أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الازدهار الاقتصادي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.. صندوق النقد الدولي ينصب حبائله

الازدهار الاقتصادي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.. صندوق النقد الدولي ينصب حبائله

تميزت السنون التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية، باندلاع نمو اقتصادي متصاعد لدى الدول الصناعية الرئيسية – أعنى ذلك النمو، الذي درج الألمان على تسميته ب ” المعجزة الاقتصادية “، والذي لعب صندوق النقد الدولي، خلاله دورا ثانويا، من حيث حجم ما منح من قروض. فخلال العامين 1947 و1948، استدانت من الصندوق إحدى عشرة دولة فقط. وفي العام 1950، لم تطلب الاستلاف من الصندوق ولا حتى دولة واحدة، أما في الأعوام التالية، فإن الملاحظ هو أن عددا ضئيلا جدا من الدول ناشد الصندوق أن يمده بشيء من السيولة. بيد أن هذه التطورات، لا تعني، بأي حال من الأحوال، أن قيادة الصندوق القابعة في واشنطن، كانت عاطلة عن العمل، لا فاعلية لها: ففي عهد ثاني مدير تنفيذ في الصندوق، اعني إيفار رووت  (ivar rooth )، الاقتصادي السويدي الذي عمل سابقا محافظا للمصرف المركزي السويدي، ومديرا تنفيذيا في بنك التسويات الدولية، في مدينة بازل السويسرية، اندلع تطور قدر له أن يكون منعطفا خطيرا في تاريخ المنظمة – بدأ ربط التمويل بشروط لا لبس فيها.

وكان هاري دكستر وايت، قد اقترح شيئا من هذا القبيل، في مؤتمر بريتون وودز، لكنه مني بالفشل بفعل المقاومة، التي أبدتها بريطانيا. بيد أن وضع بريطانيا كان قد ازداد تدهورا آنذاك. فكفاح مستعمراتها، لنيل الاستقلال، أعني كفاح مستعمراتها في أفريقيا بنحو مخصوص، وكذلك هزيمتها النكراء في الشرق الأوسط على خلفية أزمة قناة السويس، أسال لعاب الولايات المتحدة، فهي رأت في هذه التطورات فرصة مناسبة، لفرض إرادتها ومصالحها الخاصة في صندوق النقد الدولي، بقوة، أكبر وإصرار أشد عنفا مما سبق.

على صعيد آخر، وفي سياق استحداث الصندوق اتفاقيات الاستعداد الائتماني ( stand – by- arrangngements) – وهي اتفاقيات كانت قواعدها قد ازدادت صرامة، من ناحية، عقب اندحار البريطانيين في الصراع على قناة السويس، ومن ناحية أخرى، على خلفية تعاظم التوترات في العلاقات البريطانية – الأمريكية – فإنه استحدث، أيضا، مبدأ ” المشروطية “(  conditionality principle ). وفحوى هذا المبدأ هو أن الموافقة على التمويل المطلوب، أمست تتوقف على تنفيذ شروط معينة، تتعدى الشروط المتفق عليها بشأن فترات السداد ومعدلات الفائدة.

و لإلزام الدول بالانصياع لهذا المبدأ، استخدم إستراتيجيو الصندوق أسلوبا ذكي لتضليل الرأي العام. فابتداء من العام 1958، جرى إلزام حكومات الدول المستلفة، بإصدار ” خطاب نوايا ” ( letter of intent )، تعرب فيه عن التزامها بتحقيق ” أهداف كمية محددة فيما يتصل بسلامة المركز الخارجي، و الاستقرار المالي و النقدي، و النمو القابل للاستمرار “، وسعيها إلى التحكم في المشاكل المخيمة على ميزان المدفوعات. وبهذا النحو أعطى الصندوق الإجراءات، الواردة في خطاب النوايا، مموها عليهم أنه هو نفسه كان الطرف الذي طالب بتحقيق هذه الإجراءات في واقع الحال.

غير أن هذا كله ما كان يشفي غليل الصندوق. فعلاوة على هذا وذاك، تعين أن يصرف القرض، الموافق عليه، على مراحل ( phasing )، وذلك لضمان أن البلد المستلف لن يخرج من الطاعة. بالإضافة إلى ذلك أصر الصندوق، ولا يزال يصر، على أن الاتفاقيات التي يبرمها مع الدول المستقلة، ليست اتفاقيات دولية، وبالتالي فليست ثمة حاجة إلى أن يصادق عليها برلمان الدولة المعنية. كما ارتأى الصندوق، أن تظل الاتفاقيات المبرمة بينه وبين الدول المتعثرة، بعيدة عن أنظار الرأي العام، وأن يجري التعامل مع هذه الاتفاقيات. بوصفها سرا من الأسرار الواجب كتمانها، علما بأن هذا الترتيب لا يزال ساري المفعول حتى يومنا هذا.

