Quatre millions d’esclaves furent émancipés sans la moindre compensation à l’égard de leurs anciens maîtres. Source : Sarah Ludington, G. Mitu Gulati, Alfred L. Brophy, “Applied Legal History: Demystifying the Doctrine of Odious Debts”, 2009, http://scholarship.law.duke.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=5511&context=faculty_scholarship

(46)

Parmi les créanciers, on trouvait la Banque Erlanger de Paris ainsi que sa filiale londonienne. Elle organise en 1865 la souscription de « l’emprunt Erlanger », permettant aux épargnants de se faire rembourser en coton du Sud des États-Unis, à l’époque de la guerre de Sécession, sous réserve que les États confédérés du Sud l’emportent. Ce pari était rémunéré par un taux d’intérêt, relativement élevé pour l’époque, de 7 % par an. L’emprunt était aussi négociable à Londres. Pendant la guerre de Sécession, les États du Sud avaient organisé une rétention du coton, qui a propulsé les cours jusqu’à un record historique de 1,89 dollar la livre, toujours inégalé deux siècles plus tard. Cette hausse représentait une multiplication par vingt du cours en quelques mois, mais les industriels britanniques avaient eu le temps de constituer des stocks. En 1870, cinq ans après la fin de la guerre, le coton américain avait quasiment retrouvé son niveau de production et le pays restera leader mondial du coton jusqu’en 1931, comme il l’était depuis 1803. Mais les porteurs d’obligations ne furent jamais remboursés, étant donné la répudiation décrétée par le gouvernement fédéral et l’application de la section 4 du 14e amendement à la Constitution. Voir http://www.cadtm.org/La-dette-l-arme-qui-a-permis-a-la

(47)

Il s’agit de l’Alabama, l’Arkansas, la Floride, la Géorgie, la Louisiane, la Caroline du Nord, la Caroline du Sud et le Tennessee. Pour plus de détails, voir Sarah Ludington, G. Mitu Gulati, Alfred L. Brophy, op.cit.

(48)

Voir https://www.herodote.net/Guerre_du_Mexique-synthese-521.php Je reviendrai prochainement sur ce sujet dans un prochain article consacré au Mexique.

(49)

  1. B. MOORE, Digest of International Arbitrations, v. III, p. 2873 et suiv.,

2902 et suiv., 2917 et suiv. ; v. aussi GLONER, Les finances des États-Unis mexicains d’après les documents officiels, 1896, p. 106 et suiv

(50)

Selon Sack, des dispositions semblables sont présentes dans les constitutions du Salvador (art. 69), du Honduras (art. 99), du Venezuela (art. 104) et du Chili (art. 151).

(51)

https://fr.wikipedia.org/wiki/Nicol%C3%A1s_de_Pi%C3%A9rola

(52)

https://fr.wikipedia.org/wiki/Auguste_Dreyfus

(53)

Voir Carlos Marichal, 1989. A Century of Debt crises in Latin America, Prince­ton, University Press, Princeton, p. 130.

(54)

Le Chili, qui avait eu litige avec la France, avait été en guerre avec le Pérou et du coup il était mêlé également au litige entre la France et le Pérou. Il n’est pas utile ici de résumer le litige spécifique entre la France et le Chili.  Ce qui est important, c’est qu’une partie de la sentence concerne le gouvernement péruvien.

(55)

Cité par Sack, p. 11.

(56)

L’exposé qui suit est en partie basé sur l’étude de Sarah Ludington, G. Mitu Gulati, Alfred L. Brophy, op.cit. L’explication diffère de celle donnée par Sack.

(57)

Source de cette citation : J. B. MOORE, Digest International Arbitrations, vol. I, p. p. 358-359.

(58)

Rocholl, J., and A. Stahmer (2016). Where did the Greek bailout money go? European School of Management and Technology, Berlin ESMT White Paper No. WP–16–02. https://www.esmt.org/where-did-greek-bailout-money-go Voir également: Michel Husson, “Grèce : les « erreurs » du FMI” http://www.cadtm.org/Grece-les-erreurs-du-FMI

(59)

Voir les détails dans le chapitre 3 de Rapport préliminaire de la Commission pour la vérité sur la dette publique grecque, http://www.cadtm.org/Rapport-preliminaire-de-la Le FMI exige de la Grèce un taux d’intérêt de l’ordre de 5%. La BCE se fait rembourser par la Grèce des titres à 100% de leur valeur faciale alors qu’elle les a achetés à 60 ou 70% de leur valeur sur le marché secondaire. De même elle exige un taux supérieur à 6% sur ces titres alors qu’elle prête elle-même au taux de 0 % aux banques privées de la zone euro !

(60)

Voir Odette Lienau, Rethinking Sovereign Debt: Politics, Reputation, and Legitimacy in Modern Finance, Harvard, 2014, p. 101

(61)

Pour des informations sur la United Fruit Company : https://fr.wikipedia.org/wiki/United_Fruit_Company

(62)

Voir Sarah Ludington, G. Mitu Gulati, Alfred L. Brophy, “Applied Legal History: Demystifying the Doctrine of Odious Debts”, 2009

[1] Cette décision unilatérale souveraine n’est pas non plus sans rapport avec la décision prise par le Congrès des Etats-Unis de répudier les dettes contractées par les Confédérés (voir plus haut) auprès des créanciers tant étrangers que nationaux, même si dans ce cas il ne s’agit pas d’un changement de régime.

