أخبار عاجلة
الرئيسية / إصدارات / المياه .. من حقّ الجميع إلى مَورِدٍ في أيدي المُهيمِنين
الاتجار في العطش
المياه .. من حقّ الجميع إلى مَورِدٍ في أيدي المُهيمِنين دورُ الشركات عابرة القوميات والمؤسّسات المالية الدولية

المياه .. من حقّ الجميع إلى مَورِدٍ في أيدي المُهيمِنين

المياه .. من حقّ الجميع إلى مَورِدٍ في أيدي المُهيمِنين

دورُ الشركات عابرة القوميات والمؤسّسات المالية الدولية

 

ورقةٌ مقدّمةٌ ضمن الإصدار الثاني لمنتدى الحقّ في المياه في المنطقة العربية

 

ملخَّصٌ:

صارت الخصخصة عند شعوب كثيرة واقعًا كابوسيًّا يلمُّ بمفردات حياة الفئات العريضة من هذه الشعوب التي تتكالب عليها عواملُ التسلّط والحرمان من الداخل والخارج. نراها تزحفُ على حقوق الإنسان، متنقّلةً في مراحلها من مشاريع إلى موارد إلى حقوق لا تنفصلُ عن حياة الإنسان وبقائه. بات من الواقع امتلاكُ الشركات عابرة القوميّات مصير الإنسان وحقّه في الحياة، وهو ما يحدث حاليًا عبر مفردات هذا الحقّ وأشكاله من مياه وغذاء وسكن، وغيرها. والخصخصةُ جزءٌ لا يتجزّأُ من سياسةٍ أوسعَ هي العولمة التي ترتبطُ بالتوسُّع المتزايد في حركة رأس المال النقدي والاستثماري، وكذلك حركة السلع والخدمات والشعوب والمعلومات. الهدفُ كلُّه هو تحقيقُ الربح لشركاتٍ وجماعات مصالح على حساب جماهير وشعوب صارت تعاني من هذا الصراع بين منظومة حقوقية بلا أسلحةٍ ولا قوةٍ حقيقية، ومنظومة ربحية تجنّد جميع أشكال القوة لصالحها حاضرًا ومستقبلًا، تدعمُها منظومةٌ دوليةٌ جائرةٌ حتّى على مقوّمات البيئة التي يحيا فيها الإنسان، وحكومات محلّية فاسدة ومتسلّطة لا تعبأُ إلا ببقائها في السلطة.

اتّسعت الأسواق العالمية بمستوياتٍ دالّةٍ وخطيرة في العقود الأخيرة مستندةً رأسًا إلى اتفاقات التجارة، وتحرير السوق، والخصخصة. لعبت الشركات الكبرى عابرة القوميات/القارات/الجنسيات Transnational corporations (TNCs) دورًا مهمًّا ومحوريًّا في هذا التوسُّع. إذ في سعيها إلى تحقيق “التنمية”، اضطلعت بأعمال كان يؤدّيها سلفًا القطاع العام، فأصبحت من ثم مرتبطةً في مسعاها ارتباطًا وثيقًا بالمؤسّسات المالية الدولية International Financial Institutions (IFIs)، وانطلقت تفرض تكاليفَ على الشعوب والمجتمعات – انطوت على انتهاكات لحقوق الإنسان – ومدعّمة أيضًا للحكومات في ارتكاب مثل هذه الانتهاكات. وهذا، بالطبع، ما فرض شبكةً معقّدَةً من النفوذ بين الشركات عابرة القوميات، والدول، والمؤسّسات المالية الدولية.

نسعى في هذه الورقة إلى تحديد مجموعة مفاهيم أساسية، نتبعُها بتحليل الأدوار والأطراف الرئيسة في هذه الشبكة المعقّدَة والخطيرة، ونخلُص من ذلك إلى مجموعةِ توصياتٍ تستندُ إلى تجارب نجاح متحقّقة في بلدان مختلفة قوامُها الفهمُ الدقيقُ وتحرّك الأطراف المعنية الجماعي، خاصةً المضارّين منهم.

المفاهيمُ الأساسية:

التحرّك الجماعي collective action: هو التحرُّك الذي تتخذه مجموعة من الناس هدفُها تعزيزُ مكانتهم وتحقيق هدف مشترك.[1] ويكون تفعيل هذا التحرّك عبر ممثّلي هذه الجماعة. ولهذا المصطلح صيغٌ ونظرياتٌ مختلفةٌ في كثير من مجالات العلوم الاجتماعية تشملُ علم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد. كما أنّه المصطلحُ الجوهريُّ الذي انبثقت منه تعريفاتُ الحركات الاجتماعية ومظاهرها، والتي لا شكّ ترتبطُ ارتباطًا وثيقًا بموضوعنا هنا بوصفها من سبل مقاومة السياسات الجائرة من الشركات والحكومات، ويفترض أن يكون هذا المنتدى شكلًا من أشكال التحرُّك الجماعي، والحركات الاجتماعية.[2]

 

التزاماتُ الدولة State Obligations: تلتزم الحكومات الوطنية بمعايير حقوق الإنسان الدولية، وأوجه هذه الالتزامات هي: الاحترام، أي إحجام الدولة عن أيّ تدخُّل من شأنه منع التمتّع بحقوق الإنسان، والحماية، أي حماية الفرد والجماعات ضدَّ أيِّ انتهاكٍ لحقوق الإنسان، والتطبيق أي اتخاذ تحرُّكات إيجابية لتيسير التمتّع بحقوق الإنسان.[3]

 

الحقُّ في المياه Right to Water: “الماء مورد طبيعي محدود، … وهو حقٌّ من حقوق الإنسان لا يمكن الاستغناءُ عنه للعيش عيشةً كريمةً، وهو شرطٌ سابق لإعمال حقوق الإنسان الأخرى، ويجب حصول جميع الناس على هذا الحقّ بكمّية كافية ومأمونة ومقبولة وقابلة لتحمّل تكلفتها للاستخدام في الغرض الشخصي والمنزلي”.[4] ولم يتوقّف الأمرُ عند مياه الشرب للاستخدام المنزلي والشخصي بل تطرّق العهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى ضرورة “إيلاء اعتبار لضمان وصول المزارعين المحرومين والمهمّين، بمن فيهم المزارعات، وصولًا منصفًا إلى موارد المياه ونظم إدارتها، بما في ذلك التكنولوجيا المستدامة لجمع مياه الأمطار والري”.[5]

 

خصخصة/خوصصة privatization: “أي تحويل للملكية أو الإدارة من القطاع العام إلى الخاص، بشرط تحقّق السيطرة الكاملة للقطاع الخاص”[6]، كذلك تعني الخصخصة تعهيد أو إسناد الحكومة outsourcing لوظائف أو خدمات إلى شركات خاصّة، مثل جمع الإيرادات، وإنفاذ القانون، بل وإدارة السجون”[7]، وهي أبعادٌ للخصخصة تعود إلى المظاهر الأولى منها في الثلاثينيات من القرن العشرين عندما أطلقتها مجلة إيمكونوميست Economist على السياسة الاقتصادية لألمانيا النازية.[8] وهي الأبعاد نفسُها التي تطوّرت إلى حدٍّ كبير مع مظاهر العولمة والخصخصة المقترنة بنظم حكم سياسية بعينها في البلدان النامية، مثلما نحاول توضيحه في هذه الورقة.

