بعد أكثر من عام من المظاهرات الأسبوعية، تتواصل الانتفاضة الجزائرية بلا هوادة. وقد أحرزت انتصارات تاريخية، لكن لا يزال أمامها طريق طويل.

تجتاز الجزائر حقبة ثورية. الانتفاضة البادئة في فبراير العام 2019 مستمرة منذ عام وتبدي مقاومة وصمودا.

يوم 22 فبراير 2020، الذكرى الأولى لبزوغ الحراك الشعبي في المشهد السياسي، جدد ملايين الأشخاص إيمانهم بالثورة وعبروا عن إصرارهم على مواصلة النضال بتنظيم مسيرات جماهيرية في مختلف أرجاء البلد. وردا على إعلان الرئيس الحالي، تبون، عن اعتبار تاريخ انطلاق الحراك يوما وطنيا معبرا عن”التفاف الشعب حول جيشه” رفع المتظاهرون/ات شعار:”لم نأت للاحتفال، جئنا لطردكم! “. أكد الشعب مطالبته بدولة مدنية في شعار قوي بات رمزا  معبرا عن الهدف المركزي للانتفاضة، لاسيما منذ مسخرة انتخابات ديسمبر 2019: “تبون رئيس مُزوَّر. فرضه العسكر و ليس له شرعية… الشعب تحرّر وهو من ُيقرّر… نريد دولة مدنية!“.

 انجازات وانتصارات

على امتداد السنة، حقق الحراك الشعبي منجزات كثيرة. فقد أرغم القيادة العسكرية العليا على النأي عن الجماعة الرئاسية، وأقال فعلا بوتفليقة، الرئيس منذ 20 سنة. كما أجهض انتخابات الرئاسة مرتين: أولاهما في أبريل، لما تقدم بوتفليقة من أجل ولاية خامسة، والثانية يوم 4 يوليو التي اعتبرت تجاسرا للحفاظ على هيمنة القيادة العسكرية العليا. وأيا يكن رأينا في الحملة ضد الفساد التي روجها النظام إعلاميا على نطاق عريض- والتي ليس معظمها غير ستار دخان وتصفيات حساب بين مختلف الزمر- يمثل سجن شخصيات أوليغارشية سامية وأفراد شديدي البأس سابقا، منهم وزراء أولون سابقون، ورؤساء مصالح الأمن وشقيق الرئيس المخلوع، نجاحا كبيرا بحد ذاته. ما كان ذلك ليحصل لولا التعبئات الشعبية والنداءات إلى المسؤولية وإنهاء الفساد:” التهمتم البلد.. أيها اللصوص” ، “ستنالون جميعا عقابكم”…  حافظ الحراك رغم كل شيء، ورغم جهود الدولة لتقسيمه ولاحتوائه، على وحدةٍ وسلمٍ نموذجيين. جرت البرهنة على ذلك في مختلف الشعارات من قبيل:” الجزائريون خاوة خاوة، الشعب موحد، وانتم خونة”. ربما تتمثل إحدى اكبر نجاحات الانتفاضة الشعبية في تغيّر الوعي السياسي والإصرار على النضال من أجل تغيير ديمقراطي جذري. لقد اكتشف الناس إرادتهم السياسية، وتبينوا أنهم  يتحكمون بمصيرهم الخاص. أطلقت هذه السيرورة التحررية قدرا لا مثيل له من الطاقة، والثقة بالذات، والإبداع وروح التمرد.

