الرئيسية / البيئة / بين خيبة الأمل والتجديد: حركة العدالة المناخية
لنغير النظام لا المناخ
من أجل تسليط الضوء على احداث قمة باريس، تتحدث كاميلا رولاندو مازوكا حول تاريخ وقضايا حركة العدالة المناخية.

بين خيبة الأمل والتجديد: حركة العدالة المناخية

بين خيبة الأمل والتجديد: حركة العدالة المناخية.

من أجل تسليط الضوء على احداث قمة باريس، تتحدث كاميلا رولاندو مازوكا حول تاريخ وقضايا حركة العدالة المناخية.

دخلت اتفاقية الامم المتحدة الاطار بشأن تغير المناخ حيز التنفيذ في مارس 1994، وأصبح عدد الدول الاعضاء الآن و الموقعة 196 دولة ( 195 دولة بالإضافة الى الاتحاد الاوربي). تبقى الى حدود اليوم الأداة الرئيسية للتعاون بين الدول للتعامل مع تغير المناخ. هدفها هو “تثبيت تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي وفقا للأحكام ذات الصلة من الاتفاقية في مستوى يمنع التدخل البشري الخطير في نظام المناخ”. تنظم الاتفاقية الاطار مفاوضات سنوية بين الدول : مؤتمر الاطراف (COP).

مؤتمر الأطراف في باريس له اهمية خاصة. في مؤتمر الأطراف المنعقد في ديربان في2011، حددت الاطراف مؤتمر COP 21 باعتباره مؤتمر التصديق على اتفاق  ليحل محل بروتوكول كيوطو، و هو الاتفاق العالمي الاول و الوحيد الملزم قانونا بشأن تخفيض  انبعاث الغازات الدفيئة، عندما ستنتهي صلاحيته سنة 2020. كان مؤتمر وارسو في عام 2013 و ليما 2014 أساسا من أجل تمهيد الطريق لاتفاق باريس. ومن الأهمية بمكان أن الاتفاق الذي تم التصديق عليه خلال COP 21 يجب أن يتجاوز الموقّعين الحاليين على البروتوكول ، الذي يغطي حاليًا أقل من 20٪ من انبعاثات الغازات في العالم.

على الرغم من استبعادها من عملية صنع القرار الرسمية التي لا تزال حكراً على الدول، إلا أن حركة العدالة المناخية هي لاعب مهم في “إدارة المناخ العالمي” التي تضم مجموعة واسعة من المشاركين مثل المجتمع العلمي والجهات الفاعلة من المجتمع المدني. تشترك مختلف مبادرات العدالة المناخية في نفس التحليل للمفاوضات الجارية في إطار الاتفاقية، فهي غير قادرة على احداث التغييرات اللازمة لأنها لا تناقش جذور نظام حضارتنا “سوق البترول”(1) المبني على النمو الاقتصادي و استهلاك الوقود الأحفوري و الموارد الطبيعية.  تدعو حركة العدالة المناخية بدلاً من ذلك إلى السيطرة المحلية على الموارد والاعتراف بالدين الإيكولوجي لبلدان الشمال تجاه بلدان الجنوب. خلال مؤتمر الاطراف في باريس، يجتمع اعضاء و حلفاء الحملة العالمية للمطالبة بالعدالة المناخية مرتين يوميا في “بوغجي”. مكانان آخران للتجمع، سيسمعون فيهما صوت العدالة المناخية: قمة المواطن من أجل المناخ المنظمة في “مونتغوي” و منطقة العمل من أجل المناخ في مركز “سون كاتر”.

إن القمع الحالي للنشطاء ومنظمي الحركة في باريس  يحد من تأثيرهم على الأحداث ويهمش مطالبهم. إنه مصدر التوتر بين الأعضاء الذين يرغبون في تحجيم الحظر للتظاهر وأولئك الذين يسعون إلى الابتكار في طرق التعبئة. إن عنف أعمال الشرطة هذه جزء من تاريخ طويل من نضال الحركة من أجل العدالة المناخية ضد التوجهات النيوليبرالية التي توجه الحلول المعتمدة حتى الآن لمشكلة الاحتباس الحراري. يتطلب فهم الأحداث التي ستجري في باريس في الأيام المقبلة مراجعة لهذه القصة وقضاياها.

الليبرالية الجديدة في خطاب الأمم المتحدة بشأن البيئة والآليات المرنة لبروتوكول كيوتو

في عام 2012 ، اعتمد إعلان قمة الأرض في ريو +20 (الذي نظمته الأمم المتحدة) مفهوم “الاقتصاد الأخضر”. يؤكد هذا المفهوم أن هناك أشكالًا للنمو الاقتصادي “منخفض الكربون” يتوافق مع حماية البيئة: فالتخضير والتنمية يسيران جنبًا إلى جنب. وبالتالي، تُحرم القضايا البيئية من أي بعد سياسي لصالح خطاب تكنوقراطي يعتمد على آليات السوق(2). ان عملية ازالة الطابع السياسي هذه هي سمة العصر النيوليبرالي، الذي يعيد تعريف الحكامة لاستبعاد أي شكل من أشكال الرقابة العمومية.