 

شركات عابرة القوميات TNCs: يعني العمل بلا حدود. وقد استقرّ المجتمعون في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD على تعريف هذا النوع من الشركات على أنه “كيانٌ، أو مشروعٌ، أو شركة، بصرف النظر عن بلدها أو أصلها وملكيتها سواء الخاصة أو العامة أو المختلطة، تتألّف من كيانات تقع في بلدَين أو أكثر ترتبط بعضها ببعض عبر الملكية أو غيرها، يمكن لكيان منها أو آخر ممارسةُ تأثير دالّ على الآخرين، لا سيما مشاركة المعلومات والموارد والمسؤوليات مع الكيانات الأخرى”.[9]

 

مسؤولية اجتماعية Social Responsibility: إطارٌ أخلاقيٌّ يشير إلى التزام أيّ كيان، منظّمة أو فرد، بالتصرّف لمنفعة المجتمع كافة. وهو واجبٌ على الجميع أن يؤدّيَه لتحقيق التوازن بين الاقتصاد والنظام البيئي ecosystem، وقد تكون ثمة مفاضلة a trade-off بين التنمية الاقتصادية بالمعنى المادي، ورفاهة المجتمع والبيئة، وهنا قد تشمل المسؤولية الاجتماعية الموقف السلبي من الإحجام عن المشاركة في أي نشاط يضرّ بالمجتمع و/أو البيئة، والموقف الإيجابي، المتمثّل في ممارسة أنشطة تدفع مباشرة في صالح المجتمع، وهي لا بدَّ أن تكون مستدامة أي تراعي العَلاقة بين الأجيال؛ نظرًا لأنّ ما يمارسه جيلٌ يؤثّرُ لا شكَّ على الأجيال اللاحقة، لا سيما في استغلال موارد مثل المياه، وهي من مرادفات الحياة على هذا الكوكب.[10]

 

مؤسسات مالية دولية IFIs: مؤسّسة دولية أنشأت أو صدر ميثاق حولها من طرف دولتين أو أكثر، ومن ثم فهي تخضع للقانون الدولي. تتشكّل هيئة المشاركون فيها أو المالكون من حكومات وطنية، على الرغم من وجود مؤسّسات مالية ومنظّمات أخرى تعرف بأنها أطراف معنيّة. وقد أُسِّست أشهر المؤسّسات المالية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية للمساعدة في إعادة إعمار أوربّا وتوفير الآليّات للتعاون الدولي في إدارة النظام المالي العالمي. ويعدّ بنك الاستثمار الأوربي أكبر مؤسسة مالية دولية، إذ وصلت موازنته العمومية في 2013 إلى 512 مليار يورو، مقارنة بمكوني البنك الدولي الرئيسين: البنك الدولي للإنشاء والتعبير IBRD الذي تقدر أصوله في 2014 بـ 358 مليار دولار، ومؤسسة التنمية الدولية IDA تقدر أصولها بـ 183 مليار دولار. وهذا بالطبع فضلًا عن صندوق النقد الدولي، ومؤسّسة التمويل الدولية والمركز الدولي لتسوية المنازعات الاستثمارية، وغيرها.[11]

التنمية الاقتصادية – سياسات الإفقار:

طالما جرت سياسة المؤسّسات الدولية تحت راية التنمية الاقتصادية وبالًا على شعوب كثيرة، أودت بها إلى مزيدٍ من الإفقار والعوز، ومن ثم توفير التربة الخصبة لتدخل الشركات عابرة القوميات لإصلاح ما أفسدته هذه المؤسّسات والحكومات الموالسة من أضرار كرّستها سياسات اقتصادية وسياسية واجتماعية فاشلة من الحكومات المحلّية. في أغلب الأوقات كانت التحرّكات التي يمليها صندوق النقد الدولي على الحكومات في الشرق والدول النامية تسفر عن احتجاجات تحسّبًا لما تمثّله هذه الإملاءات من أضرار بالغة لمقوّمات العيش المتواضعة عند أغلب فئات المجتمع، خاصة الأكثر فقرًا.[12] ولم يكن الأمر يتوقف عند هذه الاحتجاجات والتخوّفات، بل تجاوز الأمر ذلك لنجد في النهاية إقرارًا لتلك السياسات وترديًّا حقيقيًّا في الأوضاع الاقتصادية ومقومات التنمية، وذلك على خلفية من أرقام خادعة حول “نمو اقتصادي” يجمل وجه الحكومات دون أن يصنع تنمية حقيقية.

توالت النظرياتُ التي روّجت لسياسات المؤسّسات الدولية المالية وعلى رأسها صندوقُ النقد الدولي والبنك الدولي فيما يتعلّق بالتنمية الاقتصادية في البلدان النامية. فتارةً نسمع عن تحرّر السوق لصالح التنمية، وتارة أخرى يروجون لنظرية التنقيط، أو التدفّق الهابط، أو نقل فوائد الاستثمارات الخاصةtrickle-down theory. وكلُّها في الواقع لم تفعل سوى التسبّب في استفحال الفقر ومظاهره من حرمان وإعاقة المواطنين المفقرين من الوصول إلى حقوقهم، وهو ما زحف مؤخّرًا على أمسِّ الحقوق، مثل الحقّ في المياه. وهذه كلُّها تصوّرات تكرِّس نظرةً أحاديةً في اتجاه واحد نحو نموٍّ اقتصاديٍّ و‘تقدّم’ خطّي “في طريق الحداثة وعادة نمط الحياة الغربية”. ومن ثَم، فإنّ نجاحَ هذا النوع من التنمية لا يقاسُ إلا بمؤشّرات ترتبط بزيادة في إجمال الناتج المحلّي GDP، أو متوسّط الدخل، أو الاستثمار في الصناعة. وهي طريقةٌ نادرًا ما تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والاجتماعية، أو تكشف عن عوامل أخرى مهمّة مثل التباين بين فئات اجتماعية مختلفة في المجتمع الواحد. فضلًا عن إغفال تلك النظريات الخصوصية الثقافية والاجتماعية التي قد تحدّد ملاءمة هذه السياسات من عدمه فيما يخلص المجتمعات المختلفة.