(63)

Cette décision unilatérale souveraine n’est pas non plus sans rapport avec la décision prise par le Congrès des Etats-Unis de répudier les dettes contractées par les Confédérés (voir plus haut) auprès des créanciers tant étrangers que nationaux, même si dans ce cas il ne s’agit pas d’un changement de régime.

(64)

Odette Lienau, op. cité p. 108.

(65)

Traduction par l’auteur d’une citation faite par Odette Lienau, op. cité p. 105

(66)

Odette Lienau, op. cité p. 110

(67)

Juge Taft, cité dans Patricia Adams, Odious Debt, 1991, p. 168.

(68)

Tinoco arbitration, 1. R.I.A.A. P. 394. Voir Sarah Ludington, G. Mitu Gulati, Alfred L. Brophy, op. cit, p. 267.

(69) Citation tirée de Gregorio Selser, Diplomacia, garrote y dolares en América Latina, Buenos Aires, 1962 et reprise par Eduardo Galeano, Les veines ouvertes de l’Amérique latine, L’histoire implacable du pillage d’un continent, Terre humaine, Pocket Plon, p. 149.

(70) Voir Sarah Ludington, G. Mitu Gulati, Alfred L. Brophy, op. cit, p. 266.

(71)

William H. Taft, Message of the President of the United States on our foreign relations, communicated to the two Houses of Congress, 3 décembre 1912. Cité par Yves L Auguste, « La doctrine de Monroe, couverture de l’impérialisme », in Revue de la Société haïtienne d’histoire et de géographie. Sept-déc. 1996.

(72)

Il a même, comme on l’a vu, pris la défense du régime de Tinoco sous le prétexte qu’un peuple devait pouvoir renverser de manière révolutionnaire un régime en place pour établir un nouveau sans respecter la constitution antérieure.

(73) Odette Lienau, op. cité p. 113.

(74)

Voir le rapport préliminaire (juin 2015) op. cité sur http://cadtm.org/Rapport-preliminaire-de-la et le deuxième rapport (septembre 2015) sur http://cadtm.org/Analyse-de-la-legalite-du

(75) https://fr.wikipedia.org/wiki/Corollaire_Roosevelt

(76)

Eduardo Galeano écrit : « Les Etats-Unis  occupèrent Haïti pendant  vingt ans, et dans ce pays noir qui avait été  le théâtre de la première révolte victorieuse des esclaves, ils introduisirent la ségrégation raciale et le régime des travaux forcés, tuèrent mille cinq cents ouvriers au cours de l’une de leurs opérations de répression (selon une enquête du Sénat américain, en 1922) et lorsque le gouvernement local refusa de convertir la Banque nationale en succursale de la National City Bank de New York, suspendirent le paiement des indemnités habituellement versées au Président et à ses ministres pour les contraindre à réfléchir. » Eduardo Galeano, op. cit., p. 151.

(77)

Publié dans Common Sense, novembre 1935. Voir Leo Huberman, Man’s Wordly Goods. The Story of the Wealth of Nations, New York, 1936. Cette traduction de la citation provient de Eduardo Galeano, op. cit., p. 150. A noter qu’une base militaire américaine située à Okinawa porte le nom du chef militaire Smedley D. Butler. Son témoignage fait immanquablement penser à celui de John Perkins, Les confessions d’un assassin financier. Révélations sur la manipulation des économies du monde par les États-Unis, AlTerre, 2005. Note pour la traduction en anglais, le texte original : https://www.goodreads.com/author/quotes/115545.Smedley_D_Butler Note pour les illustrations : on trouve des photos avec texte de Butler sur internet

(78)

Le CADTM et moi-même avons fait l’erreur de penser que Sack considérait que le caractère despotique du régime constituait une condition sine qua non. Nous étions en désaccord avec la doctrine de Sack sur ce point et avons écrit à maintes reprises que la nature despotique du régime ne pouvait pas constituer une condition obligatoire, c’est une condition facultative et aggravante. En réalité, sur ce point, il y avait un malentendu lié à certaines formulations utilisées par Sack et surtout dû à l’interprétation la plus répandue de sa doctrine, notamment celle contenue dans le livre de Patricia Adams. De leur côté, des auteurs comme Sarah Ludington, G. Mitu Gulati, Alfred L. Brophy ont mis le doigt sur cette erreur d’interprétation même si eux-mêmes semblent penser que Sack incluait à tort la nature despotique du régime comme une condition nécessaire. Voir leur intéressant article déjà cité. Eux-mêmes sont convaincus qu’il ne faut pas inclure la nature du régime comme une condition nécessaire. Ils affirment de plus, comme nous l’avons mentionné que dans le jugement de Taft sur l’affaire Tinoco, que l’ex-président des Etats-Unis s’est bien gardé de mettre en avant le caractère despotique de son régime. Dans son article « The Doctrine of Odious Debts in International Law », la juriste Sabine Michalowski résume correctement les critères définis par Sack. Elle n’inclut pas parmi ceux-ci le caractère despotique du régime. Son texte fait partie d’un ouvrage collectif très intéressant auquel le CADTM a contribué intitulé How to Challenge Illegitimate Debt Theory and Legal Case Studies édité par Max Mader et André Rothenbühler pour Aktion Finanzplatz Schweiz (AFP). On peut le télécharger librement ici: https://asso-sherpa.org/sherpa-content/docs/programmes/FFID/GT/Debt.pdf