يعبر بروتوكول كيوتو أيضًا عن رؤية نيوليبرالية لتدبير مشكلة المناخ. اختتمت عام 1997 خلال الدورة الثالثة لمؤتمر الاطراف، بأن تلتزم الدول الصناعية 38 ( تحت مبدأ المسؤولية المشتركة و لكن المتباينة) المصادقة على الاتفاق (المسماة بلدان المحور1)(3) بالحد من انبعاثات الغازات الدفيئة قبل 2012 بنسبة 5% مقارنة بمستوى 1990. خلال الليلة الأخيرة من المفاوضات، وتحت ضغط الولايات المتحدة، ضم البروتوكول آليتين للمرونة: سوق أرصدة الكربون، و آلية التنمية النظيفة. من خلال السماح بنقل أرصدة الانبعاثات بين الفاعلين الاقتصاديين، فإن هاتين الآيتين تمكنان الملوثين (حتى اليوم) من تخفيض كمية انبعاثات الغازات الدفيئة منها دون الحد مباشرة من انبعاثاتها.

وبالتالي، تمت تهنئة الاتحاد الأوروبي على تخفيض انبعاثاته بنسبة 23 ٪ في عام 2014 مقارنة بمستوى عام 1990. ولكن هذا الرقم لا يشير إلى انخفاض في القيمة المطلقة لأنه يتضمن في هذا الانخفاض “أرصدة الانبعاثات” الذي تم تحقيقه من خلال “آليات المرونة” التي وضعها الاتحاد الأوروبي.

أول هذه الآليات هو سوق الكربون الأوروبي (أو نظام الاتحاد الأوروبي لتجارة الانبعاثات). يسمح لـ “الملوثين الأوروبيين الرئيسيين” [4] (الدول الأكثر تلويثًا والشركات الخاصة) بشراء حقوقهم في التلوث. وبالتالي فإن الملوثين الرئيسيين يستفيدون من بعض أشكال الإدارة الذاتية لانبعاثاتهم. تحول هذه الآلية أيضًا مشكلة المناخ إلى فرصة استثمارية للأسواق المالية(5)، عن طريق انشاء حق ملكية جديد: الحق في ثلويث الغلاف الجوي(6).

تتعلق الآلية الثانية بالفاعلين الاقتصاديين الذين ليسوا “ملوثين رئيسيين”. لتحقيق أهداف التخفيض التي حددها الاتحاد الأوروبي سنويًا، يمكن لهؤلاء الممثلين استخدام آلية التنمية النظيفة. بفضل هذه الآلية، يمكن لبلد مدرج في المحور الأول أن يحصل على “أرصدة الانبعاثات” إذا قام بتمويل مشروع في بلد غير عضو من المفترض أن يخفض انبعاثات الغازات الدفيئة. لا يزال حساب التخفيضات الفعلية التي حققتها هذه المشاريع محل خلاف كبير. بالإضافة إلى ذلك، فإن المشروعات الممولة يتم مراقبتها بشكل سيء للغاية، كما يتضح من الفضيحة الأخيرة حول مصانع الفحم الممولة في الصين من قبل صناديق التنمية النظيفة الأوروبية.

على الرغم من الاختلالات المؤكدة في البروتوكول، لم يتم توقيع أي اتفاق جديد ليحل محله بعد عام 2012. ولم يقم مؤتمر الأطراف الثامن عشر المنعقد في الدوحة في ديسمبر 2012  الا بتمديد العمل به ببساطة حتى 31 ديسمبر 2020. لن يدخل اتفاق باريس، في حالة تم توقيعه، حيز التنفيذ قبل هذا التاريخ. لم توافق أستراليا وكندا واليابان وروسيا على تجديد توقيعها على البروتوكول ورفضت أي التزام بإجراء تخفيضات قبل عام 2020، تمامًا مثل الولايات المتحدة، التي لم تصادق بعد على بروتوكول عام 1997.