حتّى أهمّ البيانات التي اقترنت بدعم الحقوق والتنمية لم تخلُ من الانحياز لطريقة بعينها في التنمية وهي سيطرة الدول الغنية على مسارات التنمية وتصدير الأفكار والتكنولوجيا، والأهم من هذا وذاك، فتح الأسواق:

سنعملُ معًا ليساعدَ بعضُنا بعضًا على الوصول إلى الموارد المالية والاستفادة من فتح الأسواق وكفالة بناء القدرات واستخدام التكنولوجيا الحديثة لتحقيق التنمية وضمان نقل التكنولوجيا، وتنمية الموارد البشرية والتعليم والتدريب للقضاء نهائيًّا على التخلّف.[13]

كان من ضمن الانتقادات التي وجّهت لتعبير “التنمية المستدامة” على سبيل المثال، أنّ ثمّة استعدادًا وأريحيةً من الحكومات والمؤسّسات المالية الدولية وكذلك المنظّمات غير الحكومية للتنمية لتبنّي هذه اللغة بحكم ما تحمله من غموض للمصطلح ومن ثم تعدّد تفسيراته واختلافها.[14] حتّى بعد أكثر من ثلاثين سنة على صدور الإعلان بشأن الحقّ في التنمية نجدُ أنّ الغالب على المشهد العالمي هو مزيدٌ من النساء والأطفال والرجال – هم محورُ التنمية الأساسي – يعيشون في حاجة ماسّة إلى التمتّع بحقّهم في حياة كريمة وحرية وتكافؤ الفرص.[15]

ظلّت المؤسّسات الدولية وهيئات التنمية سادرة في غيّها بحثًا عن تركيبة تضمن تحقيق الأربح والوجه الكريم متمثّلًا في مساعدة الفقراء، وهو ما تمثّل في عدّة مظاهر من بينها ظهورُ النهج الحقوقي للتنمية في التسعينيات من القرن الماضي، وهو التطورُ الناجم عن الانتقادات التي وجّهت لمنظّمات التنمية الفاشلة في تحقيق تقدّم حقيقي في مسيرة حقوق الإنسان، خاصةً الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا ظهرت آليّات حقوق الإنسان من محاسبة ومعايير دولية على العمل في التنمية. وانتشرت دزينة جديدة من المصطلحات والقضايا مثل التمكين، ومحاربة الفقر، وتنمية المجتمعات المحلية، والمشاركة، ومحاسبة الحكومات، وعدم التمييز، ..إلخ. ولكنّ هيهات ظلّ الغموض واقعًا محقّقًا عند محاولة تطبيق هذه القيم والأنشطة التي تجسّد هذه المصطلحات على أرض الواقع مع حكومات الدول الفقيرة والغنيّة على حدٍّ سواء؛ حتى إنّ التفريق بين الحقّ في التنمية والنهج الحقوقي للتنمية ظلّ موضوع جدل بيزنطي طويل لم يفد منه لا فقير ولا محروم من أفراد أو جماعات.[16]

التطوّرُ النسبيُّ الذي طرأ في رؤية إمكانات الشعوب وقدرتها على إيجاد حلولها الملائمة لثقافتها وحياتها، هو ما انعكس في بيانات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP الذي أشار إلى أنّ “التنمية هي خلق بيئة يستطيع الناس فيها تطوير كامل قدراتهم، وعيش حياة منتجة وإبداعية، تتّفق واحتياجاتهم ومصالحهم واهتماماتهم، ومن ثم توسيع الخيارات التي تمكن الناس من تبنّي طريقة العيش التي تناسبهم.[17]

كان هذه الروح التي جاءت نتيجة الانتقادات والتجارب الفاشلة، هي ما أفعمت حركات اجتماعية كثيرة للنضال من أجل حقوق شعوبها ومجتمعاتها للحصول على حقوقها الأساسية في هذا الإطار الملتبس المسمّى بالتنمية على أسنّة سيوف الأرباح، ومن أهمّ هذه الحقوق: الحقّ في المياه.

تناقضُ الشعارات يحسمُه القوة/السلطة

هكذا إذًا، دأبت المؤسّسات الحقوقية والتنموية سواء في إطار الأمم المتحدة، أو غيرها من المنظّمات غير الحكومية الدولية ذات التأثير في مجتمعات مختلفة حول العالم، على التفنّن في خلق آليّات تحفظ بها حقّ الإنسان في البقاء والتطوّر وعيش حياة كريمة. وقد كانت هذه هي الخلفية المعروفة جيّدًا لوجود الأهداف الإنمائية للألفية MDGs التي تطوّرت لاحقًا بعد مراحل الفشل المتواصلة إلى أهداف التنمية المستدامة التي يدور الهدف السادس منها حول المياه النظيفة والنظافة الصحية.[18] وذلك لما يمثّله توافر مياه للجميع من أساس لحياة الناس، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلى باحترام الحقّ وتطبيقه و”دعم مشاركة المجتمعات المحلية وتعزيزها في تحسين إدارة المياه والصرف الصحي”.[19]

ولكن أين هذه الأهداف من سياسات الإصلاح الاقتصادي التي يمليها صندوق النقد الدولي والتي أفضت مؤخّرًا إلى ارتفاع تكلفة السلع الأساسية من مياه وكهرباء إلى حدود فلكية فيما يتعلّق بإمكانات ودخل فئات عريضة في المجتمع المصري على سبيل المثال؟ إذ تظهر عينة عشوائية من مراجعة قروض صندوق النقد الدولي في أربعين سنة أنّ “اتفاقات القروض في اثنتا عشرة دولةً شملت شروطًا لفرض خصخصة المياه أو تحميل كامل التكلفة على المواطن”.[20] والمفارقة دائمًا أنّ هذه القروض تتمّ تحت راية تخفيف الفقر والنموّ Poverty Reduction and Growth Facility (PRGF)، وهو الاسم الذي أطلق أيضًا على أحد صناديق المؤسّسة الدولية في 1999، ومنذ ذلك الحين وقروض الصندوق للحكومات المتعثّرة في إدارة مواردها تأتي بتدهور شديد وتردي حقيقي في حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية، سيّما الحقّ في المياه. فقد أصدر الرئيس الأسبق حسني مبارك قرارات بخصخصة المياه تماشيًا مع نهج البنك الدولي الذي يرى الخصخصة وسيلة ناجعة للكفاءة ومن ثمّ الحصول على قروض. وبالفعل تحوّلت الهيئات في أربع عشرة محافظة من محافظات مصر السبع وعشرين إلى شركات قابضة وتحول تركيزها إلى الربح وتغطية الكلفة.[21] فقد أدّت الزيادة في الأسعار إلى احتجاجات واسعة في السنوات اللاحقة، حتى إنّه بين النصف الثاني من 2007 إلى يناير/كانون الثاني 2008 شهدت مصرُ حوالي أربعين احتجاجًا حول غياب الحقوق الأساسية المرتبطة بمياه الشرب، الأمر الذي دفع ببعض المعلّقين إلى تسمية ثورة يناير 2011 بثورة العطشى. وقد زاد الطين بِلّة أن هبطت مصر تحت خطّ الفقر المائي الذي يقدّر بـ 1000 متر مكعب سنويًّا للفرد إلى 700 متر مكعّب فقط. وهو بالطبع ما دفع الناس إلى اللجوء إلى مصادر مياه ملوّثة بما تجرّه من تبعات صحّية مكلّفة على الناس مباشرة والدولة، إن افترضنا أنّها تعبأ في الأصل بمواطنيها.

