أخبار عاجلة
الرئيسية / الحركات الإجتماعية / ماذا يحدث في السعودية؟

ماذا يحدث في السعودية؟

لست معنيا هنا بتفاصيل الأحداث، بل بمسارها العام ومغزاها الأساسي. وهدفي محاولة توضيح أن ما يحدث في “المملكة” ليس مجرد جنون فردي من جانب شاب أرعن وصل إلى السلطة بصدف قدرية، وإنما عملية لها جذور أوسع من شخص محمد بن سلمان ومن ترتيبات توريث السلطة في السعودية.

خلفية ما يحدث هي هزيمة الثورات العربية. قبل “الهزيمة” بكثير كانت بلدان المنطقة كلها تسير على طريق النيوليبرالية: مزيج الخصخصة وتحرير الأسواق والسياسات التقشفية التي تتضمن تقليص الدعم والإنفاق الاجتماعي، وغيرها من السياسات الهادفة إلى إعادة توزيع الثروة والدخل لمصلحة طبقات الملّاك ورجال البيزنيس. لكن طبعا لابد من التأكيد على أن ما كنا نصفه وقتها بالجموح في تطبيق هذه السياسات لم يكن أبدا جموحا مقارنة بما حدث بعد ذلك، بعد هزيمة الثورات.

وفي بلدان الخليج بالتحديد، ورغم مواردها النفطية الهائلة، فإنها هي الأخرى سارت على طريق خلجنة العمالة مع بعض الترشيد في الإنفاق وضبط المصروفات، لكن طبعا بمعدلات أقل من باقي البلاد.

كان هذا كله يحدث على خلفية توازن إقليمي دقيق معقد وهش بين أنظمة حكم أغلبها عتيق لا يتناسب مع التطورات الاجتماعية الهائلة الحادثة، ولا يدير التحولات – الجارية على خلفية أزمة اقتصادية عالمية تفاقمت في ٢٠٠٨ – بأي كفاءة تذكر. التوازن الإقليمي كان يتضمن رؤوسا كبرى: السعودية، مصر، إسرائيل، تركيا، إيران، سوريا، قطر، حزب الله، حماس. ورغم التناحرات بين معسكرات الممانعة والمصالحة، ورغم المغامرة الأمريكية في الخليج ٢٠٠٣ وما بعدها، فإن الكل كان حريصا ألا تنفجر الأوضاع إلى مواجهة شاملة.

لكن الملاحظ أن تطورات الأحداث، خاصة بعد فشل المغامرة الأمريكية في الخليج، وما تلاها من ضعف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، قد سمحت لإيران بالتمدد وسمحت من ثم بتقوية ما يطلق عليه معسكر الممانعة نسبيا، سواء من خلال زيادة النفوذ الإيراني في العراق، أو في لبنان التي حقق حزب الله فيها في حرب ٢٠٠٦ مع إسرائيل نصرا استراتيجيا مهما، هذا كله على خلفية النجاح الإيراني في إدارة مرحلة الحصار الغربي بكفاءة نادرة.

ثم أتت الثورات العربية لتمثل ضربة كبرى لهذا التوازن الإقليمي، وقبلها لاستقرار أنظمة الحكم البالية في كل المنطقة. لكن ضعف الثورات العربية، على الأقل من ناحية بلورة بديل يتجاوز ثنائية قوى الممانعة والمصالحة القائمة بالفعل، أدى إلى حصر نتائجها – قبل هزيمتها – في مساعي لإدخال قوى محجوبة عن الشرعية (لا تمثل في مواقفها وقواعدها الاجتماعية ورؤاها السياسية فروقا جوهرية عن القوي المسيطرة بالفعل)، نقول إلى مساعي لإدخال قوى محجوبة عن الشرعية إلى دوائر توزيع حصص الحكم “القديم”.

أما وقد انهزمت الثورات العربية هزائم كبرى، فإن هذا قد أطلق ثورة مضادة جامحة امتلكت قوة دفع – يغذيها خوف وحقد أعداء الثورة الذين اهتزت عروشهم، ويسمح بجموحها الإحباط واليأس وسيطرة الميول الرجعية في أوساط قطاعات من الجماهير – ليس فقط تسير في اتجاه تحطيم كل مرتكزات الثورة والتمرد، بل كذلك في اتجاه كنس كل التوازنات القديمة وتأسيس عالم جديد صاف لمصلحة الطبقات المالكة والحاكمة القديمة. بتعبير آخر: الثورة المضادة قوة جامحة لا تريد العودة إلى التوازنات القديمة، بل تريد تصفية كل عقبة في وجه انتصارها الكامل، بما فيها التوازنات القديمة.

هنا تأتي السعودية بوصفها رأس حربة الثورة المضادة الإقليمية الذي يقود عملية التصفية الجامحة بكل شراسة. وهذا كله بدأ قبل صعود سلمان إلى الحكم، لكنه طبعا تعاظم بصعوده وسيطرة ابنه على مفاصل السلطة في البلاد. فالمملكة مولت وأدارت – هي والإمارات – الثورة المضادة في مصر، ودخلت بكل قوة (هي وإيران، لكن سنأتي لإيران بعد قليل) في الحرب الأهلية السورية بوصفها هي وسيلة تصفية الثورة السورية، ثم دخلت حرب ضد حوثيي اليمن، ثم ها هي تعمل على إشعال حرب في لبنان بإجبارها سعد الحريري على الاستقالة، هذا طبعا بالإضافة إلى حصار قطر.