 بعد قضاء عقود في تقليص المجتمع المدني، وإخراس وتذرير المعارضة، لاشك أن استمرار تعزز الحراك بعد أكثر من سنة في الشارع، دون تراجع أو فتور بل بالسير قُدماـ أمر لافت للنظر ومصدر إلهام. نجح الحراك في تفكيك نسيج الخداع الذي بسطته القيادة العسكرية العليا وآلة دعايتها.  وفضلا عن ذلك، يُبين تطور شعاراته، وأناشيده، وأشكال المقاومة، سيرورةَ التسيّس والتثقيف الشعبي.  وخلقت استعادة الفضاءات العامة نوعا من الأغورا حيث يناقش الناس، ويتجادلون، ويتبادلون وجهات النظر حول أمور الإستراتيجية والمنظورات، ويتبادلون النقد ويعبرون ببساطة عن أنفسهم بكيفيات متعددة، حتى بواسطة الفن والموسيقى.  وفتح ذلك آفاق جديدة للمقاومة والبناء سويًّا. وحصل من أعلنوا موت الحراك على دحض مزاعمهم. الحراك قائم ليستمر حتى في زمان الكورونا (ولو بأشكال مختلفة) وأكد عزمه على إجبار النظام على التنازل: “الشعب يريد الاستقلال”، ” إما نحن أو أنتم، لقد اقسمنا أننا لن نتوقف ! “

واكتسى الإنتاج الثقافي دلالة أخرى، لأنه اقترن بالتحرر وبات يُدرك كشكل للفعل السياسي وللتضامن. نرى بالأحرى، بعيدا عن الانتاجات الفولكلورية والعقيمة تحت رعاية خانقة لبعض النخب السلطوية، ثقافة تخاطب الشعب وتدفع مقاومته ونضالاته  قُدما عبر الشعر والموسيقى والمسرح والرسوم الساخرة وفن الشارع.

كما قامت النساء، ولازلن يقمن، بدور حاسم في الانتفاضة كما يدل عليه حضورهن في المسيرات والمظاهرات في كل أرجاء البلد، حتى في المناطق ذات أشد نزعة محافظة. إنهن منخرطات بنشاط في حركة الطلاب التي أفلحت في الحفاظ على مسيرات أيام الثلاثاء لأكثر من سنة.  تعرض بعضهن للقمع وحتى السجن، لكنهن يواصلن إبراز وفائهن التام للنضال. وتبذل بعض المنظمات النسائية قصاراهن لوضع تحرر النساء في مركز هذه الثورة الديمقراطية، ويدل حضور شخصيات ثورية، من قبيل جميلة بوحريد ولويزة إغيل أحريز على أن النضالات من أجل السيادة الشعبية وتحرر النساء مرتبطان وجاريان. وفي اليوم العالمي للنساء في 8 مارس، رفعت نساء الجزائر شعار:”لم نأت للاحتفال، نحن هنا لاقتلاعكم!”

 ليس الحراك مجرد انتفاضة للطبقة الوسطى. فالطبقات الشعبية بالأحياء المهمشة، والشباب العاطل والعمال الفقراء منخرطون جميعا، يسيرون من أجل الحرية ويعبرون أيضا عن استيائهم بوجه إقصائهم الاقتصادي والاجتماعي، وعن غضبهم بوجه سيرورة الإفقار التي يتعرضون لها.  يصرخون:”أنتم أسبابنا”، ما يعني تقريبا:”أنتم مسؤولون عن بؤسنا”. وكان الكثير من الشعارات والأناشيد الشهيرة من إبداع هذه “الشبيبة عديمة الأفق” التي رأت فجأة نورا في نهاية النفق.  لاكازا ديل موراديا ( في إحالة إلى المسلسل التلفزي لا كازا ديل پاپل) نشيد للثورة صاغه محبو كرة القدم وانتقل خارج الملاعب ليشمل الحراك ويشجعه.

 إنها ثورة !

 لم تشهد الجزائر أحداث بهذا القدر من الأهمية منذ استقلالها عن السيطرة الاستعمارية الفرنسية في العام 1962، وهذا ما يجعلها لحظة ثورية وظرفية  مفعمة بطاقة تجذّر وتصعيد للنضال.