وخصخصة المياه في مصر صار مشروعًا نافذًا عن طريقة الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي، بدعم من البنك الدولي (الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي) وهيئة المعونة الأمريكية USAID. وقد تفاقمت المشكلة أيضًا مع تطوّرات إقليمية من بناء سدود في أثيوبيا وما يشكّله هذا من خطورة نقص حصّة مصر من المياه إلى جانب الأضرار البيئية التي تشكّلها السدود عمومًا وهذا السدُّ بالأخصّ. إذ يشكّل سدُّ النهضة Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD)، مشكلة مركّبة على الصعيدين المحلّي والإقليمي وكذلك على المستوى البيئي: التسبّب في تهجير فئات كثيرة، الإضرار بالبيئة الحيوية، التي تنعكس في النهاية على التغيّر المناخي، وهي آثار غير مباشرة تضاف إلى الآثار المباشرة له على مواطني أثيوبيا والسودان ومصر.[22] وهو ما أكّده  رأي الخبراء من آثار مباشرة على مصر من نقص تدفّق المياه، وزيادة ملوحة التربة في منطقة الدلتا، ونقص الغذاء، فضلًا عن مخاطر الصحة العامة.[23]

إذًا على الرغم من كلّ التحذيرات المرتبطة بالأبعاد البيئية والتنموية، التي تطلقها مؤسّسات دولية مشهود لها بالثقة، يظلّ حسم القرار في النهاية متوقّف على كِفّة القوة الأرجح، اقتصاديًا، وسياسيًا، وماليًا. فهناك أضرارٌ بيئيةٌ مختلفة، على مستوى إقليمي من بناء سدّ النهضة، رغم ما ارتبط به من أساطير تنمية وغيرها، ولكن أصبح سدُّ النهضة حقيقةً واقعة، تكرّس منظومة اتخاذ القرارات الدولية حتّى فيما يتعلّق بمصير شعوب بأكملها، وأجيال قادمة في إقليم بطول حوض النيل وعرضه. إذ تردّدت أقاويلُ وقت احتدام الجدل حول بناء السدّ أنّ البنك الدولي من أهمّ مموّلي المشروع إلى جانب الصين وإيطاليا.[24] وهي مشكلة تتضاعف في حالة إصرار إثيوبيا، على سبيل المثال، اتخاذ قرار تخزين المياه على ثلاث سنوات، من طرف واحد، والذي يطيح بأسس القانون الدولي، لا سيما فيما يخصّ استخدام المياه المنزلي الذي حتمًا سيتأثّر، فضلًا عن التأثير في الأراضي الزراعية وانعكاس ذلك في النهاية على الإنتاج الزراعي والغذائي.[25] وممّا يشكّل خطورة أكبر، أنّ موقف الحكومة المصري الرسميَّ جاء هزيلاً، ومتقاعسًا متحجّجًا في الإعلام الرسمي أنّه يفضل حلّ المشكلة عن طريق “التزام مصر بالقانون الدولي في تداولها لقضية السد وفقًا لمبادئ سنّ النيّة والثقة”.[26]

ترى أيكون دعم الفقراء دائمًا سبيلًا لقتلهم؟ ماذا تصنع المؤسّسات المالية الدولية صاحبة السلطان في تحديد السياسات الاقتصادية في البلدان النامية مع هذه المظاهر من حرمان ملايين من الحقّ في المياه الآمنة؟ علمًا بأنّ السدود عمومًا من الكوارث المستدامة التي في إمكانها الإطاحة بأيّ أهداف تنمية مستدامة، على مدى الأجيال القادمة، لا سيما أنّ أسبابها تمثّل خطورة بيئية شديدة تأتي على الأخضر واليابس، بسبب التغيّر المناخي.

البنك الدولي يدعم خصخصة المياه داخليًّا، ويدعم أيضًا التحكُّم فيها بل والتأثير في هذا المورد خارجيًا، وهو أمرٌ يأتي على حساب مئات الآلاف من المزارعين، وملايين المواطنين في مصر ممّن يعانون بالفعل من نقص المياه، لا سيما في عشرة مناطق هي الأكثر معاناة من ندرة المياه في مصر، وهي “مدينة الإسماعيلية، ومحافظة الدقهلية، وكفر الشيخ، والشرقية، ومدينة الفيوم، ودمياط، ومرسى مطروح، والمنيا، وبني سويف، والإسكندرية”.[27]

ولا شكّ أنّ الفساد يأخذ نصيبًا لا بأس به من الموارد المخصّصة لتوفير المياه بجودة ملائمة للاستخدام الآدمي، إذ تبيّن أنّ 10% من استثمارات قطاع المياه على مستوى العالم يضيع لأسباب الفساد. وهو ما يضاعف منه سوء إدارة المياه الذي يؤثّر أول ما يؤثر في أكثر الناس تعرّضًا لمشكلات المياه، وأكثرهم إفقارًا وتهميشًا واستضعافًا، لا سيما المرأة، والأطفال، والمحرومين من الأرض.[28]

ذلك أنّ الفساد يزيد من حرمان الأكثر فقرًا من الحصول على مياه كافية ونظيفة؛ لأنه يسهم في فشل تفعيل القانون المقصود به حماية الموارد المائية من التلوّث والزحف عليه من الشركات أصحاب المصالح، وهو ما ينتج تمييزًا في تدفّق المياه وأنظمة الري، لصالح الأقوى، وكذلك تدهور البنية الأساسية لجودة المياه وتقويض القدرة على تحمّل الأعباء المالية للحصول على هذا المورد المصيري للحياة.[29]