الحركة من أجل العدالة المناخية: تقارب التحديات الاجتماعية وتعدد نطاق التعبئة

عدالة المناخ تنقل أولاً مطالب حركات العدالة البيئية إلى قضية تغير المناخ: “إن صرخة العدالة المناخية، [هي] العدالة البيئية المطبقة على قضية تغير المناخ”، يكتب رونالد ساندلر وفيدرا بيزولو في كتابهما لعام 2007″العدالة البيئية والبيئية”.(7)

تضم الحركات من أجل العدالة البيئية مجموعة متنوعة من تعبئة السكان المحلين التي تعارض بنشاط تطوير الأنشطة الملوثة أو الاستخراجية واستيلاء الشركات الخاصة أو الحكومية على أراضيها أو مواردها. ولدت واحدة من أكثر التعبيرات الرمزية لإدانة هذه العنصرية البيئية في عام 1982 في الولايات المتحدة، في مقاطعة وارن بولاية نورث كارولينا. عارض ثلاثة أرباع السكان الامريكيين ذوي الاصول الافريقية في مقاطعة وارن  دفن 60000 طن من الحمأة الملوثة بثنائي متعدد الكلور من طرف شركة بي سي بي وورد وهي شركة لإعادة التدوير. اليوم، الحركات من أجل العدالة البيئية عديدة في بلدان الجنوب. وغالبًا ما تتبناها مجموعات اجتماعية مهمشة أو منعزلة، مثل بعض المجتمعات الأصلية أو الفلاحية المهددة بتسليع بيئتها.(8)

على مستويات مختلفة ، تحارب حركة العدالة المناخية وحركات العدالة البيئية نفس العناصر الفاعلة وتشترك في نفس الهم لمحاربة التفاوتات الناتجة عن آليات السوق. أول ممثل اجتماعي يستخدم مصطلح “العدالة المناخية” هو “كوربورايت واتش” و هي منظمة غير حكومية في كاليفورنيا، في تقريرها لسنة 1999 بعنوان “كرين هاوس غانغسترز ضد العدالة المناخية”(9) حول البعد العالمي للحركات البيئية. يقدم النضال من أجل العدالة المناخية على أنه تجمع بين نشطاء البيئة الأمريكيين ضد ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة السكان المحليين في الدول الجنوبية ضد استخراج النفط الذي يعرض سبل كسب عيشهم للخطر.(10)

عبر إدانة الطابع النيوليبرالي الواضح لبروتوكول كيوتو، فإن الحركة من أجل العدالة المناخية تعبر بالمثل عن الخطابات المعادية للرأسمالية ومطالب مناهضة العولمة لقضية الاحتباس الحراري.(11) لقد تم بناء الحركة المناهضة للعولمة في التسعينيات لمعارضة السياسات الليبرالية الجديدة التي تروج لها منظمة التجارة العالمية وتعزيز دور المؤسسات المالية في الاقتصاد العالمي. من وجهة النظر هذه، ستكون الحركة من أجل العدالة المناخية “الخطوة التالية في عملية النضال الاجتماعي العالمي (…) [الشركات] منذ 10 سنوات”. (12) على وجه الخصوص، فإن أساليب العمل والبنية النضالية للحركة من أجل العدالة المناخية مستوحاة من حركة مناهضة العولمة. إن القاعدة النضالية غير متجانسة من حيث الجوانب الاجتماعية والأجيال والثقافة، ومثل مناهضة العولمة، فهي “حركة حركات” أو “شبكة شبكات” – ثمرة تجمع مختلف الحركات الاجتماعية مع روابط ممتدة في الزمان والمكان.(13)

تطالب الحركة من أجل العدالة المناخية من ناحية أخرى “محليا عالميا”: إذا كانت ظاهرة الاحتباس الحراري ظاهرة عالمية ، فإن نتائجها يتم محاربتها محليًا. وبالتالي فإن قدرة الحركة على إبراز نفسها على نطاق عالمي تعتمد على تأصيلها المحلي والإقليمي بينما تتأثر المحلية بدورها بالديناميات العالمية.(14) يتواصل أعضائها من خلال “شبكات المعلومات القائمة على المعتقدات المشتركة”.(15) وتجتمع معاً لتشكيل ” تحالفات نقدية … باستخدام أشكال غير تقليدية للمشاركة في معظم الأحيان” (16) يمثل مؤتمر الأطراف بالتالي الفرصة الرئيسية للحركة لنشر استراتيجيات الاحتجاج على نطاق عالمي.(17)

ومع ذلك، فإن دور الشبكات الموجودة في البلد المضيف ضروري لتنظيم التحدي في مؤتمر الأطراف. يعود الفضل في التعبئة في كوبنهاغن في عام 2009 إلى نجاحها في الأعمال التحضيرية لمنتدى المناخ للمجتمع المدني، والذي يجمع 21 منظمة بيئية واجتماعية دانمركية ويدعمه أكثر من 40 منظمة غير حكومية ورابطة دولية. على العكس من ذلك، فإن عدم قدرة الجمعيات المكسيكية على التغلب على خلافاتهم أثر سلبًا على التعبئة في كانكون خلال عام 2010.