قد لا تطابق الثورة الجزائرية المخيال السائد بصدد الثورات، أي ذلك الخاص بالانتفاضات الجماهيرية التي يقوم بها حزب ثوري طليعي يُسقط الأنظمة ويستولي على السلطة، منجزا نوعا من القطيعة مع الماضي ومفضيا حتما إلى إرساء نظام سياسي واقتصادي جديد مع طبقات سائدة مختلفة. الطابع الغالب في هذه الثورات كونها  سيرورات عنيفة مطبوعة بمواجهات دامية مع أجهزة الدولة القمعية، وعبر كفاح مسلّح أحيانا.

وحسب قول لينين:”كي تحدث الثورة، لا يكفي عادة ألا تريد القاعدة بعد الآن أن تعيش كما في السابق، بل ينبغي أيضا ألا تستطيع القمة ذلك”. عند تطبيق هذا على الجزائر، يمكننا أن نعاين أن ذلك بالذات ما يجري:  لم يعد الناس يقبلون الوضع القائم، وتواجه الطبقة السائدة الحالية صعوبة في احتواء الحركة، رغم كل ما لديها من وسائل لتلك الغاية: القمع، العنف المادي، الاعتقالات، السجن، تقليص حرية التنقل، إلغاء حريات وسائل الإعلام، تكتيك التقسيم والسيطرة بالدعاية الحقودة، والحيل الخادعة للإيهام بأن تغيرات تحدث، الخ.

صحيح أن لا وجود حاليا لأي حزب طليعي ثوري ممثل لمصالح العمال الفقراء والجماهير الشعبية، قادر على قيادة الثورة. وصحيح أيضا أن العمال لا يشاركون بنشاط في الثورة بصفتهم عمالا بسبب ضعف الحركة النقابية المستقلة وتشظيها.  وصحيح أن الانتفاضة لم تغير بعد النظام، ولا هي استطاعت خلق قطيعة جذرية مع النظام القديم لأن النخب الأوليغارشية والعسكرية لا تزال في السلطة، لكن مع تغير في تشكيلة الطبقات السائدة. بيد أن الطابع الثوري للحراك الشعبي بارز بجلاء.

تمكن هذا الحراك، خلال السنة المنصرمة، من تخطي العديد من العقبات، وتفادي تقاطبات خطيرة، و أبان عن عبقرية أكيدة في توقع مناورات النظام؛ رادًّا دوما بشعارات وتكتيكات مبدعة جدا، ومتوهجة، وذكية وجذرية.  فمثلا، جعل الشباب تنظيم مرشحي الرئاسة لحملاتهم بمختلف جهات البلد أمرا بالغ الصعوبة، بقطع طريق دخول مدنهم وبإرباك عقد الاجتماعات. وقاطع الناس بنشاط انتخابات 12 ديسمبر بإغلاق بعض مكاتب التصويت في منطقة القبايل وبتنظيم مظاهرات يوم الانتخابات. وعند إعلان النتائج في اليوم التالي، نزل الناس إلى الشارع للتنديد بمسخرة الانتخابات. وبعد إعلان العزم على مناقشة مشروع قانون المحروقات المحابي للشركات العابرة للقارات بالبرلمان في نوفمبر 2019، نزل الناس عفويا إلى الشارع يوم أحد لأول مرة (بداية أسبوع العمل بالجزائر) للاحتجاج أمام البرلمان على محاولات النخب الكومبرادورية لمزيد من نسف سيادة البلد. وجرت ردة فعل شبيهة لما أعلن الرئيس تبون في يناير أن الجزائر ستستغل موردها من الغاز الصخري. رد الناس بقول:”استخرجوا الغاز الصخري في باريس وليس هنا” في إشارة إلى الشركات الفرنسية، مثل طوطال، المهتمة باستغلال مورد الغاز الصخري بالجزائر.

يدرك الجزائريون ما بوسع العسكر أن يفعل، ورغم صدمة العشرية السوداء (الحرب الشنيعة ضد المدنيين في سنوات 90)، يصرّون بشجاعة:”دولة مدنية وليس دولة عسكرية!” وبهذا النحو يتم إظهار النظام الجزائري على حقيقته: ديكتاتورية عسكرية مختفية وراء واجهة “ديمقراطية”.