وقد جاءت الخصخصة في كثير من الدراسات الأكاديمية الحديثة ضمن أشكال ودوافع الفساد فيما يتعلّق بالحصول على المياه. إذ على الرغم من أنّ الشركات الخاصّة قد تضمن جودة عالية من خدمات المياه والصرف الصحي عبر الشراكات العامة الخاصة PPPs، حيث تدير الدولة هذه الشراكات، فإنّه في الأوساط التي هي أعلى فسادًا، نجد القطاع الخاص يجنح إلى تعظيم مستويات الربح على حساب الاحتياجات العامة، وهو ما يمكن أن يؤدّيَ إلى توفير خدمة المياه دون الصرف الصحي، على سبيل المثال.[30]

ورأى بعض الباحثين في هذا السياق أنّ إدخال الحلول القائمة على التوجّه إلى السوق مثل أنظمة الخدمة المدفوعة مقدمًا prepaid service، قد نالت ترويجًا وتعزيزًا عدائيًّا من الجهات المانحة تحت مسمّى تعضيد المؤسّسات والاستدامة المالية في قطاع المياه والصرف الصحي، وهو ما أدّى في بعض الأحيان إلى تغلغل سبل الفساد التي أتت على الفرص الحقيقية لحصول الناس على هذا المورد وَفق الأسس القانونية والحقوقية المبرمة.[31] وهذا ما تؤكّده تجارب كثيرة منها ما حصل في مصر التي تعانى مثلما أشرنا سالفًا، من ندرة مائية، حيث منحت وزارة الري، على سبيل المثال، إحدى شركات البتروكيماويات الكندية 105 ملايين متر مكعب من المياه العذبة، مقابل 3 ملايين جنيه سنويًا أي ما يعادل 550 ألف دولار أمريكى تقريبًا.[32] في الوقت الذي يعانى فيه العديد من السكان في بعض قرى مصر ومدنها من ندرة المياه، مثل سكّان منطقة العبور بمدينة الإسماعيلية وعددهم يصل إلى 20 ألف مواطن ولا يبعدون سوى 500 متر عن مكتب محافظ الإسماعيلية، ويشكون من عدم وجود مياه الشرب، منذ نحو 20 عامًا.[33] بينما لجأ نحو 40 ألف مواطن في عزبتي «البط» و«عيسي» بدمياط، إلي استخدام مياه الترع الملوّثة في الاستحمام والأغراض المنزلية إثر معاناتهم من العطش منذ 12 عامًا، بسبب تكرار انقطاع المياه، فيما أصيب أطفال من مدينة أبورديس في جنوب سيناء، بأمراض جلدية بسبب عدم الاستحمام لندرة المياه وأرجع أحد المواطنين أزمة نقص مياه الشرب إلي المصايف قائلًا: الأثرياء في المصايف لازم يشربوا مياها نظيفة والغلابة لا يجدون كوب ماء.[34]

كان توسُّع شركات المياه الخاصّة بدعم من البنك الدولي ومؤسّسات دولية أخرى جزءًا من سياسات تحويل البلدان النامية والانتقالية إلى اقتصاديات السوق. وقد أُدخلت البلدان الانتقالية في أوربّا الشرقية ضمن موجة امتيازات المياه: في جمهورية التشيك والمجر؛ وفي أمريكا اللاتينية خاصة الأرجنتين، حيث تم خصخصة سلسلة من المدن الرئيسة، منها امتياز “فلاغشيب Flagship” لشركة أغواس آرجنتيناس Aguas Argentinas في العاصمة بيونس أيرس. وفي آسيا، مثل خصخصة مدينتين رئيستين هما مانيلا وجاكارتا، وفي إفريقيا حيث كان قد تمّ الحصول على الامتيازات في مستعمرات فرنسية سابقة، ومنها ساحل العاج، وبعض البلدات في جنوب إفريقيا أيضًا. وأثناء انعقاد منتدى المياه العالمي في لاهاي عام 2000، كان كبار مسؤولي البنك الدولي يعرضون لخصخصة المياه بوصفها حتمية تاريخية، مستخدمين في عرضهم هذا عبارة “لا بديل عن ذلك”.[35]

ولا تزال إجراءات رفع يد الدولة عن إدارة سلع أساسية مثل المياه، يجري على قدم وساق، حيث وقت كتابة هذه الورقة كانت الحكومة المصرية تعلن عن أسعار عدادات المياه الجديدة التي أعدتها شركة مياه الشرب بالقاهرة الكبرى، تطبيقًا لقرار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية رقم 758 لسنة 2017، باعتماد اللائحة الموحّدة والملاحق المرفقة بها اعتبارًا من 28 سبتمبر/أيلول 2017.[36] كذلك كان الرئيس الحالي قد ألغى قرارًا جمهوريًّا كان قد أصدره الرئيس الأسبق حسني مبارك، بشأن نقل تبعية أصول ومحطات وشبكات وخطوط مياه الشرب والصرف الصحي بالمدن التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة؛ للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي.[37] وهو قرار يسترعى الانتباه ويتطلّب التحليل الدقيق في ظلّ التضارب الواضح في سياسات الدولة في الوقت الحالي، والتي لا يظهر منها سوى الجور على حقوق المواطنين من رفع أسعار، ومنع سبل الاحتجاج السلمية التي يكفلها الدستور والقانون.

في المقابل، استمرت الاحتجاجات على الحرمان من المياه ونقصها وسوء جودتها، على مدار السنين الماضية، حتى في منطقة القاهرة الكبرى، لا في القرى النائية والنجوع الأكثر فقرًا فحسب:

“أنا من ساكنى منطقة طوابق فيصل والمعروف أن المنطقة ومناطق مجاورة كمنطقة منشية البكرى والمريوطية كانت تعانى انقطاع المياه لساعات طويلة في السنوات الأخيرة إلى أن تمّ حلّ المشكلة جزئيا بعد افتتاح المرحلة الأولى من محطة مياه مدينة 6 أكتوبر ولكن عاودت هذه الأيام المشكلة في الظهور وعاد انقطاع المياه لـ 12 ساعة يوميًا تقريبًا. هى الحكومة ما بتتحركش غير لما الناس تطلع تقطع الطريق الدائري زى ما حصل من سكّان هذه المنطقة سابقًا. هى طريقة خاطئة للاحتجاج، ولكنها المثلى في مصر. انتظرونا ع الدائري. كلاكيت تاني مرة”.[38]