تاريخ موجز لميلاد الحركة

تم تنظيم أول مبادرة عالمية لتحدي حوكمة المناخ في عام 2000 من قبل منظمة كوربورايت واتش الامريكية خلال مؤتمر الاطراف السادس في لاهاي و التي التقت بالمنظمات و الجمعيات الاخرى خلال قمة موازية للتنديد بتأثير الشركات و اللوبيات على المفاوضات وراء اعتماد بروتوكول كيوتو. من هذا الاجتماع، ظهر تحالف ريزن تايد الذي شكلته شبكة من مجموعات الأنغلوفون من أمريكا الشمالية وأوروبا (وبصفة رئيسية بريطانية) وأستراليا.

بينما اختفى هذا التحالف العالمي بعد فترة وجيزة من انعقاد الدورة السادسة لمؤتمر الأطراف، أثرت مبادئه السياسية على المبادرات الوطنية في أستراليا وأمريكا الشمالية، بما في ذلك إنشاء المبادرة البيئية للعدالة وتغير المناخ، والتي قدمت الاستشارة و التكوين  للمجتمعات المتأثرة بتغير المناخ(18). يتضح التفاعل بين مستويات التعبئة المختلفة من خلال ولادة حركة العدالة المناخية.

اصبحت التعبئة منظمة بشكل أساسي ولكن ليس فقط خلال مؤتمرات الأطراف المتعاقبة(19)، فقد تميز النصف الأول من العقد الأول من القرن الماضي بتعدد التجمعات والتعبئة والإعلانات.

بمناسبة القمة العالمية للتنمية المستدامة في جوهانسبرغ في عام 2002، التي نظمتها الأمم المتحدة، تم تشكيل تحالف مؤلف من أربعة عشر منظمة منها كورب واتش، أصدقاء الارض الدولية، كرين بيس، اينديجنوز أونفيغونومونتال. اعتمد هذا التحالف المبادئ السبعة للعدالة المناخية التي لخصت بالفعل  المبادئ التوجيهية الرئيسية للحركة: من أجل انتقال ديمقراطي للطاقة، ضد التأثير الاقتصادي والسياسي للشركات متعددة الجنسيات واحترام حقوق الشعوب الأصلية وتثمينها. دعا الإعلان الى اعتماد مبادئ العدالة البيئية التي أعلنت في واشنطن في عام 1991 في قمة قادة العدالة البيئية لذوي اللون كنموذج، معلنا كذلك ارتباطه بالعدالة البيئية.

في نفس السنة تم عقد القمة الثامنة لمؤتمر الاطراف في نيو دلهي، بالهند. كوربواتش الهندية، عضو في التحالف الذي  تشكل خلال قمة جوهانسبرغ للتنمية المستدامة،(20) ثم أخذ زمام المبادرة لتنظيم نوع من العدالة المناخية.  مثلت قمة العدالة المناخية التي عقدت لمدة ثلاثة أيام بالتوازي مع المفاوضات بين الولايات، خطوة حاسمة للحركة، حيث تم إعلان مبدأ العدالة المناخية رسمياً خلال مؤتمر الأطراف، لأول مرة.(21)

في أكتوبر 2004 في ديربان بجنوب إفريقيا، عُقد اجتماع خارج مؤتمرات الخبراء والأكاديميين وممثلي 20 منظمة وحركة اجتماعية من أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا و الولايات المتحدة. كان للتعاون بين الجهات الأكاديمية والجهات الفاعلة الاجتماعية سمة خاصة للحركة منذ نشأتها. من هذا الاجتماع نشأت مجموعة ديربان لشبكة العدالة المناخية. يلخص باتريك بوند، أحد الأعضاء المؤسسين للمجموعة، بهذه الطريقة الموقف الذي تم الإعراب عنه في الإعلان الذي تم تبنيه في نهاية الاجتماع: “[تمثل حلول الأسواق] حلاً خاطئًا لتغير المناخ التي تبعدنا عن التغييرات الجدرية التي علينا القيام بها. حصل الإعلان على تأييد أكثر من 163 منظمة في وقت لاحق.

