الرئيسية / إصدارات / التبادل الحر الشامل والمعمق: اتفاق استعماري جديد
التبادل الحر بين المغرب وأمريكا
اتفاقيات التبادل الحر اتفاقيات استعمارية ضد الشعوب

التبادل الحر الشامل والمعمق: اتفاق استعماري جديد

التبادل الحر الشامل والمعمق: اتفاق استعماري جديد

أوباها إبراهيم[1]

ازداد حرص الحاكمين بالمغرب على تنفيذ إملاءات المؤسسات المالية والتجارية الدولية خدمة لمصالح الشركات متعددة الجنسيات والرأسمال الكبير المحلي. وارتكزت مبررات الخطاب النيو-ليبرالي لشرعنة السياسات الاقتصادية الجديدة على الأسس التالية[2]:

–  سيؤدي تحرير التجارة الخارجية إلى ارتفاع الصادرات، وبالتالي سيمكن المغرب من رفع نسب النمو الاقتصادي.

– سيمكن ارتفاع حجم وقيمة الصادرات الاقتصاد المغربي من الحصول على العملة الصعبة الضرورية للتوازنات الماكرو اقتصادية، كما سيؤدي إلى تطوير وعصرنة الاقتصاد المحلي نتيجة التنافسية وتزايد الطلب على المنتوجات المحلية.

– ستمكن صلابة وديمومة الإطار الماكرواقتصادي الملازم لتحرير التجارة الخارجية، وكذا مختلف الإجراءات التي تسمح بحرية الرساميل، ستمكن الاقتصاد المحلي من استقبال تدفقات الاستثمارات الأجنبية التي ستكون رافعة الإقلاع الاقتصادي.

– سيقوي الاندماج المتزايد للاقتصاد المغربي في السوق العالمية المفتوحة الاستفادة من النتائج الايجابية للعولمة.

وطبعا حسب هؤلاء المنظرين، سيؤدي هذا النمو الاقتصادي إلى حل اشكاليات البطالة والقضاء على الفقر، إلخ. لكن عكس هذه الأهداف المعلنة، فإن تنفيذ هذا الخط النيو-ليبرالي الذي يربط النمو الاقتصادي

بتطبيق سياسات الانفتاح والتجارة الحرة، أدى إلى التراجع الاجتماعي وإضعاف الاقتصاد المحلي. فالتكلفةالاجتماعية كانت باهظة ولا تزال تتعمق،وكان تأساس السخط الاجتماعي والتعبئات الشعبية المتنامية منذ بداية الثمانينات.

إن فشل السياسات المتبعة يتجلى بشكل كبير في تفاقم عجز الميزان التجاري، وعجز الخزينة العمومية، واتساع دائرة التبادل اللامتكافئ، والارتفاع المهول للدين العمومي، وضعف نسب النمو الاقتصادي، وتصاعد العجز الاجتماعي في العديد من الخدمات والحقوق، إلخ. وهذا ما يطرح ضرورة بدائل اجتماعية أخرى تعمل أطاك المغرب على المساهمة في تقديم بعض عناصرها.

لقد جاءت الأزمة العالمية لتمعق بشكل حاد فشل هذا النموذج المبني على الديون والكل للتصدير وفتح الباب لغزو السلع والرساميل، لكن الحاكمين مصرين على مواصلة تطبيق تلك السياسات في إطار ضمان مصالحهم ومصالح القوى العظمى.

الجيل الجديد من الاتفاقيات الاستعمارية

مع دخول اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الاوربي حيز التطبيق النهائي سنة 2000، شرعت دوائر القرار الأوربية في إقرار جيل جديد من الاتفاقيات تمكن من تسريع وتعميق مكتسباتها في اتفاقات التبادل الحر، وسنت سنة 2002 السياسة الأوربية للجوار بهدف إرساء منطقة ” رخاء واستقرار” على حدودها في الشرق والجنوب خاصة بعد توسيع الاتحاد الأوروبي. كما تهدف هذه السياسة إلى تعزيز الهيمنة السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية على جيرانها. ووقد دخلت حيز التطبيق بدءا من سنة 2003 عبر اتفاقات ثنائية وبرامج عمل وآلية للتمويل وبرامج قطاعية…والآلية الجديدة، كما يعبر عنها اسمها، تهدف إلى إعادة صياغة علاقات أوربا مع جيرانها بما يتوافق مع مصالحها الخاصة وضمانها كقاعدة لربح المنافسة الحادة مع الأقطاب الامبريالية الأخرى. ومن جهة أخرى، تجعل سيادة دول الجوار في إقرار سياساتها رهينة بمصالح الاتحاد الأوروبي.