تكرّر المشاهد هذه في عدة محافظات، مثل الدقهلية وقنا والفيوم، ففي قنا، على سبيل المثال، شكا أهالي قرى الحسينات والشقيقي والقلعية بمركز أبو تشت وقرى الكوم الأحمر والعسيرات وحاجز الدهسة البحري والحاج سلام، “من معاناتهم اليومية بسبب نقص مياه الشرب واعتماد الأهالي على شراء الجراكن لسد احتياجاتهم من المياه.[39]

النضال من أجل الحق في المياه:

مثّل المنتدى العالمي للمياه الذي عقد في آذار/مارس 2003 في كويوتو باليابان لحظة فاصلة في الجدل الدولي حول المياه، فقد تحدثت خلاله مجموعات المجتمع المدني من جميع أنحاء العالم بقوة ضد خصخصة المياه، وقدموا الأدلة لكثير من الناس على فشلها الحاد في الجنوب والشمال على حد سواء. وقد أفسد هذه المداخلات منظمو المنتدى، وبخاصة المجلس العالمي للمياه World Water Council ذو التوجع النيوليبرالي، بهدف الترويج للشراكات العامة الخاصة التي تمضي قدمًا.[40]

وقد رأى المجلس العالمي للمياه، والمؤسسات المالية الدولية وكثير من الحكومات الشمالية أن الاستجابة لانسحاب شركات المياه متعددة الجنسية من الجنوب ينبغي أن يكون بدعم تلك الشركات، وتغطية المخاطر السياسية ووضع ضمانات للربح. ومن الملاحظ أنه لم يكن هناك تقريبًا أيّ إشارة للطريق الفعّال الأكثر وضوحًا ألا وهو تحسين وتوسيع مد المياه العامة. وبعد انقضاء المنتدى العالمي للمياه مباشرة، حضر ما يزيد عن مئة ناشط من أنحاء العالم حلقة نقاشية حول بدائل الخصخصة، وخلص المجتمعون وقتها إلى أن هناك نماذج عديدة لمرافق المياه العامة التي تعمل على نحو جيد، وأن ثمة مدى واسع من المناهج والطرق الابتكارية الجديدة التي أسفرت بالفعل عن تحسينات حقيقية في توفير المياه العامة، وهو الوضع الذي لم يقتصر على الجنوب وحده.

وعلى مدار عام 2003، تبلور الجهد المتناغم لتحسين الوعي والجدل حول طرح حلول لاستعادة الملكية العامة للمياه. وبعد عقد حلقة نقاشية موفقة للمتابعة أثناء المنتدى الاجتماعي العالمي الثالث في مومباي، بالهند، عام 2004، تم تدشين مشروع مشترك بين ائتلاف من المنظمات غير الحكومية والقائمين بالحملات وعامة الناس والنشطاء المناهضين للخصخصة، وأكاديميين، ومديري مرافق مياه عامة، واتحادات عمالية. وتمّ تأسيس موقع إلكتروني على شبكة المعلومات الإنترنت عنوانه عدالة المياه www.waterjustice.org بوصفه مركزًا توضيحيًا ومنتدًى لتيسير النقاش.

قدر لهذه التحرّكات المدنية والحركات الاجتماعية أن تجد صدى في جميع بلدان الجنوب، بل ونشطاء كثيرين في بلدان الشمال، وكان من ضمن النشطاء من اجتمعوا على الأهداف نفسها حتى قبل معرفة هذه التطورات من المجتمعات المدنية العالمية، وكذلك في البلدان الناطقة بالعربية، وشعوب أصلية في منطقة الضاد.

هكذا اجتمعت مقومات تشكيل منتدى الحق في المياه في المنطقة العربية بمبادرة من نشطاء وجمعيات ومؤسسات محلية ودولية، وصار هذا المنتدى هو المنبر المدني الرئيس للنضال من أجل الحق في المياه. ونشطت في إطاره جمعيات جديدة، وتشكّلت برامج مختلفة لرصد انتهاكات الحق في المياه، فضلًا عن توصيل المعرفة والأسس القانونية والحقوقية للحق والتدريب على كيفية التعامل مع الحق في المياه في سياقات مختلفة من بينها تأثير المؤسسات المالية الدولية على ممارسة هذا الحقّ والحصول على المياه ضمن المواصفات المقننة في الآليات الدولية لحقوق الإنسان.

تباينت أنشطة المنتدى لا شكّ من بلد إلى آخر، وجاءت التطوّرات السياسية المصاحبة لما سمّي بالربيع العربي لتضفي صعوبات مركبة ومتفاقمة على العمل المدني عمومًا في هذه المنطقة – المنكوبة – معظم  الوقت. في مصر أصبح عمل الجمعيات أقرب إلى المستحيل، بعد موجات التخوين المنطلقة من شوفينية قاتلة لروح الاختلاف والرغبة في التغيير. صار التضييق على مؤسسات المجتمع المدني وأي تحركات جماعية خانقًا وخطيرًا وصل إلى الحبس، والمنع من السفر، ومصادرة الأموال الخاصة وكذلك أصول الجمعيات. وهذا وضع يفرض علينا واجب الابتكار والعمل الجاد، لا سيما في إطار هذا المنتدى الذي يمكن أن يشكل مصدر قوي ضد جور الحكومات، ويمكن أن يمارس ضغوطًا جيدة من خلال مناصرة متبادلة لدعم المجتمعات المدنية بعضها بعضًا في المنطقة، وهذا ما سنفنّده بشيء من التفصيل في الجزء التالي من توصيات.

 

توصيات:

  • ربط النشاط الأهلي والتحرّكات الجماعية في كلّ بلد بالمشكلات نفسها في البلدان الأخرى، لا على الصعيد الإقليمي فحسب، بل العالمي أيضًا؛
  • ربط جميع المشكلات المرتبطة بالمياه من كمية وجودة وإمكانية الحصول عليها، وكذلك السدود والمشاريع الكهرومائية بعوامل التغيّر المناخي وخطورته على الأجيال الحالية والقادمة؛
  • الاهتمام بالجانب التوعوي/التحسيسي فيما يتعلّق بسلوكيات المواطنين في المحافظة على مورد المياه وعدم إهداره في الأماكن التي تتميز عن غيرها بوفرة مياه وهمية؛
  • اختصام البنك الدولي وغيره من المؤسسات المالية فيما يتعلق بالأضرار الناجمة عن خصخصة المياه، أو رفع الدعم عنها، لا سيما أن هذا الدعم هو دعم وهمي في ظلّ غياب حياة كريمة من تعليم وصحة وسكن؛
  • التشديد على التجربة الخاصة لكل بلد وضرورة احترام المؤسسات المالية لخصوصية وطبيعة البلدان المختلفة التي لا يصلح معها تطبيق أجندة موحدة، ثبت علميًا أنها تفاقم من الفقر والتدهور الصحي والبيئي، خاصة أجندة خصخصة المياه؛
  • تبادل خبرات دعم المجتمع المدني بين البلدان في المنطقة، عن طريق ضغط جماعات وحركات اجتماعية في بلد على حكوماتها وحكومات بلدان أخرى،
  • تعضيد العلاقة بين المجتمع المدني في البلدان المضارة من بعض مشاريع التنمية المزعومة مثل سد النهضة في إثيوبيا، لدرء مزيد من المشكلات البيئية، والتوجه لاختيار أساليب أفضل في التنمية؛
  • تقديم تجارب ناجحة في إدارة مورد المياه جاءت بنتائج مشرفة في الإدارة المحلية للمياه بعيدًا عن شركات عابرة القوميات؛
  • الضغط على الحكومات والمؤسسات المالية لتوفير الدعم لتجارب الإدارة المحلية للمياه مع تقديم الضمانات الكافية لنجاح التجربة، بعيدًا عن الشركات الخاصة؛
  • العمل مع جميع الأطراف المعنية لنشر الأفكار الخاصة بالإدارة المحلية للمياه، دون الاكتفاء بالمؤتمرات وأوراق العمل التي تستقر في كتب لا تصل إلى المواطنين المضارين؛
  • تنشيط سبل المحاسبة للشركات الخاصة وفضح ممارساتها ومظاهر الفساد المرتبطة بأعمالها في البلدان المختلفة؛
  • عمل خريطة إقليمية لمشاريع المياه ورصد ما يتعلق بها من عقود وممارسات ومثالب وفساد؛
  • التدقيق في الأموال المتدفقة في إنشاء مشاريع للمياه والصرف الصحي والري، وتتبع هذه الأموال مع مؤسسات محاربة الفساد ومؤسسات الشفافية للتصدي لهذه الممارسات والسياسات.

مراجع أجنبية:

Barraclough, S., “Towards Integrated and Sustainable Development?” UNRISD Overarching Corners: Paper No. 1, United Nations Institute for Social Development, February 2001.

Evans, B. et al. 2013. Public Health and Social Benefits of At-House Water Supplies: Final Report. Leeds, UK: University of Leeds.

Goldman, M. 2007. ‘How “Water for All!” Policy Became Hegemonic: The Power of the World Bank and its Transnational Policy Networks’, Geoforum, 38 (5), pp 786-800.

Nandita Singh, The Human Right to Water, from Concept to Reality, Springer  International Publishing Switzerland, 2016.

Ruth McCausland, Trickle Down or Right Way Up? Development, Human Rights and Indigenous Peoples, Balayi: Culture, Law and Colonialism – v 9.

Goldman, M. (2007). How “Water for All!” policy became hegemonic: The power of the World Bank and its transnational policy networks. Geoforum38(5), 786-800. DOI: 10.1016/j.geoforum.2005.10.008

مراجع عربية:

الإعلان بشأن الحق في التنمية، الجمعية العامة للأمم المتحدة، ديسمبر/كانون الأول، 1986.

إعلان جوهانسبرغ بشأن التنمية المستدامة. مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة، أغسطس/آب – سبتمبر/أيلول 2002، الأمم المتحدة. A/CONF.199/L.6/Rev.2.

تشارلز تيلي، الحركات الاجتماعية 1768 – 2004، المركز القومي للترجمة، ترجمة ربيع وهبه، 2007.

جون فريدمان، التمكين، سياسة التنمية البديلة، ترجمة ربيع وهبه، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010.

حسين عمر، الجات والخصخصة، الكيانات الاقتصادية الكبرى، التكاثر البشرى والرفاهية، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 1997.

استعادة الملكية العامة للمياه، نخبة من النشطاء، ترجمة ربيع وهبه، شبكة حقوق الأرض والسكن، القاهرة، 2008.

[1] Collective Action Problem – Collective Action. Encyclopedia Britannica.

[2] انظر، تعريف التحرّك الجماعي، ومظاهره من حركات اجتماعية، في كتاب تشارلز تيلي الحركات الاجتماعية 1768 – 2004، طبعة عربية، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2007.

[3] لمزيد من التفاصيل، انظر:

History of International Human Rights Standards, at: http://humanrightshistory.umich.edu/accountability/obligationr-of-governments/.

يمكن الرجوع أيضًا إلى التعليق العام رقم 15 حول الحقّ في المياه، للاطّلاع على ملابسات هذه الالتزامات فيما يتعلّق بالحقّ موضوع المناقشة هنا، وذلك عبر هذا الرابط: http://hrlibrary.umn.edu/arabic/cescr-gc15.html.

[4] للمزيد حول الحق، تعريفه والأسس القانونية ومواصفات تحقّقه، انظر التعليق العام رقم 15، عبر هذا الرابط: http://hrlibrary.umn.edu/arabic/cescr-gc15.html.

[5] المرجع السابق.

[6] حسين عمر، “الجات والخصخصة (الكيانات الاقتصادية الكبرى، التكاثر البشرى والرفاهية)”، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 1997.

[7]  Cowan, L. G., Privatization in the Developing World, Greenwood Press, N.Y, 1990

[8] Edwards, Ruth Dudley (1995). The Pursuit of Reason: The Economist 1843–1993. Harvard Business School Press. p. 946. ISBN 0-87584-608-4.

[9] TNCs, UNCTAD, at: http://unctad.org/en/Pages/DIAE/Transnational-corporations-(TNC).aspx.

[10] انظر:

 Palmer, Karen (1 September 1995). “Tightening Environmental Standards: The Benefit-Cost or the No-Cost Paradigm?”. The Journal of Economic Perspectives, at: https://www.aeaweb.org/journals/jep.

ويمكن الرجوع أيضًا إلى:

 Preston, Lee E (1 December 1997). “The Social-Financial Performance Relationship”, Business and Society, at: http://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/000765039703600406.

[11] لمزيد من التفاصيل ودور هذه المؤسسات وغيرها من معلومات عامة ومتخصّصة، يمكن النظر في موقع مركز معلومات البنك، باللّغتين الإنجليزية والعربية في بعض المعلومات: عبر هذا الرابط: http://www.bankinformationcenter.org/.