وعلى الصعيد الاقتصادي، دخلت السعودية حرب كبرى مع منتجي النفط المنافسين هدفها دفعهم للإفلاس والخروج من السوق، وذلك بتخفيضها لأسعار النفط وإغراقها للأسواق. وداخليا نفذت أكبر حزمة سياسات تقشفية في تاريخها تضمنت تسريح عمالة وتخفيض أجور وزيادة ضرائب وغيرها من السياسات.

يمكن القول إن ما يحدث في السعودية، ومن السعودية، في السنوات الأخيرة هو: أكثر سياساتها جموحا وهجومية منذ تأسيس المملكة. الدولة السعودية تسعى الآن – تحت سلطة محمد بن سلمان بالتأكيد، وقبلها بدرجة أقل – إلى تصفية كل الحسابات وكل الملفات، بهجومية غير مسبوقة، تذكرنا بهجومية جورج بوش الابن حال وصوله إلى السلطة في مطلع الألفية، خاصة بعد توفر فرصة هجمات الحادي عشر من سبتمبر له.

السعودية الآن – تحت سيطرة محمد بن سلمان – تحاول تصفية شكل الحكم السياسي السائد بها منذ عقود بالقوة والجبر؛ السعودية الآن تحاول إعادة هيكلة اقتصادها بشكل جذري بفض العقد الاجتماعي الرعوي الذي كان سائدا وتأسيس منظومة تقشفية قائمة على منطق السوق الحر ودفع المواطنين أثمان خدمات لم يشغلوا بالهم بدفع أثمانها على مدى عقود؛ السعودية الآن تسعى بكل جموح إلى تصفية النفوذ الإيراني بحصار قطر وضرب اليمن وحرب لبنان والعبث في سوريا؛ السعودية الآن تهدم في كل أثر باقي للثورات العربية في أي مكان كما رأينا في مصر وغيرها. وكل هذا على خلفية حال الجموح الذي خلقته الثورات العربية ثم هزيمتها.

محمد بن سلمان هو الحامل لهذه السياسة. وبالقطع فإن تصعيده يتضمن تسريعا وتأجيجا لها. لكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى اعتباره صانعها الوحيد، أو إلى تصور أنها أصلا ممكن أن تكون من صناعة فرد مهما كانت قوته، خاصة إذا تذكرنا أنه، هو نفسه، كما تشير كثير من التقارير، قد تم تلميعه بجهود إماراتية ترامبية واضحة.

وهنا، فإن من يرى سياسات بن سلمان على إنها إصلاحية بالمعنى الإيجابي هو بالقطع لا يدرك ماذا يدور في عالمنا. مساعي بن سلمان الشكلية لتحقيق بعض المكاسب “التقدمية” للنساء إلخ، لا تختلف في كثير أو قليل عن مساعي سوزان مبارك وجمال مبارك لتحقيق بعض المكاسب “التقدمية” الشكلية أيام كانوا يقودون عملية “تحديث مصر” بإفقارها نيوليبراليا وإلحاقها تماما بالمعسكر الصهيوني الأمريكي. والحقيقة أن بن سلمان يشبه بن مبارك إلى حد كبير، ولكن الفرق الكبير هو الفرق بين الدولتين وبين الزمنين.

قد يبدو في هذا السياق أن قطر وإيران (بل وحتى بشار الأسد في رأي البعض) يمثلون معسكر الثورة في مواجهة المعسكر السعودي الإماراتي الممثل لطليعة الثورة المضادة الإقليمية. لكن هذا طبعا كلام فارغ. فكما كتبت سابقا، جوهر الصراع الدائر هو على النفوذ الإقليمي وليس على مناصرة الثورة، وعلى سياسات إدارة التحول النيوليبرالي وليس على مناصرة الثورة. وهذا بالضبط ما يشرح لماذا تعادي إيران الثورة السورية وتؤيد بقوة الثورة البحرينية. فهنا الثورات هي أدوات في السياسة الخارجية ليس أكثر. لكن هذا ليس موضوعنا هنا.

النقطة المهمة في هذا السياق هي أن الجموح السعودي، والصراع الإيراني السعودي على الهيمنة الإقليمية، بالقطع كلفا شعوب المنطقة وسيكلفاها الكثير من الدم والألم. لكن رغم ذلك فلا يبدو لي أن هذا الجموح سوف يؤدي لا إلى تعزيز النفوذ السعودي، ولا إلى تحقيق أي استقرار في المنطقة؛ على العكس تماما. الجموح السعودي شبيه كما قلت بجموح جورج بوش الابن: فتح لأبواب جهنم سيؤدي في النهاية إلى خلخلة القوة السعودية.

وبالفعل، فإن هزائم السعودية كثيرة ومحرجة: فقد فشلت في حرب النفط ضد المنافسين، وحرب اليمين تتعثر في فشلها للسنة الثالثة، والمعسكر الروسي الإيراني حقق هدفه في سوريا وبشار يخرج لسانه للقابعين في الرياض، وقطر حية ترزق، إلخ.

المفتاح في هذا كله هو “الإصلاح النيوليبرالي المستحيل”! فلو كان ممكنا للنيوليبرالية في هذه اللحظة من الزمن وهذه المنطقة من العالم أن تحسن من ظروف الناس بشكل نوعي، أو حتى جزئي، لكان ممكنا القول إن السعودية وغيرها سيستطيعون أن يوفروا الاستقرار الإقليمي. لكن النيوليبرالية أصبحت مشروعا مستحيلا من زاوية قدرتها على تحقيق أي مصالح للناس على المدى المنظور في منطقتنا. ولذا، فسوف تستمر الحرب وسوف يستمر الصراع إلى أن يظهر مشروع قادر على تجاوز هذا كله.

الكاتب : تامر وجيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com