(79)

Une autre citation de Sack confirme clairement qu’il est opposé à ce que la nature (despotique) du gouvernement soit une condition sine qua non à remplir pour identifier une dette odieuse : « L’application d’autres conditions que celle que nous avons établie (p. 6-7) entraînerait la paralysie de tout le système international du crédit public, car des jugements arbitraires, variés et contradictoires sur le caractère de tel ou tel gouvernement (si de semblables jugements avaient un poids réel dans la question de la reconnaissance ou non-reconnaissance des dettes comme dettes d’État) priveraient le monde des bienfaits du crédit public. » (p. 11).

(80)

Qu’est-ce qu’un gouvernement non régulier selon Sack ? Réponse : un gouvernement qui n’exerce par le contrôle sur tout le territoire, par exemple une coalition rebelle qui tente de renverser le gouvernement régulier en place. L’exemple emblématique pour Sack : les États sudistes qui se sont rebellés contre les Etats-Unis ne constituaient pas un gouvernement régulier. Du coup, les dettes qu’ils ont contractées sont des dettes personnelles des insurgés. Ce ne sont pas des dettes que l’État doit assumer. Si les « sudistes » (connus comme les « confédérés ») avaient vaincu les Nordistes (c’est-à-dire les Etats-Unis) au cours de la Guerre de Sécession en 1861-1865, ils seraient devenus le nouveau gouvernement régulier. Le gouvernement régulier nordiste aurait disparu.

(81)

FMI, Michael Kremer et Seema Jayachandran, « La dette odieuse », Finances et développement, juin 2002, Washington DC, https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/fre/2002/06/pdf/kremer.pdf

(82)

Evidemment, Michael Kremer et Seema Jayachandran ont tout à fait le droit d’ajouter eux-mêmes cette condition supplémentaire. Mais il paraît évident que le consentement est régulièrement obtenu par la manipulation de l’opinion publique. On peut également se trouver face à une situation où une majorité fanatisée de la population donne son consentement pour que soient menées des politiques odieuses et criminelles, comme cela a été le cas sous le régime nazi par exemple.

(83)

Source : Treaty series, n° 4, 1919, p. 26. Cité par Sack, p. 162. Texte original en anglais : “The colonies should not bear any portion of the German debt, nor remain under any obligation to refund to Germany the expenses incurred by the Imperial administration of the protectorate, In fact, it would be unjust to burden the natives with expenditure which appears to have been incurred in Germany’ s own interest, and that it would be no less unjust to make this responsibility rest upon the Mandatory Powers which, in so far as they may be appointed trustées by the League of Nations, will derive no benefit from such trusteeship.”

(84)

Serge Braudo, Dictionnaire du droit privé, http://www.dictionnaire-juridique.com/definition/doctrine.php

(85)

Khalfan et al., ” Advancing the Odious Debt Doctrine “, 2002, cité dans Global Economic Justice Report, Toronto, July 2003

(86)

Jeff King, « Odious Debt : The Terms of Debate »

(87) King propose notamment la réalisation d’audits pour déterminer l’absence ou non de bénéfice.

(88)

Voir Eric Toussaint, La finance contre les peuples : la bourse ou la vie. Paris : Syllepse ; Genève : CETIM ; Liège : CADTM, 2004, p. 516-519.

(89)

L’article 53 dispose : « Est nul tout traité qui, au moment de sa conclusion, est en conflit avec une norme impérative du droit public international général. Aux fins de la présente Convention, une norme impérative de droit international général est une norme acceptée et reconnue par la communauté internationale des États dans son ensemble en tant que norme à laquelle aucune dérogation n’est permise et qui ne peut être modifiée que par une nouvelle norme du droit international général ayant le même caractère ».

(90)

Mohammed Bedjaoui, « Neuvième rapport sur la succession dans les matières autres que les traités », A/CN.4/301et Add.l, p. 73.

(91)

Voir Eric Toussaint, Banque mondiale, le coup d’État permanent : l’agenda caché du consensus de Washington, Syllepse-CETIM-CADTM, 2006.

(92) Voir Eric Toussaint, op. cit.

(93) Voir le rapport de la New Economics Foundation, « Odious Lending : Debt Relief as if Moral Mattered », p. 2: «The result is a vicious circle of debt in which new loans have to be taken out by successive governments to service the odious ones, effectively ’laundering‘ the original loans. This defensive lending can give a legitimate cloak to debts that were originally the result of odious lending ». Disponible sur www.jubileeresearch.org/news/Odiouslendingfinal.pdf

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com