[12] تعدّ انتفاضة الخبز 18-19 يناير/كانون الثاني 1977 من أشهر ردود الأفعال التي ارتبطت بإملاءات صندوق النقد الدولي فيما يخصّ السلع الأساسية، لا في مصر وحدها، بل في العالم الثالث عمومًا. حول هذه الانتفاضة وربطها بما جرى من سياسات اقتصادية في مصر تحت إملاءات الصندوق والبنك الدولي، انظر: رياض حسن محرم، ذكرى انتفاضة الخبرز 18-19 يناير، الحوار المتمدن، يناير/كانون الثاني 2011، على: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=241223.

[13] مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة، إعلان جوهانسبرغ بشأن التنمية المستدامة، أغسطس/آب – سبتمبر/أيلول 2002. نسخة إلكترونية: ftp://pogar.org/LocalUser/pogarp/other/un/conferences/wssd/aconf-199-l6-02a.pdf. التشديد من عندي.

[14] Barraclough, S., “Towards Integrated and Sustainable Development?” UNRISD Overarching Corners: Paper No. 1, United Nations Institute for Social Development, February 2001.

[15] الإعلان بشأن الحق في التنمية في عامه الـ 25، الأمم المتحدة، على: http://www.un.org/ar/events/righttodevelopment/index.shtml.

[16] انظر على سبيل المثال:

Overseas Development Institute, ‘What Can We Do with a Rights-Based Approach to Development?’, September 1999. Retrieved in Marks, Human Rights and Development, Kumarian Bloomfield, 2004.

[17] Human Development Reports, UNDP, at: http://hdr.undp.org/en/hd.

[18] راجع الأهداف السبعة عشر على موقع الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة، 17 هدفًا لتحويل عالمنا، عبر هذه الوصلة: http://www.un.org/sustainabledevelopment/ar/sustainable-development-goals/.

[19] مقاصد الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، لمزيد من التفاصيل انظر: http://www.un.org/sustainabledevelopment/ar/water-and-sanitation/.

[20]  IMF forces Water Privatization on Poor Countries, by Sara Grusky, Globalization Challenge Initiative, Februrary 2001, at: https://ratical.org/co-globalize/waterIMF.html.

[21] انظر أطلس العدالة البيئية Environmental Atlas Justice، مصر وخصحصة المياه، باللغة الإنجليزية، عبر هذا الرابط: https://ejatlas.org/conflict/water-privatisation-egypt.

[22] 5 Myths Surround the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD), International Rivers. People, Water, Life. January 2017, at: https://www.internationalrivers.org/blogs/732/5-myths-surround-the-grand-ethiopian-renaissance-dam-gerd.

[23] انظر أيضًا:

Ethiopia’s Renaissance Dam: Five Sticking Key Issues into 2016, Ahram Online: http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/177677/Egypt/Politics-/Ethiopias-Renaissance-Dam-Five-sticking-key-issues.aspx.

[24] “رغم نفي البنك الدولي أكثر من مرة دعمه لهذا السد، إلا أن السفير محمد إدريس سفير مصر بإثيوبيا في 2013، أكد أن البنك الدولي هو الممول الرئيسي للسد، نافيًا أي دور لإسرائيل من ناحية التمويل”. فيتو، الموقع الإلكتروني: http://www.vetogate.com/1960382 .

[25]إثيوبيا تخزن المياه في سد النهضة .. ونهر النيل في مهب الريح،” تقرير خاص، الخليج أونلاين، أبريل/نيسان 2017، نسخة إلكترونية: http://klj.onl/oUQ12.

[26] “الحكومة المصرية: الحق في المياه سيكون وفقًا لمبادئ القانون الدولي”، المحور المصري: http://mehwarmasr.com/?p=32839.

[27] Growing Protests over Water Shortage, IRIN, at: http://www.irinnews.org/news/2010/07/27/growing-protests-over-water-shortages.

[28]  “Corruption in the Water Sector’s Costly Impact,” Transparency International, at: https://www.transparency.org/news/feature/world_water_day_corruption_in_the_water_sectors_costly_impact.

[29] للمزيد من المعلومات حول تحليل أثر الفساد في الحصول على مياه آمنة لمن يعيشون في فقر، انظر:

The Impact of Corruption on Access to Safe Water and Sanitation for People Living in Poverty, Anti-Corruption Research Center, Transparency International, July 2017, at: https://www.transparency.org/files/content/corruptionqas/Impact_of_corruption_in_water_and_sanitation_on_poor_2017.pdf.

[30] Pusok, K. 2016. “Public-Private Partnerships and Corruption in the Water and Sanitation Sectors in  Developing  Countries.” Political Research Quarterly 69, at: http://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/1065912916658552.

[31] انظر، على سبيل المثال: مخاطر الفساد في نظم السداد والترخيص للمياه؛

Butterworth, J. and de la Harpe, J. 2009. Not So Petty: Corruption Risks in Payment and Licensing Systems for Water. U4 Brief 2009:26, at: http://www.u4.no/publications/not-so-petty-corruption-risks-in-payment-and-licensing-systems-for-water/.

[32] جريدة البديل ، العدد 273 فى 19/4/2008. مرجع ورد ذكره ضمن ورقة مقدمة من الباحث عبد المولى اسماعيل في ملف رصد أحوال الحق في المياه والنضال من أجل استعادته وتأسيس منتدى الحق في المياه في المنطقة العربية، نشرت في الطبعة العربية من كتاب استعادة الملكية العامة للمياه، إنجازات ونضالات ورؤى، من أنحاء العالم، ترجمة ربيع وهبه، شبكة حقوق الأرض والسكن، القاهرة، نوفمبر تشرين الثاني، 2008.

[33] جريدة المصرى اليوم، العدد 1125،  13/7/2007، ضمن المرجع السابق.

[34] المرجع السابق.

[35] لمزيد من المعلومات حول بداية دعم المؤسسات المالية الدولية لخصخصة المياه، والمقاومة التي أثارتها هذه الموجة خاصة في تسعينيات القرن المنصرم، انظر: استعادة الملكية العامة للمياه، ورد ذكره.

[36] للاطلاع على تسعيرة العدادات، انظر: جريدة الدستور، القاهرة، 30 اكتوبر/تشرين الأول، عبر: http://www.dostor.org/1606675.

[37] “السيسي يلفي قرارًا جمهوريًا لـ‘مبارك’ بشأن أصول ومحطات وشبكات الشرب، جريدة الوطن، 7 أكتوبر/تشرين الأول، 2017، عبر: https://www.elwatannews.com/news/details/2589078.

[38] “احتجاجات بسبب انقطاع المياه والكهرباء”، جريدة المصري اليوم، العدد 4378، 8 يونيو/حزيران 2016.

[39] المرجع السابق.

[40] استعادة الملكية العامة للمياه، مذكور سالفًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com