في بالي، عام 2007، تأسس تحالف العدالة المناخية الآن، خلال قمة مؤتمر الأطراف الثالث عشر. من بين الأعضاء المؤسسين، نجد الحركة الدولية للفلاحين فيا كامبسانيا، يوبيل ساوث، فوكيس أون دو كلوبل ساوث، واصدقاء الارض الدولية. حتى ذلك الحين ، تم تجميع كل ممثلي المجتمع المدني المعتمدين لحضور المفاوضات التي عقدت بموجب الاتفاقية الإطار ضمن شبكة العمل المناخي، التي تضم 950 منظمة غير حكومية من 110 دولة. تم تأسيس التحالف من قبل منظمات غير معتمدة (خارج المفاوضات) ومنظمات منشقة داخل شبكة العمل المناخي. قبل وقت طويل من انشاء العدالة المناخية الآن، هددت الصراعات الداخلية وحدة شبكة العمل المناخي. أعربت بعض المنظمات، بما في ذلك أصدقاء الأرض الدوليون، عن عدم موافقتهم على جدوى الحلول التي تدعمها شبكة العمل المناخي، أي إنشاء سوق الكربون وآليات تعويض الانبعاثات. من ناحية أخرى ، اعتبرت العديد من المنظمات من الجنوب أن اهتماماتها وصعوباتها المتعلقة بقضايا المناخ لم تؤخذ بعين الاعتبار بشكل كاف من قبل شبكة العمل الدولي. ثم استولت الحركات الاجتماعية في جنوب شرق آسيا على مؤتمر بالي للتعبئة حول قضايا التمثيل هذه. وقد تضافرت هذه الجهود من خلال تنظيم قرية التضامن من أجل كوكب بارد، وهي قمة موازية عقدتها الحركات الإندونيسية بالشراكة مع منظمات إقليمية ودولية أخرى.

أول بيان صحفي للعدالة المناخية الآن، صدر في 14 ديسمبر 2007 خلال مؤتمر بالي، لخص مواقفها الرئيسية. ظهر مفهومان رئيسيان: فكرة الدين الإيكولوجي لبلدان الشمال تجاه بلدان الجنوب، والتي تقوم على أساس شرط التحويلات المالية والتكنولوجية المترتبة عليها؛ الحاجة إلى تعزيز حقوق الملكية للمجتمعات الأصلية وتعزيز السيادة الشعبية على الطاقة والغابات والأراضي والمياه، مقابل تسليع الطبيعة، التي يجب أن تظل خدماتها سلعا مشتركة.

 في عام 2009، في مؤتمر الأطراف الخامس عشر في كوبنهاغن، أقرت أمانة الاتفاقية الإطار رسمياً بوجود شبكة العدالة المناخية؛ ومنحته مكانا في المفاوضات. من الآن فصاعدًا، وفي إطار عملية التفاوض، تجتمع المنظمات غير الحكومية والجمعيات من المجتمع المدني اما حول العدالة المناخية الآن أو حول شبكة العدالة المناخية.

الذاكرة المؤلمة لمؤتمر كوبنهاغن

يعتبر منتدى المناخ القمة العالمية البديلة للمناخ في مؤتمر الأطراف المنعقد في كوبنهاغن. من بين الأحداث البارزة، مظاهرة 12 دجنبر التي حشدت أكثر من 50000 شخص المطالبين بالتزام المسؤولين الحكوميين بالتزام مناخي طموح. يعتبر النشطاء مؤتمر الأطراف الخامس عشر باعتباره اللحظة التي سيتم فيها “إنقاذ المناخ”، والاتفاق مثل “الفرصة الأخيرة”. ومع ذلك، فإن اتفاق كوبنهاغن المقترح يخذل هذه الآمال سواء في عملية الصياغة أوفي محتواها.

هذا الاتفاق هو نتيجة مناقشات مغلقة، بالتوازي مع عملية الأمم المتحدة، بين وفود الولايات المتحدة والصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا. وهو يحل محل مبدأ الالتزام الملزم بإجراء تخفيضات طموحة، وهو نهج من القاعدة الى القمة، يضع خفض الانبعاثات على اعلانات النوايا و الالتزام الطوعي لمختلف البلدان “الصناعية” ك ” النامية”.(22)

ألفت الوفود اعتماد قراراتها بتوافق الآراء. لكن في كوبنهاغن، أمام الجبهة التي تشكلها بوليفيا وفنزويلا وكوبا ونيكاراغوا، تحيط جمعية مؤتمر الأطراف فقط علما بالاتفاق المعتمد، الذي يمنع الأطراف من دمجه في عملية رسمية من المفاوضات.

غالبًا ما يتم تذكر عرقلة المفاوضات في قمة منظمة التجارة العالمية عام 1999 في سياتل كواحدة من الانتصارات العظيمة للحركة المناهضة للعولمة، التي تعارض وجود المؤسسة الدولية ذاتها. بعد عشر سنوات، ومع ذلك، فإن هدف حركة العدالة المناخية لا يعرقل المفاوضات، بل تؤيد التوصل إلى اتفاق طموح. على الرغم من التعبئة الشعبية التي لم يسبق لها مثيل والتي هي في الواقع شكل من أشكال الذروة، فإن تجمع كوبنهاجن يعتبر بمثابة فشل.