حراك معادي للاستعمار وشديد الحرص على السيادة

يمكن إذن، تجاوزا للحجج ذات الصبغة الدلالية إلى حد بعيد حول طبيعة الحراك – هل هو انتفاضة أو تمرد أو ثورة؟ – الجزم بيقين أن ما يجري حاليا في الجزائر سيرورة تغييرية غنية بطاقة تحررية. ويمثل تطور الحراك ومطالبه الخاصة بصدد “الاستقلال” و”السيادة” و”وقف نهب موارد البلد” تربة خصبة لنمو الأفكار المعادية للاستعمار وللرأسمالية وللامبريالية، وحتى الأفكار الإيكولوجية، وبوسعهما تمهيد طريق نضال تقدمي بتعبئة القوى الاجتماعية المعنية: العمال (بالقطاعين الرسمي والغير رسمي) والفلاحين والشباب المعطل والجماهير الشعبية، الخ.

 ما يعزز هذا القول هو كون الثورة الجزائرية، على غرار سابقتها في سنوات 50، مناهضة للاستعمار بعمق. إنها خاصية فريدة تميزها بقدر ما عن سائر الانتفاضات بشمال إفريقيا وغرب آسيا، وتستحق بنظري مزيدا من الاهتمام والتحليل. بالنظر للتجربة القاسية لاستعمار استيطاني، قائم على الإبادة والعنصرية، يرى كثيرون أن الجزائريين طوّروا شعور عدالة اجتماعية عميق، دائم الحضور وملحوظ حتى اليوم. يقيم الجزائريون علاقة مباشرة بين نضالهم الحالي والنضال المناهض للاستعمار الفرنسي في سنوات 50 ، ويعتبرون جهودهم استمرارا للقضاء على الاستعمار. إنهم إذ يرفعون شعار “الجنرالات إلى المزبلة والجزائر ستستقل”، يسقطون القناع عن المرويّة الرسمية الجوفاء (بصدد الثورة المجيدة)  ويكشفون أنها استعملتها بلا حياء برجوازية لاوطنية لمواصلة اغتناء شخصي بشكل فاضح.

بهذا النحو، يستعيد الجزائريون تلك المرجعيات الثورية ويؤكدون رغبتهم في تجسيد الورثة الحقيقيين للشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل تحرير البلد.  شهدنا العديد من الشعارات والأناشيد التي التقطت هذه الرغبة مُحيلة على قدماء مناضلي الحرب ضد الاستعمار مثل علي لاپوانت وعميروش وبن مهيدي وعبان.
“أبدا لن يكف من خلفوك يا علي [لاپوانت] حتى ينتزعوا الحرية” و “نحن ذُرية عميروش ولن نتراجع أبدا”، هذه نماذج من الشعارات المعبرة.

 مشاعر معاداة الاستعمار هذه، وتأكيد خلو الاستقلال الرسمي من معنى دون سيادة شعبية ووطنية، أمران يُعاد تأكيدهما بمناهضة صارمة  لكل تدخل أجنبي ولكل تدخل امبريالي. وينطبق ذلك على القوى الغربية وعلى روسيا والصين  والإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية، الخ. ما يعني أن الحراك الجزائري حركة مناهضة للنظام وللاستعمار على السواء.

 تحديات الحراك 

 على غرار كل ثورة، تحتشد القوى المضادة للثورة كي تحرفها عن سكتها، أو تسحقها أو تحتويها. ويجري هذا على مستويات عدة، سياسية واقتصادية ومادية ودلالية، محلية وإقليمية. ويتيح نص إبراهيم روابح  تقريرا مفصلا عن كيفية تجلي الثورة المضادة في الجزائر. بيد أنه ينبغي تأكيد بعض النقط هنا.

