أخبار عاجلة
الرئيسية / البيئة / نهب الموارد و الاستعمار الجديد : من فضة الاستعباد إلى الذهب
تدمير البيئة
نهب الموارد و الاستعمار الجديد

نهب الموارد و الاستعمار الجديد : من فضة الاستعباد إلى الذهب

نهب الموارد و الاستعمار الجديد : من فضة الاستعباد إلى الذهب

    يعود جيروم دوفال، عضو CADTM  ، لتناول استغلال تربة البلدان المستعمَرة من قبل البلدان المُستعمرة، وعواقبها الكارثية، منذ كريستوفر كولومبوس حتى اليوم.

   بعد رحلات كولومبوس، قام  الغزو الإسباني بتدمير الممالك وجهات  بأكملها، وحرقها و تهجير سكانها، مع العلم أن الهنود  كانوا  يرحبون بالمسيحيين على قدر  استطاعتهم، وغالبا ما يقدمون السكن والغذاء وكميات من الذهب. ومن ناحية أخرى، كان المستوطنون الإسبان ينشرون بشكل ممنهج الخوف وذلك  بذبح أو تعذيب أو حرق الهنود فور وصولهم لضمان هيمنتهم وتسهيل استعمارهم.

   سيصف بارتولومي دي لاس كاساس،( Bartolomé de las Casas) وهو أحد القلائل الذين يدينون هذه الإبادة وقت وقوعها، الرعب الذي يدمر به هؤلاء الطغاة السكان الأصليين 1. وقد تسببت القوى الاستعمارية الكبرى، كالبرتغال، و إسبانيا، و فرنسا، و المملكة المتحدة، و هولندا، وبلجيكا أساسا في قتل و إبادة جزء كبير من الشعوب الأصلية في الأمريكتين وآسيا وأفريقيا ونهب مواردها الطبيعية، كالذهب والفضة في المقام الأول، و استغلالها والاستفادة القصوى منها.

مليار أوقية من الفضة

يعتبر  اكتشاف بوتوسي Potosi سنة 1545  ،وهو أضخم منجم للفضة في بوليفيا الحالية (والتي كانت في ذلك الوقت تنتمي إلى بيرو)، بداية مصادرة ثروة باطن الأرض في أمريكا اللاتينية. وفي حوالي عام 1571، استخدم الزئبق لدمج الذهب لزيادة استخراجه، دون الانتباه إلى المشاكل الخطيرة للتلوث البيئي التي تنتج عنه أو الضرر الذي يمكن أن يسببه عمال المناجم.  في سنة 1572  قام فرانسيسكو دي توليدو , Francisco de Toledo نائب الملك الخامس في بيرو، بتوسيع الشوارع، وبدأ ببناء كنيسة ماتريز  La Matriz و كاسا دي مونيدا  Casa de Moneda  حيث كان يتم ضرب العملة ابتداء  من 28 مارس 1574 .

  تحتوي مدينة بوتوسي Potosí على أهم منجم للفضة في العالم في بطن سيرو ريكوCerro Rico ،التي تسمى  ب “التلة الغنية”، و عرفت  ازدهارا كبيرا، بعد ثمانية عشر شهرا من تأسيسها، سكنها 14000 نسمة و بعد عشرين سنة 100000 نسمة، وفي القرن السابع عشر، سوف تحتضن 160000 نسمة، لتتبوأ نفس مكانة مكسيكو سيتي، المدينة الأكثر اكتظاظا بالسكان في أمريكا، “حسب فيرناند بروديل  2 Fernand Braudel وفي الواقع  ، حوالي عام 1580، على الرغم من الظروف المناخية القاسية، تصل بوتوسي Potosí  ذروة ازدهارها حيث يزيد عدد سكانها عن مدريد أو إشبيلية أو روما لتصبح المدينة  الأكثر اكتظاظا بالسكان في “العالم الجديد” والأكثر بذخا في المنطقة حيث تتوفر على  36 كنيسة و عدة مسارح ومدارس  للرقص والعديد من بيوت القمار والمنازل  الباذخة التي تعود للمستوطنين الاسبان.

     استخرجت مليارات الأوقية من الفضة بالعمل الجبري تحت الاستعمار الإسباني. وذلك بإجبار آلاف الأفارقة كعبيد على الاشتغال في هذه المناجم لتعويض فقدان الآلاف من السكان الأصليين الآخرين الذين قتلوا في العمل داخل المناجم. وقد أدى الافراط  في استخراج هذه الفضة إلى تضخيم كنوز الملك تشارلز الخامس، و ملئ خزائن مملكة إسبانيا لتمويل حروبها، ، وتطوير التجارة مع أكثر المناطق نموا خارج اوروبا في ذلك الوقت : آسيا.