يشدد إعلان قمة “منتدى المناخ” البديل على أهمية الاستئناف الديمقراطي للمفاوضات. ومع ذلك، فإن خيبة الأمل الشديدة الناجمة عن هذه القمة الأخيرة تؤدي إلى الجمود السريع للحركة. العديد من المناضلين جعلوا مسافة بينهم وبين هذا المنتدى أو يرفضون عملية المفاوضات الرسمية، خاصة في الحركات غير المعتمدة. يلاحظ تاديسيو مولر، العضو السابق في شبكة العمل المناخي و محرر “تيوغبيلونس”، أن فشل قمة كوبنهاغن قادر على اغواء التوقعات الضعيفة بالفعل للحركة الناشئة من أجل العدالة المناخية.

يشهد عام 2011 التشرذم الميكروسكوبي(23) لتحالف” العدالة المناخية الآن”. وقع انشقاق بين المنظمات “المعتمدة” التي تشارك في المفاوضات وغيرها من المنظمات، أدى الى ظهور حركتين.(24)

إذا كان الإعلان الصادر عن مؤتمر الأطراف في بالي عام 2007 قد عمل على صياغة مجموعة مشتركة من المطالب، فإن أعضاء حركة العدالة المناخية لم يتفقوا على مواقف و  سياسات مشتركة. نوقشت فكرة إنشاء أمانة تنسيق في عام 2008 ولكن دون إجماع: لم يتحقق ذلك أبدًا. لا توجد حركة دائمة تعبر عن العالمية و المحلي.(25)

يلخص تعبير باتريك بوند الوضع جيدًا في السنوات التي تلت قمة كوبنهاجن: “الشلل في القمة، الحركة من الأسفل”. توضح إستراتيجيات الحملة التي تبنتها جمعية أصدقاء الأرض فرنسا و 350.ORG في الولايات المتحدة، إعادة تركيز الحركة على النضالات المحلية.

منظمة أصدقاء الأرض الدولية، وهي ثالث أكبر منظمة بيئية غير ربحية في العالم، حاضرة في 77 دولة وتضم مليوني عضو. تأسست في فرنسا عام 1970، وتضم الآن أكثر من ثلاثين مجموعة محلية. خصوصية الرابطة الفرنسية والهيكل الدولي للشبكة هو هيكلها اللامركزي. يتمتع كل كيان وطني ومحلي باستقلالية تسمح له باختيار الحملة (الحملات) للعمل عليها، والتكيف مع السياق المحلي والاهتمامات.

تعلق مليكة بيروت، مديرة الحملة في أي تي فرانس، على التحولات الناجمة عن خيبة الأمل في كوبنهاغن: “لقد شعرنا بخيبة أمل إزاء المفاوضات الدولية ولكن تغير المناخ مستمر. (…) [إنها] أكثر الحركات الشعبية التي تتمتع بالشرعية، (…) يجب علينا تحويل خطابنا، لم نعد نركز على المفاوضات الدولية ولم نعد نتوقع من الحكومات المصادقة على اتفاق يوازي حجم المخاطر، على العكس سنركز على مبادرات المواطنين “.

هكذا، تظاهرت آي تي فرنسا بمعية السلام الأخضر وشبكة العمل المناخي سنة 2010 ضد منح ثلاث تصاريح لاستغلال الغاز الصخري في كل من “مونتيليماغ”، “فيل نوف دو بيغج” و “نانت”. في أكتوبر 2013، وافق المجلس الدستوري على قانون حظر التكسير الهيدروليكي، وهي تقنية تستخدم لاستخراج الغاز الصخري.

بالنسبة ل 350.ORG، هي منظمة اسست سنة 2008 بمبادرة من الاستاذ بيل مكيبن مع طلابه. حددت المنظمة لنفسها على الفور هدف تشكيل شبكة غير رسمية مع المنظمات المناضلة في جميع أنحاء العالم. تم تصدير العلامة 350 بسرعة بينما تمكنت المنظمة في الوقت نفسه من تعزيز وجودها في أمريكا الشمالية. ويوضح ويل بيتس ، أحد مؤسسيها ، أن 350 يتبنى إستراتيجية(26) التوسع من الأسفل إلى الأعلى استجابةً لخيبة الأمل لعام 2009. 350 يركز حملاته على المستويات المحلية والوطنية على أمل ان تسمح هذه الطريقة بالحصول على نتائج أكثر مرضية على نطاق يتجاوز الدولة.

احدى ابرز الحملات ل 350 على المستوى الوطني، هي تلك التي تعارض مشروع خط انابيب “كيستون إكس إل”، والمتوقع ان ينقل البترول من ولاية ألبرتا في كندا حتى خليج الميكسيك.