حقب الثورات والانتفاضات قد تكون أيضا حقب تعزيز السياسات الاقتصادية المعادية للشعوب، حيث يُمنح مزيد من التنازلات للمستثمرين الأجانب. وفي هذا الصّدد، يجدر القول أنّ قانون مالية العام 2020 وقانون المحروقات الجديد بليغان جدّا. يقضي قانون مالية 2020 بإعادة فتح الباب للاقتراض الدولي ولفرض تدابير تقشف قاسية بإلغاء مختلف الإعانات وخفض الإنفاق العمومي.  فبإسم تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ينصّ على إعفاء الشركات متعددة الاستيطان من التعريفات والرسوم وزيادة حصّتها في الاقتصاد الوطني بإبطال قاعدة الاستثمار 51/49 التي تحد الاستثمار الأجنبي في كل مشروع بنسبة 49%، متمادية في نسف السيادة الوطنية.

 أما قانون المحروقات الجديد، ساري المفعول في يناير العام 2020، فلم يتردد وزير الطاقة السابق في التصريح في أكتوبر الأخير بأن  المشروع صيغ  بعد “مفاوضات مباشرة مع رواد البترول الخمسة”.  هذا القانون محابي للشركات متعددة الاستيطان، وسيتيح لعمالق البترول الحصول على امتيازات طويلة الأمد، وترحيل المداخيل، والتحرر من مسؤولياتها الجبائية ومن نقل التكنولوجيا. ويمثّل تعيين وزير طاقة جديد أسهم في وضع هذا القانون إشارة إيجابية أخرى لصالح الشركات متعددة الاستيطان. فضلا عن الحوافز والامتيازات المنوه بها، يمهّد قانون المحروقات الجديد طريق مشاريع مدمرة مثل استغلال الغاز الصخري في الصحراء والموارد في البحر الأبيض المتوسط.

 لا يتأتى فهم تام للوضع السياسي في الجزائر دون فحص التأثيرات والتدخلات الأجنبية، ودون إلمام بالمسألة الاقتصادية من زاوية الاستحواذ على الموارد الطبيعية، والنزعة الاستعمارية الجديدة في مجال الطاقة وكذلك خصوصيات النظام الاستخراجي. يشمل هذا التنازلات الضخمة للشركات متعددة الاستيطان والضغوط الصادرة عن الخارج من أجل إضفاء ليبرالية متقدمة بقصد إلغاء كل القيود بوجه رأس المال الأجنبي ودمج الجزائر كليا في الاقتصاد العالمي من موقع خاضع تماما. وفي هذا السياق يتعين النظر إلى الزيارة الحديثة لفريق من صندوق النقد الدولي إلى الجزائر.

ليست الحملة المضادة للثورة الجارية حاليا بالجزائر محلية وحسب، بل يشارك فيها جملة فاعلين إقليميين ودوليين من دول وشركات: على صعيد إقليمي، ثمة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر التي تنخرط في الثورة المضادة مستعملة مالها وتأثيرها لوقف وسحق موجة التمرد المنذرة بانتشار عدواها في المنطقة. ومعروف أن القيادة العسكرية العليا (قيادة الأركان) تقيم علاقات جيدة جدا مع  الإماراتيين. وقد انتقد الحراك الشعبي بحدة رئيس القيادة العسكرية العليا المتوفى، قايد صالح، لتلقّيه أوامر من الإمارات العربية المتحدة بشعار: “قايد صالح عميل الإمارات”.  وقد قام خلفه الجنرال شنقريحة لزيارة للبلد في متم شهر فبراير وتمت دعوته إلى معارض أسلحة عديدة.