     ساهمت هذه  الأموال المستخرجة بفضل عمل  الرقيق في بوتوسي Potosí في تنمية و تطوير الرأسمالية والثورة الصناعية. ولكن بأي ثمن؟ يقول فراي أنطونيو دي لا كالانشا Calancha Fray Antonio de la  سنة 1638: “كل بيزو ضرب في بوتوسي كلف حياة عشرة هنود ماتوا في أعماق المناجم”. ماذا عن المبالغ الهائلة من الأموال المستخرجة من منجم بوتوسي  بعرق و دم عمال المناجم الهنود الأمريكيين و الأفارقة عندما نرى حالة الفقر المنتشرة في المدينة التي تحمل نفس الاسم 3؟

     ومن المعقول التأكيد على  أن مصادرة الموارد وما نتج عنها من تجارة عن طريق الاستعمار هي أساسا أصل الثروة الحالية للقوى الاستعمارية. وعلى سبيل  المثال ، بروكسل، فهي لن تكون على ما هي عليه اليوم لولا النهب الذي قام به الاستعمار البلجيكي  في الكونغو البلجيكية  و ذلك  باستغلال القوة العاملة للرقيق والثروة الهائلة التي تدرها المعادن الثمينة ، وخاصة الذهب والفضة. لم يكن بإمكان الأوروبيين الحصول بهذه السرعة على الحرير والقطن، وتقنية الزجاج ، وزراعة الأرز وكذلك البطاطس والطماطم والذرة والتبغ والفلفل الحار والكاكاو من أمريكا لولا مشروعهم الاستعماري المدمر.

الذهب في ازدراء للإنسان ولبيئته

ولا يزال نهب المواد الخام مستمرا في المستعمرات أو المستعمرات السابقة إلى اليوم: ففي أرليت Arlit ، في شمال النيجر، كانت أريفا Areva  تقوم بتعدين اليورانيوم منذ عام 1976. واليوم، جزء كبير من هذه المنطقة، غطتها الرياح الرملية الملوثة  4

    لقد قال الكاتب  أيكومال أليمين Aïkumalé Alemin, الهندي الامريكي وايانا wayana  من منطقة ماروني العليا   Haut-Maroni  ” الأرض هي أمنا، والذهب هو قلبها. إذا انتزعته  فإنها تموت “، فالزئبق المستخدم من قبل عمال مناجم الذهب في غيانا الفرنسية Guyane يسمم السكان الهنود الأمريكيين الذين يعيشون في الغابة الاستوائية بغيانا. والواقع أن هؤلاء يمرضون بالأسماك الملوثة التي تشكل جزءا أساسيا في غذائهم. “حيث أكدت العديد من الدراسات العلمية التي أجريت على الهنود الوايانيين  wayana  أن مستوى الزئبق يصل إلى ضعف العتبة التي حددتها منظمة الصحة العالمية. وقد ندد بذلك جان بيير هافارد  Jean-Pierre Havard رئيس منظمة التضامن غيانا قائلا: ” إذا لم تتم معالجة الموضوع على المدى القصير، فإننا سائرون نحو شكل من أشكال الإبادة الجماعية “.

    تستخرج مقابل أجور هزيلة، 3 أطنان من الذهب كل عام من غيانا الفرنسية Guyane على حساب  صحة السكان الأصليين وبيئتهم. وإجمالا، تعتبر  عشر مجموعات إثنية مهددة بالتسمم بالزئبق في بلدان المنطقة. وفي بيرو، يتزايد تلوث مياه أنهار الأمازون بالزئبق المستعمل من طرف عمال المناجم غير القانونيين ليتجاوز مناطق تعدين الذهب. وفي حالة مجتمع ناهوا communauté nahua ،الذي يقع في منطقة أوكايالي ’Ucayali,  شرق بيرو، فإن استهلاك سمك القرموط (موتا بونتيد ا  Mota Punteada  ) (كالوفيسوس ماكروبتيروس Calophysus macropterus  )  اسمه المحلي، يعد سببا لهذا التلوث الذي تنتج عنه مشاكل خطيرة في الكلى وحالات فقر الدم نظرا لقدرته على تخزين الزئبق الموجود في البيئة.

    حسب وزارة البيئة البيروفية، يتم رمي 40 طنا من الزئبق سنويا في مياه الأمازون في بيرو من قبل  الباحثين عن  الذهب غير القانونيين 5 لذا فالسؤال المطروح اليوم هو: هل سيعترف يوما ما بتسميم و تلويث الأراضي والأنهار كديون بيئية تكون الشعوب الأصلية هي  الدائنة فيها ؟

الرابط الأصلي للمقال

ترجمة: زينة أوبيهي

عضوة أطاك المغرب

مجموعة الرباط

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com