أشركت ال 350 العديد من السكان الاصليين و كذلك العديد من المنظمات الدولية كالسلام الاخضر. لقد حققت الحملة نجاحا ملفتا، بما انه، ومنذ 6 نونبر، عشية قمة مؤتمر الاطراف 21، رفض باراك أوباما أخيرا المشروع. هذا القرار التاريخي لا يعني أن ديبلوماسية المناخ أصبحت أكثر تقدمية. بعد خمسة أيام(11 نونبر) أعلن وزير الخارجية جون كيري دون مزيد من التشاور أن اتفاقية باريس لن تكون ملزمة قانونا.

نص مفاوضات باريس

تتعامل حركة العدالة المناخية مع مؤتمر الأطراف في باريس بطموحات تختلف اختلافًا جذريًا عن تلك الموجودة في كوبنهاغن. الخطوط العريضة لاتفاقية باريس النهائية معروفة بالفعل، ويبدو أن المشروع الكلي يتناقض مع مبادئ الحركة.

من ناحية، ينص الاتفاق على أن تحدد كل دولة أهدافها الخاصة لتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة. لقد تم بالفعل نقل مقترحات اتفاقية كوبنهاغن لعام 2009 إلى الاتفاق الذي تم التصويت عليه بواسطة مؤتمر الأطراف السادس عشر في عام 2010 في كانكون. ومع ذلك، حتى الآن، لم يتم تحديد الحد الأقصى لارتفاع درجة الحرارة بحلول نهاية القرن، والذي يجب أن يكون بمثابة مرجع للدول لتكييف جهودها لخفض الانبعاثات. يقترح النص الذي تم التفاوض بشأنه في قمة باريس خيارين، إما 1.5 درجة كحد أقصى أو 2 درجة. تمكنت أمانة الاتفاقية الإطار من ملاحظة أنه لن يتم تنفيذ أي من هذين الحدين حتى قبل تلقي جميع الالتزامات الطوعية للأطراف.

بالإضافة إلى ذلك، تظل حلول السوق هي الآليات الرئيسية المتوخاة لتحقيق تخفيضات الانبعاثات. يركز النص على تحسين وتطوير آليات السوق الحالية.

أخيرًا، تظل مسألة المساعدات المالية والتحويلات إلى بلدان الجنوب موضع خلاف. كان تقدم المفاوضات حول هذا الموضوع بطيئًا بشكل خاص خلال عام 2015. ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن بعض الجهات الفاعلة الخاصة ينبغي أن تكون قادرة على المشاركة في هذه العمليات، ولا سيما بنوك التنمية الدولية مثل البنك الدولي. على العكس من ذلك، فإن أشد البلدان فقرا تريد صراحة أن تأتي هذه الأموال حصرا من مصادر عامة.

داخل الحركة، يقول البعض إنهم يفضلون عدم وجود اتفاق في باريس بدلاً من توقيع اتفاق غير ملزم، طموح ضعيف وغير عادل يهدد بتأخير أي إجراء مناخي رئيسي لعقد آخر في الحالة الطارئة للمناخ الآنية. هذا هو حال الباحث جون فوران على سبيل المثال، كشبكة أصدقاء الأرض في أوروبا. يريد بات موني ، الناشط البيئي الكندي والحائز على جائزة نوبل في عام 1985، رؤية “باريس تنتهي مثل سياتل”. تعد تعبئة عام 1999 في سياتل نموذجًا من حيث التعبير عن المحلي والعالمي. كما أنها رمز لاستراتيجية الطعن الجبهي في عملية التفاوض.

الانقسامات حول تحديد المواقع مقابل اتفاقية الأمم المتحدة الاطار بشأن تغير المناخ

ترجع جذور خيبة الأمل في المفاوضات في تجارب مؤتمرات الأطراف السابقة. في عام 2013، على وجه الخصوص، في مؤتمر وارسو، قرر المجتمع المدني برمته ترك المفاوضات للاحتجاج على التأثير الواضح للغاية من جانب جماعات الضغط التجارية على المفاوضات. ان هذا الخروج من طرف كل المنظمات التابعة “للعدالة المناخية الآن” كما كان من طرف منظمات تقليدية كWWF، كان لصالح آليات السوق.

ومع ذلك، فإن المواجهة ضد الاتفاقية الإطار لا تزال موضوعًا مثيرًا للخلاف. بالنسبة لبعض المنظمات، ينبغي لممثلي المجتمع المدني أن يتخلوا عن المفاوضات لأن وجودهم لا يمثل إلا ضمانًا لعملية الأمم المتحدة التي سترتطم بالجدار. بالنسبة للآخرين، لا يمكن للحركة تجاهل اتفاقية الأمم المتحدة الإطار بشأن تغير المناخ باعتبارها الأداة العالمية الوحيدة لمعالجة تغير المناخ. إنهم يخشون أن ترك المفاوضات لا يعني إعطاء شيك على بياض لقطاع السوق.