ومما له دلالة أيضا أن الرئيس تبون اختار المملكة السعودية وجهةً أولى لزيارته كرئيس بعد انتخابه. أما مصر، فتواطؤها مع النظام الجزائري جلي. فأول زيارة للسيسي بعد الانقلاب كانت إلى الجزائر في يونيو العام 2014، بقصد التداول في شأن التنسيق في مجالي الأمن والطاقة. وإلى جانب السعوديين والإماراتيين، رد المصريون الجميل بواسطة مجموعات ترول trolls بالانترنت وحملات تضليل إعلامي بقصد إفقاد الاعتباروالشّرعية للحراك الجزائري. وعلى صعيد عالمي، تواطأت القوى الغربية، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا، وكذا شركاتها الكبرى، مع النظام الجزائري، وساندته ولا تريد أي تهديد لمصالحها الاقتصادية والجيوستراتيجية.

 يُضاف إلى هذا الوضعُ القائم في ليبيا المجاورة، حيث تدور رحى حرب بالوكالة بين فاعلين كُثر: فرنسا، إيطاليا، المملكة السعودية، الإمارات العربية المتحدة، مصر، تركيا، روسياـ السودان، الأردن…  ما يجري هناك مقلق جدا للسيرورة الثورية بالجزائر وغيرها:  لن يزعزع تصعيد حربي المنطقة برمتها وحسب، بل سيكبح الحراك الشعبي بالجزائر.

 ويتمثل تحديٌّ آخر بوجه الحراك في احتمال انقسامات جديدة يجب تفاديها مطلقا.  تمكّن الحراك من تخطّي الانقسامات التي رعاها النظام طيلة عقود. فقد شهدنا كيف كان الناس يرفعون شعار:”عرب وقبايل، كلهم إخوة!” ردّا على محاولات إذكاء نيران الشقاق بحفز حملة حقد ضد القبايليين، وبمنع رفع العلم الأمازيغي الثقافي.  يجب أن يبدي حراك الجزائر مرة أخرى نفس رفض التقاطب القديم بين” إسلاميين وعلمانيين” الذي يميل الاستئصاليون إلى فرضه، هؤلاء “العلمانيون” و “الديمقراطيون” الذين اصطفوا إلى جانب النظام العسكري القاتل في حملته لاستئصال كل “الإسلاميين” والمتعاطفين معهم في سنوات 90 بعد الانقلاب العسكري.

أولا، ليس كل الإسلاميين سواء، ولا يدْعون كلهم إلى العنف. فقد تعلم بعضهم من أخطاء الماضي، وتطور نحو قبول المبادئ الديمقراطية مثل حالة حركة النهضة في تونس.  ولم يتورط بعضهم قط  في العلاقات مع النظام القائم. يبدو أن رافضي التزحزح عن موقفهم هم الاستئصاليون “الديمقراطيون” الميالون إلى أن يكونوا تلك النخب المُستعمَرة الفرانكفونية التي استبطنت تصورا للعلمانية معاديا للدين (كاره للإسلام حاليا)، والذين يجب عليهم الاعتراف بارتكابهم خطأ جسيما بالاصطفاف إلى جانب العسكر في تلك الحقبة.  إن السياق الراهن لقبول الآخر، حيث الناس يقاومون ويناضلون سويّا- أيّا كان وسطهم الاجتماعي وإيديولوجيتهم- هو فضاء حيث يجب تجاوز ذلك الطراز من التقاطبات التي تقسم الصف.  وقد جرت البرهنة على ذلك مرة أخرى بشعار وجيه:”ليس الإسلاميون وليس العلمانيون، بل العصابة هي التي تسرقنا علانية”.

في غياب قوى سياسية ذات هيمنة قادرة على قيادة الحراك وتحويل مطالبها إلى مشروع سياسي واقتصادي متماسك، يغدو جوهريا  بالنسبة لكل القوى المعارضة، إسلامية وعلمانية، يمينية ويسارية، أن تخلق جبهة تكتيكية عريضة لتغيير ميزان القوى في الميدان، بشكل بارز، لصالح الحراك الشعبي وإرغام النظام العسكري على التفاوض والتنازل. هذا درس يمكن للانتفاضة الجزائرية تعلمه من نظيرتها السودانية.  إن الفراغ الناتج عن عقود من القمع السياسي، وعن تجزيء الفاعلين السياسيين واستقطابهم، يتيح للنظام مواصلة اتخاذ المبادرات وحتى خلق بعض الوقائع في الميدان. يجب تجاوز هذا بالالتفاف حول كتلة معارضة موحدة تتقدم بخارطة طريق بديلة ذات صبغة انتقالية.