في هكذا سياق ثم إقرار برنامج عمل السياسة الأوروبية للجوار بين المغرب والاتحاد الأوروبي في سنة 2005. كإطار جديد يؤطر العلاقات السياسية والمؤسساتية بمكوناته: الحوار السياسي، الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، التجارة والأسواق وإصلاح القوانين، والعدالة والشؤون الأمنية، والنقل،والطاقة،والاتصالات، والتقارب بين الشعوب…وهو بذلك يعمل على توسيع إطار الضغط نحو قطاعات لم يشملها اتفاق الشراكة لسنة 1996، كما يقوض هامش المناورة الضيق أصلا أمام الحاكمين.

فبحكم برنامج العمل السنوي للإطار الجديد والتقارير السنوية حول تنفيذ البرامج، أصبحت التبعية السياسية لأوربا في الملفات الدولية واجبة بحكم الحوار السياسي، والحفاظ على المؤشرات الماكرو اقتصادية، وتحرير تجارة الخدمات،وفتح الطلبات العمومية أمام الرساميل الأجنبية، وتعديل قوانين المنافسة والشركات، وتسيير ومراقبة المالية العمومية، وتحرير سوق الرساميل،وتحسين مناخ الأعمال، وإصلاح التعليم والعدل الإدارة….كلها مجالات وضعت تحت مراقبة وتتبع دقيق للاتحاد الأوروبي وذلكلتحقيق هدفين:

-إرساء خلفية اقتصادية ملائمة لمصالحه الحيوية.

– الضغط على المغرب لتسريع وتيرة الإصلاحات النيو-ليبرالية والهيكلية.

فتح هذا الوضع الجديدباب المفاوضات من أجل تعميق اتفاق الشراكة، حيث صادق مجلس الشراكة سنة 2008،على وثيقة مشتركة حول تعميق العلاقات المشتركة (الوضع المتقدم) عبارة عن املاءات للمغرب بغية تعميق تبعيته للاتحاد الأوروبي. وفي سنة2010 ثم البدء في مفاوضات جديدة من اجل برنامج عمل السياسة الأوربية للجوار على قاعدة الوضع المتقدم التي دونت في برنامج عمل 2013-2017[3].

الوضع المتقدم: آلية متقدمة للتحكم في القرار السياسي والاقتصادي للمغرب

أقر الوضع المتقدم من طرف مجلس الشراكة. ولم يكن مشروعا نابعا من الحكومة كما لم يناقشه لا برلمان ولا حتى مجلس وزاري، مما يكشف زيف المؤسسات المحلية ويؤكد التبعية السياسية للمصالح الأوربية.وهو على شكل وصايا وإملاءات على المغرب حتى يستفيد من ولوج أكبر للسوق الأوربية. إنها إملاءات في اتجاه واحد،دون أن يكون الاتحاد الأوربي ملزمابأي شيء اتجاه المغرب. وقد أقر الاتحاد الأوربيآلية للمراقبة والتنفيذ والمراجعة، مرفوقة بآلياتتمويلية كبرى، لتسريع إخضاع المغرب اقتصاديا وماليا وسياسيا عبر :

الجانب السياسي : إقرار تبعية المغرب سياسيا للمصالح الأوربية من خلال ما يسمى بالحوار السياسي والاستراتيجي وهو ما تجلى بشكل واضح في انحياز المغرب للاتحاد الأوروبي في الأزمة الليبية وسوريا ومالي.

الجانب الاقتصادي: إقرار اقتصاد سوق حر، من خلال تحيين المغرب لنظمه وتشريعاته، لتكون في مستوى المعايير الأوربية، ثم السير في اتجاه سياسة للمنافسة والدعم العمومي وحماية المستثمرين في مصلحة أوروبا.

التعاون الأمني : المغرب في خدمة مصالح أوروبا الأمنية والاستراتيجية.