تعد مؤتمرات الأطراف صلة وصل بين المنظمات المناضلة. مضاعفة هذه النوافذ من الفرص يشكل تحديا للحركة. حركة “أكسيون إيكولوجيكا” في الاكوادور والتي تهدف الى حماية قطاع ال “اي تي تي” لمنتزه ياسوني الوطني من استخراج النفط، على سبيل المثال، كان بمثابة لوحة توجيهية لمطالب الحركة. تهدف الحملة إلى تعويض الإكوادور عن الخسائر المالية التي تكبدها عن عدم استغلال النفط الموجود في المنتزه. انتهت بالفشل في عام 2013 عندما قرر الرئيس الإكوادوري رافائيل كوريا أخيرًا السماح باستغلال النفط في منطقة “اي تي تي”. على الرغم من هذا، فإن هذا الصراع يمثل مصدر إلهام للحركات الاجتماعية الأخرى التي تعارض ياسونيزاكسيونية المناطق المهددة بمشاريع الوقود الأحفوري. على المستوى الوطني، تواصل تعاونية ياسونيدوس معارضة المشروع.

قوة احتجاج تتطور

لقد مكنت العدالة المناخية الآن حركة العدالة المناخية من تمثيلها في اتفاقية الأمم المتحدة الإطار بشأن تغير المناخ. يعد هذا التحالف بمثابة إطار تنظيمي للحركة لمتابعة المفاوضات خلال مؤتمر الاطراف. لكن خارج المؤتمر، لا توجد الا على شكل قائمة. لم يمنع جمود “العدالة المناخية الآن” أسباب تعزيز وجودها العالمي خلال العامين المنصرمين. في الواقع ، فدرجة المشاركة في التعبئة هو الذي يحدد مكونات حركة العدالة المناخية وليس نظام العضوية الرسمي. يتيح هذا الشكل من الهياكل المرنة للحركة دمج العناصر الجديدة بسهولة.

انتقلت بعض المنظمات من الحركة البيئية التقليدية إلى مواقف أكثر تطرفًا. هذا هو الحال بشكل خاص في شبكة العمل المناخي، الفرع الفرنسي لشبكة العمل المناخي، والتي تعبأت جنبًا إلى جنب مع أصدقاء الأرض في مكافحة استكشاف الغاز الصخري.

بالإضافة إلى ذلك ، ظهرت العديد من التحالفات المحلية والوطنية مؤخرًا: تحالف العدالة المناخية في الولايات المتحدة، والنداء العالمي للمرأة من أجل العدالة المناخية والتحالف الأفريقي من أجل العدالة المناخية. ظهرت مجموعات أخرى تشكل جزءًا من الحركة دون الانضمام إلى تحالف العدالة المناخية الآن، مثل 350.ORG “الذي لا غنى عنه”.

تطور منظمة 350.ORG مهم جدا للاتجاهات الحالية للحركة. في البداية، طالبت هذه المنظمة بالعضوية في حركة المناخ (التي ما زالت تطالب بها على موقعها الإلكتروني)

بدلا من حركة العدالة المناخية. هذا التمييز مهم لأن شبكة الفعل من أجل المناخ على سبيل المثال، تسببت مواقفها من بروتوكول كيوتو في انقسام داخلي و انشاء حركة العدالة المناخية الآن، كما تدعي أنها تنتمي الى حركة المناخ. لكن انتشار 350 في بلدان الجنوب (لا سيما في أمريكا اللاتينية وأفريقيا)، حيث قضية العدالة أمر بالغ الأهمية، دفعت المنظمة إلى زيادة الإشارة إلى هذا المبدأ. يوضح هذا الموقف الغامض لـ 350 نفاذية حدود الحركة لتحقيق العدالة المناخية.

ونحن نشهد انتشار المنظمات التي تدعي العدالة المناخية، مع خطر عدم وضوح معنى هذه العبارة. في الواقع، لا تشترك جميع هذه المنظمات في نفس التحليل البنيوي: ف 350 مثلا، لا تنتقد جهرا السياسات الاقتصادية النيوليبرالية.

تضم اليوم “الحملة العالمية للمطالبة بالعدالة المناخية” والتي أنشئت بمبادرة من “أي تي المملكة المتحدة”، أعضاء “العدالة المناخية الآن”، بعد تجزئتها، والذين كانوا يفضلون المزيد من التنسيق داخل الحركة. في باريس، تريد الحركة الاستعاضة عن السلبية الدفاعية ( في مواجهة المفاوضات بين الدول) بمبادرات هجومية ( ملموسة، محلية و مواطنية). على الرغم من القمع الذي يتعرضون له، فإن التعبئة قد تسمح للحركة بالحصول على قدر أكبر من الاستقلالية تجاه مؤتمرات الأطراف.

الرابط الأصلي للمقال

ترجمة : يوسف فاضل

أطاك المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com