 ويجب أن يكون شرط الانضمام إلى هكذا جبهة/تحالف الإيمانُ بانتقال ديمقراطي حقيقي كفيل لفتح إمكانات تغيير جذري. ومن نافلة القول إن من واجب القوى التقدمية والوطنية الحفاظ على استقلالها ومواصلة النضال على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي ضد الليبراليين بتنويعاتهم العلمانية والإسلامية، وضد كل القوى المحافظة الحاملة مشروعا اجتماعيا رجعيا.  يجب على النخب السياسية أن ترفع التحدي وتتحمل مسؤوليتها التاريخية.

الاستعداد للنضال المديد القادم

بدأت الانتفاضة الجزائرية سنتها الثانية، ورغم المصاعب والتحديات الهائلة بما فيها جائحة فيروس كورونا، يتواصل الحراك ولو بطرق مختلفة. يجب اعتبار هذه الذكرى السنوية الأولى ليس فقط لحظة احتفال بل أيضا لحظة تفكير جماعي وتعلم من منجزاته وكذا من أوجه النقص فيه ومن أخطائه.  إننا في وضع توازن نسبي في ميزان القوى بالميدان. إذ لم يتمكن الحراك من إسقاط النظام، ولم يتمكن هذا الأخير من إنهاك الحراك. الجزائريون المحتشدون في الحراك لازالوا يرفضون الواجهة الديمقراطية للديكتاتورية.

لن يتنازل النظام بسهولة. ولهذا السبب، يجب تغيير توازن القوى بكيفية دالة لصالح الجماهير بمواصلة المقاومة (إضرابات عامة، وتحركات عصيان مدني أخرى تأخذ بالحسبان الأزمة الصحية الراهنة) لإرغام النظام على التنازل لمطالب الشعب. يجب أن يحقق الحراك مكاسب وانتصارات أخرى كي يتوطد ويجب أن يتم هذا عبر:

  • هيكلة الحراك في القاعدة بحفز وتشجيع التنظيم الذاتي المحلي في أماكن العمل، وعبر لجان أحياء، ومتحدات طلابية ونسائية، وتمثيليات محلية مستقلة، وفتح مزيد من فضاءات النقاش والجدال والتفكير لبلوغ أرضية صلبة أو برنامج متماسك. سيطبع هذا الدينامية في الأمد المتوسط والبعيد ومن شأنه فرض وضع ازدواجية سلطة.
  • التأكيد على الحريات الفردية والجماعية (التعبير والتنظيم)، والقيام بحملة لا هوادة فيها من أجل إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين.
  • أخيرا، مزاوجة العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مع المتطلبات الديمقراطية. هذا لأن استمرار الجزائر على نهج الليبرالية والخصخصة سيؤدي- ولا شك – إلى مزيد من التفجرات الاجتماعية، إذ لا يمكن بلوغ إجماع اجتماعي طالما استمر الإفقار والبطالة وعدم المساواة المترتبة عن هذا النهج. وقد يدق الانهيار الأخير لأسعار البترول آخر مسمار في نعش نظام ريعي تتوقف استمراريته على صادرات البترول والغاز.

في هذا السياق يتوجب على الجزائريين ألا يحفروا قبرهم بوقف ثورتهم في منتصف الطريق.  سيكون النضال من أجل إضفاء الديمقراطية طويلا، ويجب أن يستمر بأشكال مختلفة. لنأمل أن يأتي العام 2020 بمزيد من  الانتصارات لحراك الشعب الجزائري.

بقلم: حمزة حموشان