الجانب المؤسساتي: عبر انخراط المغرب في الوكالات والمراكز والبرامج الأوربية وجعل المؤسسات (خاصة القضائية والمالية) في خدمة الأوربيين.

الجانب المدني : حقوق الإنسان ونشر الديموقراطية بهدف خلق نخبة محلية موالية للسياسات الأوربية[4].

في كل هذه المحاور الخمس، يتضح بجلاء مدى تقويض المصالح العليا والسيادة السياسية للبلاد، ورهنها بالمصالح العليا للاتحاد الأوربي، التي ستتعمق مع إطلاق مفاوضات اتفاق تبادل حر شامل ومعمق،والتي يركز عليها البرنامج السالف ذكره.

برنامج 2013-2017 أتى في سياق ما بعد “الربيع العربي”،الذي أفزع الأوربيين، وجعلهم يعيدون صياغة سياسة جوارهم مع الجنوب، ويوسعوا من مساعداتهم التقنية والمالية للحفاظ على تطبيق الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية من طرف النظم السياسية الجديدة[5].

مفاوضات اتفاق التبادل الحر المعمق والشامل: تقنين اوروبي للمكاسب السياسية والاقتصادية

تم الإعلان عن هذه المفاوضات من طرف برودي في زيارته للمغرب في مارس2013. ولم تكن من قبل موضوع اقتراح حكومي ولا برلماني، كما أنها نموذج اتفاقات أقدم عليها الاتحاد الأوروبي مع اوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، ويسعى لتعميمها على دول أخرى مثل تونس.

وهي امتداد طبيعي للوضع المتقدم وسياسة أوروبية متطورة لدفع المغرب للالتزام بتنفيذ تعهداته. وصفت بكونها شاملة للتعبير عن امتدادها لمجالات جديدة. كما وصفت بالمعمقة للتعبير عن بلوغها مجالات مرتبطة بالسيادة القانونية والسياسية.  وتتركز أهم محاورها في:

– ملائمة المغرب لنظمه التشريعية مع التشريعات الأوروبية،

وفق قاعدة” الذهاب ابعد من الحدود لأجل ضمان أكبر تجانس بين تشريعات الاتحاد الأوروبي ودول الجوار”، بمبرر الولوج السهل للمنتجات المغربية لسوق أوروبية من 500 مليون مستهلك ، مما سيمكن من رفع قيمة الصادرات المغربية وتقليص نسب العجز التجاري..

يمثل المسعى الجديد للاتحاد إقبارا نهائيا لسيادة وطنية مفترضة، باعتبار أن المرجع الحالي والمستقبلي للتشريع هو فقط الملائمة المحلية مع التشريعات الأوروبية. وبذلك سينكمش دور المؤسسات المحلية نحو غرفة للتسجيل لا غير. مما ينتج المفارقة التالية: برلمان خارج إطار الدولة المعنية من المفروض كونه يقرر في تشريعات خاصة بتنظيم إطاره المجالي، يتحول ليفرض تشريعاته على إطار مجالي مغاير ومختلف. وهي مفارقة تشكل وأدا حقيقيا لكل الشعارات حول المشاركة المواطنية.

لقد فتح الوضع المتقدم المجال للشروع في هاته الملائمة[6]وسيعمل الاطار الحالي على تعميقها، والمفاوضات في هاته النقطة متقدمة نسبيا: فالمغرب سيقدم الإطار العام للملائمة  خلال 2015، وهناك حالات متقدمة في الانجاز كنموذج الإطار بشان المطابقة والقبول للمنتجات الصناعية.

يسعى الاتحاد الأوروبي بجدية لشكل جديد من الاستعمار الملطف حيث ستمكنه الآلية الجديدة من احتكار السوق المحلية عبر التحكم في معايير المنتجات والقوانين والنظم. وسيكون الاقتصاد المحلي فقط مكملا للاقتصاد الأوروبي في المنافسة الدولية. أما البورجوازية المحلية فقد استبدلت مصالح المغاربة في التحرر والتنمية بمصالحها الخاصة، فمن أجل حصة متسعة نسبيا في السوق الأوروبية باعت السيادة الوطنية مستنكفة عن بناء الاقتصاد المحلي.