وغني عن البيان، أن المشروطية قد زادت صرامة، وتفاقمت شدة، في تاريخ الصندوق، وأثبتت، باستمرار، فاعليتها المتصاعدة كآلية أساسية للتدخل، خارجيا، في قواعد الحكم السارية في البلدان المتعثرة. بالإضافة إلى هذا كله، أسهم مبدأ

المشروطية في توسيع نطاق نفوذ الصندوق، وذلك لأن البنك الدولي وأغلبية الحكومات وأكثرية المصارف التجارية الدولية، قد دأبت على تسليف تلك البلدان فقط التي لديها ” شهادة حسن السلوك ” من صندوق النقد الدولي، أي شهادة تثبت أنها نفذت جميع المعايير المطلوبة منها.

في العام 1956، شهدت باريس اجتماعا، ستكون له أهمية أساسية إلى الاتجاه الذي سيتخذه تطور الصندوق في الحقب التالية، فالأرجنتين واجهت، وقتذاك، صعوبات في تسديد ما كان في ذمتها من قروض، ومن هنا، فقد استوجب عليها، أن تجتمع بالأطراف الدائنة وبممثلي صندوق النقد الدولي، بغية الاتفاق معهم على الرغبات، التي يريدون إملاءها عليها. والتأم شمل الاجتماع في مكاتب وزير المالية الفرنسي pierre pflimlin  وبرئاسته، ولم يكن هذا الاجتماع هو الوحيد من نوعه. ففي السنوات التالية، شهدت باريس سلسلة اجتماعات ضمت ممثلين من صندوق النقد الدولي وأطرافا دائنة ودولة مدينة. ومع مرور الزمن، تولدت عن هذه الاجتماعات، فكرة عقد اجتماعات شهرية منتظمة، يلتقي في سياقها الصندوق بالدائنين الحكوميين، وتولد عنها ما صار يعرف ب ” نادي باريس “. وصارت هذه الاجتماعات مجالا لاتخاذ قرارات تنطوي على أهمية لا يستهان بها، قرارات يجري الاتفاق عليها في سياق مفاوضات ” غير رسمية ” بمنأى عن رقابة البرلمانات وبعيدا عن أنظار الرأي العام

وسرعان ما اكتشفت المصارف التجارية، أيضا، الأهمية العالمية لهذا النادي، ولذا فإنها اقتدت بنادي باريس، فأنشأت “نادي لندن ” وبدأت، منذ ذلك الزمن وحتى اليوم الحاضر، تعقد، اجتماعات تتزامن مع اجتماع نادي باريس.

وركز صندوق النقد الدولي أنظاره، في الزمن التالي، على حق جديد من حقول نشاطاته، ركز أنظاره على حقل سيشكل، خلال حيز زمني قصير، قوة دفع عظيمة تزيد الصندوق سلطانا. فعلى خلفية موجة استقلال العديد من الدول الأفريقية في مطلع ستينيات االقرن العشرين، أخذت البلدان، التي نهب الاستعمار خيراتها، وجعلها عاجزة كلية عن الوقوف على قدميها اقتصاديا، تتطلع الآن، إلى أخذ مكانتها بين الأمم كدولة مستقلة، تتمتع بكامل السيادة، في العالم، وفي الاقتصاد العالمي بنحو مخصوص. ولتحقيق هذا الأمل، كانت حكومات هذه الدول بحاجة ماسة إلى السيولة النقدية. وبما أن أغلبية هذه الدول

كانت مسرحا للتوترات الاجتماعية و الاضطرابات السياسية، وكانت تفتقر إلى الهياكل التحتية المنشودة، ولم تكن قادرة على تقديم ضمانات كافية للمصارف التجارية، فقد انتهز صندوق النقد الفرصة، وعرض نفسه على هذه الدول كطرف مستعد لفتح نوافذ الإقراض لها.

ومع أن البلدان الأفريقية كانت، بصفة عامة، فقيرة جدا، وما كان في مقدورها أن تحصل على أكثر من قروض متواضعة القيمة، بيد أن هذه القيمة المتواضعة، كانت لها نتائج وخيمة. ففترات سداد أقساط خدمة الدين أدت، بانتظام لا مفر منه، إلى وقوع الدول، الحاصلة للتو على استقلالها من قبضة الدول الاستعمارية، في قبضة فخ جديد – أجبرت هذه الدول على التبعية لأهواء وسياسات صندوق النقد الدولي.

وبما أن الحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي، يفترض أن يكون المستلف عضوا في الصندوق، انضمت إلى الصندوق، الذي كانت ثلاث دول أفريقية فقط من أعضائه المؤسسين – مصر و أثيوبيا وجنوب أفريقيا – ما يزيد عن 40 دولة افريقية بين العامين 1957 و 1969. ففي العام 1969، كانت 44 دولة أفريقية تتمتع بالعضوية من أصل أعضاء كان عددهم قد بلغ، وقتذاك، 115 دولة. وإذا كان عدد الدول الأفريقية قد زاد على ثلث عدد الدول المنضوية تحت راية الصندوق، غير أن قوتها التصويتية كانت أقل من خمسة في المائة في العام المذكور.

المصدر:

كتاب، صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية، الكاتب، بريتوريا أرنست فولف، ترجمة، الدكتور عدنان عباس علي، نشر سلسلة عالم المعرفة، العدد 435.أبريل 2016، ص، من 33 إلى 36.

رقن http://arabic.cadtm.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com