اما الحركات المواطنية والنضالية في دول الاتحاد، فهي ترفع شعار الديموقراطية، وتعمل من أجل بديل ديموقراطي واجتماعي للانعتاق من ديكتاتورية المؤسسات الأوروبية التي تعتبرها السبب الرئيسي في الأزمة الحالية التي تضرب أوروبا. هذا بالنسبة لمواطني الاتحاد الاوربي. أما نحن خارج الاتحاد فالتحدي أمامنا مزدوج: الانعتاق من التبعية للاتحاد الأوروبي والنضال من أجل مؤسسات حقيقية تمثل الإرادة الشعبية.

  • تحرير قطاعات الخدمات لصالح الاحتكارات الأوروبية:

المقصود هنا هو تعميم نموذج ليدك وامانديس على الخدمات العمومية والمرافق الاجتماعية من تعليم وصحة….والدولة تستعدالآن للانفتاح المعمم من خلال عدة قوانين تسير في اتجاه تلبية المطالب الأوروبية: قانون الطب، الإصلاح الجامعي، قانون الشراكة القطاع العام والخاصppp…

تشريعات جديدة  لحماية الاستثمارات والأمن القضائي و مختلف آليات تحسين مناخ الأعمال: ترتكز مطالب الاتحاد الأوروبي الحالية في تعميق مكاسبه خاصة في مجالات قانون المنافسة والملكية الفكرية والصناعية وحماية قانونية وقضائية أفضل للمستثمرين بما يجعل المرجع القانوني هو المؤسسات الأوروبية.

يدعي الاتحاد أن الحماية القانونية هاته ستمكن من تدفق الاستثمارات الأجنبية على المغرب وستمكن من عصرنه الاقتصاد والتحديث والنمو المرتفع، ولكن في الحقيقة لن تكون سوى آلية لضمان ترحيل سريع وأكبر للثروة المحلية نحو الشمال وإطارا مرنا لإعادة هيكلة سريعة لمصالحه وفق تموجات التنافسية العالمية على الأسواق….

فتح السوق المالية المحلية:

يتعلق الأمر بتوسيع مجالات تواجد الرأسمال المالي الأوروبيوإزالة كافة العوائق القانونية والمؤسسات لبسط سيطرته على القطاع البنكي وقطاع التأمينات والسوق المالية بشكل عام. سيعمق هدا الخيار التبعية المالية لأوروبا وسيرهن الادخار المحلي بمصالح السوق الأوروبية من خلال تملك البنوك والتأمينات ويوسع من مجالات ترحيل الثروات. ويمثل النقيض التام لادعاءات الدولة بشأن نجاح الاحتراز المالي للمغرب الذي مكنه من الصمود في وجه الأزمة المالية العالمية.

حرية الولوج للصفقات العمومية :

شكل تحرير الصفقات العمومية، موضوعا أساسيا ضغطت فيه المؤسسات المالية والتجارية الدولية منذ التقويم الهيكلي. وشهد تغييرات جذرية سمحت في الأخير بجزء كبير منها ان يتم وفق عروض دولية. والاتحاد الأوروبي يضغط الآن بشدة لضمان الجزء السمين من الكعكة.

يتعلق الأمر بضمان قانوني للاستحواذ على سوق يقدر بـ 15 في المائة من الناتج الداخلي.حيث أن قوة تنافسية الشركات الأوربية سيسمح لها باحتكار هذه الصفقات العمومية، وسيوسع من الواردات، مقابل شل جزء كبير من النسيج الاقتصادي المحلي المرتبط بهاته الصفقات. كما سيكرس التبعية ويوسع مجالات نقل القيمة نحو الشمال.

الدولة تدعي أن السياق الحالي لا بديل عنه، وأن الصيغة الجديدة ستسمح باندماج اكبر للاقتصاد المحلي في السوق الأوربية مما سيقوي مصالح المغرب تحت شعار<اتفاقيات التبادل الحر رافعة لإنعاش الاقتصاد العالمي>[7]. لكن على النقيض من هذه الادعاءات فليست هذه السياسة سوى حلقة مفرغة للدين والتقويم تصيب الاقتصاد بالكساد وتحولنا الى مجرد مستهلكين وتقف امام حقنا في الانتاج والعيش في كرامة على أرضنا. والنموذج المكسيكي اليوم خير تعبير عن هذا البديل الوهمي التي تناضل الشعوب من أجل الإطاحة به.

الآثار المرتقبة من الاتفاق:

يسعى “المبشرون الليبراليون الجدد”إلى إخفاء هول الآثار المرتقبة من الاتفاق بمساحيق ووعود حول الرخاء والأمن الاجتماعي. ولإضفاء الشرعية على المفاوضات طلب البرلمان الأوربي من مكتب الاستشارةECORYS[8] انجاز دراسة حول التأثيرات  المحتملة لاتفاق تبادل حر معمق وشامل. وككل الدراسات المدفوعة الأجر والموجهة سياسيا، فقد خلصت إلى الأثر الايجابي للاتفاق وبأنه لصالح المغرب أكتر من الاتحاد الأوروبي.

الدراسة سطحية واعتمدت نظم تحليل مشكوك في منهجيتها العلمية، ولم تقدم أجوبة على عدم مطابقة النتائج المتدهورة الحالية لاتفاق التبادل الحر مع التوقعات الايجابية التي بشرت بها العشرات من الدراسات المشابهة آنذاك.[9]يوضح الجدول التالي أهم المؤشرات التي تفضح زيف الآمال المرتقبة من الاتفاق والتي تركز عليها الدراسة السالفة لتبرير النتائج الايجابية الموعودة:

المدى البعيد المدى القصير النتائج بالنسبة للمغرب
1.6 1.3 الناتج الداخلي
1.5 1.4 الأجور الدنيا
1.9 1.6 الأجور العليا
8.4 8 الواردات
15.3 15.3 الصادرات

تبشر الدراسة بان الاتفاق سيسمح بنمو للناتج الداخلي في المدى المتوسط بـ 1.6 في المائة. ودون نقاش صحة هذا الادعاء، فانه لا يعوض ولو جزئا صغيرا من 10 بالمائة التي خسرها المغرب جراء 10 سنوات من اتفاق التبادل الحر.أما الارتفاع النسبي للأجور فتخص فقط الفئة التي ستحافظ على الشغل ولا تأخذ بعين الاعتبارالتضخم و ارتفاع كلفة المعيشة.

ونظرا للهوة الحالية بين الصادرات والواردات والتي تصل للضعف، وبسبب الارتفاع المرتقب لعجز الحساب الجاري لميزان الأداءات جراء تعدد أشكال تصدير القيمة، فإن نسب تطور الصادرات والواردات لن تمكن من تقليص العجز التجاري .

حسب الدراسة نفسها سيؤدي الاتفاق إلى تعديل هيكلي في بنية الاقتصاد المحلي وذلك بنمو قطاعات ستستفيد من الإمكانيات الجديدة لولوج السوق الأوروبية ، في حين أن قطاعات أخرى ستنكمش وستعاني من نتائج الواقع الجديد للتنافسية.

تفادت الدراسة التطرق للآثار الاجتماعية لإعادة الهيكلة هاته، لتناقض تلك الاثار مع الخلاصات السياسية للدراسة: الوعد “بخلق متزايد لمناصب الشغل، وتطور لمستوى التعليم بفضل الطلب المتزايد على قوة عمل مكونة، وتحسن قانون الشغل بفضل توسيع الحماية الاجتماعية وترسيم الحوار الاجتماعي…”، لم تتردد في المطالبة بسن تشريعات تعم المرونة والاستغلال المكتف ، وهو ما يكشف الطبيعة التبريرية للدراسة وتفانيها في اخفاء الاهوال التي ستنتج عن التبعية المطلقة للاتحاد الاوروبي.

تبقى تبريرات الدراسة تافهة ولا تصمد أمام الواقع الدي خلقه التبادر الحر على أرض الواقع والدي أضعف الصناعة المحلية وقلص من حجمها حيت لم تعد تمثل سوى 26 في المائة من القيمة المضافة مقابل اكثر من 30بالمائة قبل اتفاقات التبادل الحر، وهو ما حدى بالصحافة والمحللين الليبراليين بوصف المسار بنزع التصنيع للبلد ويتجلى في التدمير القوي لمناصب الشغل في الصناعة وتوسع لقطاع ثالثي  بشروط عمل ودخل في تراجع وتقلص دائمين.

فبين 1990 و2002 بلغ حجم مناصب الشغل المدمرة بالقطاع الصناعي 586000 مقابل خلق 650000 منصب شغل بشروط أضعف من المدمرة جراء تطور الشغل الناقص وتعميم الهشاشة.

وبين 2009 و2011 تقلصت مناصب الشغل بالقطاع الصناعي بحوالي 24 الف منصب شغل سنويا. وهو محصل خلق 21 الف منصب وتدمير45 الف.وخلال 2012 تقلصت ب 28 الف منصب شغل.

ويبين الجدول التالي هدا الواقع والدي يجد الحاكمون هنا ودوائر القرار بالاتحاد الاوروبي عبر هجمة اعلامية سخرت لها العديد من المنابر ومراكز بحث، الى زرع الوهم بكون المسار الموعود حامل لمناصب شغل  ويجدون في تقديم “المهن العالمية الخمس للمغرب” كنموذج ناجح في هدا السياق برهان 220 الف منصب شغل اضافي في افق 2015 .

جدول يبين تراجع مناصب الشغل بالقطاع الصناعي الهش أصلا وتصاعد أعداد المسرحين والمطرودون بسبب افلاس المقاولات خاصة الصناعية بسبب التبادل الحر والمناقض تماما للوعود والخطاب الرسمي

2012 2011 2010 2009 2007 2000 1999
11.5 11.8 12.2 12.3 12.7 12.9 13.7 حصة العاملين/ت بالصناعة من اجمالي الناشطين  العاملين%
-2.3 -2.5 -0.5 -3 نسبة التطور السنوي ب%
27 29.5 31.7 14 37 نسبة المطرودين والمسرحين بسبب توقف نشاط المقاولات من العاطلين المصرح بهم %
-5 -2 0 -3 نسبة تطور العاملين بالمقاولات الصناعية الصغيرة والمتوسطة  ب%

المصدر :احصائيات مندوبية الاحصاء ووزارة الصناعة

وكعادة كل خطاب تبريري، فالآزمة التي يمر منها اليوم برنامج “الاقلاع الاقتصادي” والصعوبات التي تواجهها الصناعة الإلكترونية والطيران واخفاق البرنامج في الوصول للأرقام المعلنة”.  تفضح حدود نموذج اقتصادي يسعون بكل قوة لفرضه على الشعب المغربي: مجتمع استهلاكي للمنتوجات الاوروبية واقتصاد مصدر للمواد الاولية مزركش بصناعات مناولة  تخدم التنافس بين الشركات العالمية  وتمول بنيتها من المالية العمومية ،ولا تساهم في خلق بنية صناعية قارة ومجدية للاقتصاد المحلي.

ان هده النتائج الظاهرة امامنا من تفاقم للبطالة الجماهيرية وتوسع للفقر والهشاشة وتركز للاستبداد الاقتصادي والسياسي، هو ما حملنا في اطاك للتسريع بالتحسيس بخطورة هدا الوضع وأن الوقت حان للتعبئة لإفشال هاته المشاريع المدمرة لحقنا في السيادة على مصيرنا والانعتاق من التبعية.

من جهة أخرى أصدرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية رأيا استشاريا أخر[10]وقفت فيه على النتائج غير الايجابية للشراكة الأوربية المغربية. لكنها ترى بان تعميق اندماج اقتصاد المغرب في اقتصاد الاتحاد هو المخرج بالنسبة للمغرب لبلوغ تنمية عادلة ومستدامة عن طريق: التوافق بين تعميق وتحرير العلاقات التجارية، ونمو اقتصادي اجتماعي وبيئي.

وبعد أن هللت للمسار الجديد باعتباره مبادرة من الاتحاد للحفاظ على استقرار المنطقة، وجوابا منه على موجة الربيع العربي، وانه يهدف الى”خلق منطقة سلم ورخاء في المتوسط عن طريق ليبرالية متوازنة ومتنامية للتجارة”،فإن مقترحاتها[11]لم تتجاوز الطابع الاستشاري والعام مفتقدة لأي منظور يشرح أسباب إخفاق اتفاق التبادل الحر في الوعود التي بشر بها.

يتضح من الدراستين ومن التصريحات الجانبية للطرفين، بأن اتفاق التبادل الحر لن يحقق الوعود بالنمو والرخاء بالنسبة للمغرب ، لكنه من جانب الاتحاد مكن من رفع صادراته نحو المغرب،كما شهدت التحويلات المالية من المغرب تطورا هاما، ومكنته مجموعة من البرامج من ربح المغرب كقاعدة لتقليص تكاليف إنتاجه كسبيل لربح الأسواق.

بالطبع أمام هذه النتائج سيسعى الاتحاد الاوربي لتعميق هذا المسار والشعب المغربي هو من سيؤدي التكلفة.

أمام النتائج المهولة لاتفاق التبادل الحر، لم تتردد الدولة نفسها فيالإفصاحعن ضعف النتائج،وبأنها تعاكس ما كان مأمولا[12]. لكن افتقادها للقرار السياسي وحاجتها للأسواق والدعم الأوروبي يجعلها رهينة بيد المفاوض الأوروبي. وفقط هامش من المناورة بدعوى التشاور وإشراك الفاعلين وانجاز دراسات حول التأثير هو ما جعل وتيرة المفاوضات بطيئة، لكن مسارها واضح .

مصالح الشعب المغربي في التحرر والتنمية والكرامة… يقبرها المسار الحالي،والتحرك العاجل من أجل قلب الأولويات هو وحده الذي يفتح الطريق أمام التنمية الشاملة والدائمة.

03 دجنبر 2014 

[1]– عضو السكرتارية الوطنية لاطاك المغرب

[2]– أنظر – http://www.oecd.org/dataoecd/58/40/48218077.pdf

http://www.femise.org/?s=maroc&submit

[3]– http://www.diplomatie.ma/Portals/0/marocue/plandaction.pdf

[4]– http://awsassets.panda.org/downloads/factsheet_maroc_enp_fr_low_res.pdf

[5]– cf. la communication conjointe du 25 mai 2011 de la Haute représentante et de la Commission européenne intitulée “Une stratégie nouvelle à l’égard d’un voisinage en mutation

5- انظر

24 octobre 2013 : La politique méditerranéenne de l’Union européenne après le printemps arabe : les cas du Maroc et de la Tunisie ( rapport d’information ).

بين 2005 و2013 وقع المغرب على 30 عقدة توأمة بين المؤسسات المحلية والأوربية بهدف المساعدة على الملائمة: وزارة التربية الوطنية، وكالة الاستثمارات، مجلس المنافسة، anapec، الطاقة والمعادن،مكتب الصرب، التكوين المهني،وزارة المالية،.

10000نظم ومعيار تمت ملائمته حاليا.

45 قاضي محلي سيستفيدون من تكوين لمدة 6 سنوات لتسهيل الملائمة المستقبلية للقوانين.

[7]– amal expo marakech mai 2014

[8]– http://www.scribd.com/doc/191299739/Resume-analytique-du-rapport-final-Maroc-fr

[9]– http://www.femise.org مثلا الدراسات المنشورة في موقع

[10]– Comité économique et social européen

REX/378

Les relations commerciales UE-Maroc

Bruxelles, le 26 février 2014

10- إشراك المجتمع المدني في المفاوضات خاصة اللجنة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغرب.

ملائمة المغرب لتشريعاته مع المعايير الأوروبية سيمكن المغرب من كسب حصص في السوق الأوربية ولكنه مسار معقد يستوجب مساعدة من الاتحاد.

أخد بعين الاعتبار التأثيرات الاجتماعية والبيئية للاتفاق في المفاوضات الجارية من خلال إجراءات تمكن المغرب من تفادي الأوجه السلبية..

إدراج مبادئ التنمية المستدامة في الاتفاق.

11- حسب دراسة حديثة لوزارة التجارة والصناعة- المبادلات التجارية التي تمت في اطار اتفاقات التجارة الحرة ادت الى تكتيف العجز التجاري مع عدد من الدول– السياسة التجارية التي اعتمدها المغرب كان لها الاثر المباشر والسريع  على الميزان التجاري.

المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في دراسته على نفس النتائج لكنه أرجع الاسباب الى الحكامة وضعف التقائية السياسات الحكومية.

المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية يشكو ضعف الحكامة.

الفصل أعلاه مأخوذ من كتاب: التبادل الحر اتفاقيات استعمارية ضد الشعوب تحليل لاتفاقيات التبادل الحر بين الاتحاد الأوروبي والمغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com