يقوم الاتحاد الأفريقي بإضفاء آخر اللمسات على مشروع بروتوكول بشأن حقوق الملكية الفكرية ضمن معاهدة التبادل الحر القارية الأفريقية (ZLECAf). وسيغدو هذا النص، فور المصادقة عليه، ركنا أساسيا من أركان هذه المعاهدة، يُنفذ في البلدان الأربعة والخمسين الأعضاء. وسيُطبق على صنوف الملكية الفكرية، حتى الأنواع النباتية والموارد الجينية والمعارف التقليدية. ويروم، بنحو خاص، تشجيع سياسية سُميت «متماسكة” في مضمار حقوق الملكية الفكرية ومنظومة “متناغمة” لتطبيقها في القارة برمتها (البند2.2.)

بما أن حقوق الملكية الفكرية تؤدي إلى خصخصة التنوع الأحيائي الزراعي، الذي يمثل موروثا جماعيا وحجر ناصية السيادة الغذائية، لابد من تحليل مستتبعات هذا البرتوكول على البذور وكذا على حقوق الفلاحين وجماعات السكان القروية في أفريقيا.

ففي كل مكان بالعالم تقريبا، تفرض معاهدات التبادل الحر خصخصة البذور، سواء عبر براءات الاختراع أو عبر حقوق حماية الأصناف النباتية. تتيح هذه الحقوق للمنشآت المنتجة للبذور مطالبة المزارعين مستعملي بذورها بأداء حقوق، جيلا بعد جيل، مدة 20 أو 30 سنة. وترى شركات البذور-من قبيل سانجينتا Syngenta و باير Bayer ، أنها لن تستطيع الاستثمار في البحث بدون ذلك الأداء.

والآن، ها هو هذا النظام يسير بخطى كبيرة في أفريقيا، حيث قد يقلب العلاقات بين المواطنين ودولة معينة، وحتى بين الدول ذاتها.

المسألة متناولة في البند 8 من مشروع البروتوكول. إذ يُجبر الدول على حماية الأصناف النباتية الجديدة بواسطة منظومة قانونية تتضمن حقوق المزارعين، وحائزي حقوق حماية الأصناف النباتية، وقواعد الإفادة من التنوع الأحيائي وتقاسم المزايا الناجمة عنها، “بحسب مدى الملاءمة” ( في الصيغة الإنجليزية لمشروع البروتوكول).

وتضيف المادة وجوب تكيف الدول مع “التزامات إضافية” مفصلة في ملحق سيُصاغ بعد المصادقة على البروتوكول. وفور المصادقة عليه، سيكون لهذا الملحق، على غرار الملحقات الخاصة بالمعارف التقليدية وبالموارد الجينية، نفس القيمة القانونية التي للبروتوكول (بند 41 من البروتوكول).

يسترشد تحليلنا لهذه المقتضيات بالأسئلة التالية: ماذا يعني هذا البروتوكول بالنسبة للبلدان الأفريقية؟ وكيف ستطبقه؟ وماذا سيكون أثره على الفلاحين وعلى السيادة الغذائية في أفريقيا؟

دلالة البروتوكول

بات نصفُ البلدان الأفريقية، بحفز من منظمة التجارة العالمية، وبضغط من هيئات أخرى، متوفرا على منظومة حقوق ملكية فكرية على البذور. وتحاكي الأغلبية الساحقة نموذج معاهدة 1991 الصادرة عن الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة (UPOV) (انظر الرسم البياني).

تُثير هذه المنظومة نقدا عميقا لأنها تشجع تجانس الزراعات الجيني، وتمنع إعادة استعمال الفلاحين للبذور. ويتمثل السؤال حاليا في معرفة ما إن كانت معاهدة التبادل الحر القارية الأفريقية ستُعيد النظر في هذه المنظومة السائدة. يدفع نص المشروع النهائي إلى اعتقاد أن الجواب بالنفي.

فبالرغم من الاحالات المعسولة إلى حقوق المزارعين وإلى تقاسم المنافع، يستلزم البروتوكول نفس ما تتطلبه منظمة التجارة العالمية، أي أن تضع الدول منظومة حماية الأصناف النباتية. وبالنظر إلى اصطفاف نصف البلدان الأفريقية مع نموذج الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة، من المرجح جدا أن يعزز بروتوكول معادة التبادل الحر الأفريقية هذا الميل ببساطة وحتى أن يحفزه بقوة.

إن مقاربة البروتوكول، القائمة على الاعتراف بحقوق حماية الأصناف النباتية الجديدة إلى جانب حقوق المزارعين، وكذا على القواعد الخاصة بالنفاذ إلى الموارد الجينية، عبارة عن فخ. لأنه يفقد كامل مطابقته بإشارة “حسب مدى الملاءمة”. فبهذا النحو، يصبح المقتضى ضربا من التوجيه الذي يتيح للدول حرية أن تنظم على ترابها تطبيق هذا البند كما تشاء.

وسيجري هذا، حتما، بكيفية مطابقة لالتزاماتها القائمة في هذا المضمار، سواء كانت صادرة عن منظمة التجارة العالمية أو عن المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية او المنظمة الإقليمية الأفريقية للملكية الفكرية. وهذا “الأمر الواقع”، حيث بات نصف الدول مرتبطا، بهذه الدرجة او تلك، بالاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة يجعل كل زيغ عن الوضع القائم أمرا صعبا وحتى مستحيلا.

الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة ضد الجميع

هذا لأن الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة لا يقبل حقوق الفلاحين، سواء المترتبة عن المعاهدة الدولية حول البذور، الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة، أو عن إعلان الأمم المتحدة؛ إنهما في تعارض مباشر. ويرفض الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة دمج قواعد النفاذ إلى الموارد وتقاسم المنافع، كما جاءت في معاهدة منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة. ولن ترى تلك العناصر الأخرى النور لأنها “لا تناسب” الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة.

ويتخذ الخلاف نطاقا أبعد، حيث أن البندين 18 و20 من بروتوكول منطقة التبادل الحر الافريقية يُلزمان الدول بمطالبة حائزي ذوي حقوق حماية الأصناف النباتية الجديدة باحترام ثلاثة شروط قبل منحهم الحق على صنف جديد. وهذه الشروط الثلاثة هي: أ-التصريح بمصدر المعارف التقليدية أو الموارد المستعملة في استنباط الصنف الجديد، ب-الإدلاء بحجة الموافقة المسبقة، الحرة والمتبصرة من قبل السلطات المختصة إن كان للبلد المَصْدَر قانون في المضمار. ج-الإدلاء بحجة تقاسم عادل ومنصف للمزايا المستمدة من استعمال تلك الموارد أو المعارف في إطار النظام الوطني المطبق [1]. والحال أن هذه الشروط لا تطابق قواعد الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة. فما العمل والحالة هذه؟

من المرجح جدا أن تواصل الدول الأفريقية المتقيدة بالاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة تَقَيُّدَها هذا، حتى إن كانت لا تجني منه شيئا ذا شأن. ويمكن للدولة الراغبة في السير أبعد، بتطبيق هذه الشروط الإضافية، أن تفعل ذلك. لكن ليس بيِّناً كيف ستُغير الحكومات شروط منح حقوق حماية الأصناف النباتية الجديدة في البلدان المرتبطة بالاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة. قد تظل مقتضيات البروتوكول، في هذه البلدان، حبرا على ورق.

ولا يتضح كيف يمكن لمشروع البروتوكول أن يحقق هدف تشجيع تماسك وانسجام قواعد ومبادئ حق الملكية الفكرية في أفريقيا إذا حافظت كل بلدان منطقة التبادل الحر الافريقية على حرية تطبيق مقتضيات البروتوكول. ربما ستتيح الملحقات، التي لا تزال قيد التفاوض، معرفة المزيد بهذا الصدد.

صراع بين نماذج إنتاج

جاء مشروع بروتوكول منطقة التبادل الحر الأفريقية في لحظة حاسمة في أفريقيا. فالقارة منقسمة شطرين فيما يخص رؤى مستقبل الزراعة في أفريقيا ودور الفلاحين. فثمة من يتبنى ويدعو إلى رؤية تُبوأ الصناعة الزراعية، بتشارك مع صغار المنتجين أو بدونه، القيادة. وثمة من يسعون إلى تعزيز زراعة عائلية، فلاحية، مستقلة وايكولوجية. يقوم هاذان المشروعان، المتعارضان، على منظومات بذور-ومسائل حقوق-مختلفة كليا.

يثير النظام الصناعي الذي يشجعه الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة اعتراضا شديدا في العديد من البلدان. نرى ذلك في دولة بنين، حيث تعارض منظمات الفلاحين مقترح الحكومة بالانضمام إلى الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة. وكذلك في كينيا وغانا، حيث تجري المساطر القانونية لتغيير قوانين حماية الأصناف النباتية المستندة إلى الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة أو لإعلان تعارضها مع الدستور. كما نشهد ذلك في أفريقيا جنوب الغابة الاستوائية، حيث أدت حملةٌ لمقاومة التكيف مع الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة، بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر على الزراعة الأسرية في المنطقة، إلى إبطاء مشروع المنظمة الإقليمية الافريقية للملكية الفكرية APIRO. ونراه أيضا في تونس وفي مالي، حيث تدعو المجتمعات المدنية الى مقاربة مغايرة كليا بشأن قوانين البذور، انطلاقا من طلبات ومعايير جماعات السكان الفلاحين ذاتها. ونراه في مختلف المبادرات و القوافل التي تنظمها جماعات السكان المحلية بتحالف مع آخرين للمطالبة، سواء لدى السلطات المحلية أو الرأي العام، بالتخلي عن الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة وبالاحترام الأساسي لحقوق الفلاحين.

إن لهذا الصراع بين منظومات إنتاج زراعية وأنظمة حقوق ما يوازيه في مجال الإنتاج الحيواني. فقد منحت حكومة بوركينا فاسو نفسها مؤخرا حقا حصريا في تعبير “دجاج دراجة هوائية”. إنها علامة مسجلة وتنطبق على الدجاج الحي، وعلى لحم الدجاج وعلى منتجات بيطرية موجهة للدجاج. وهذا الحق الحصري له صلاحية في البلدان السبعة عشر الأعضاء في المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية لفترة 10 سنوات. والحال أن تعبير “دجاج دراجة هوائية” مستعمل عبر أفريقيا الغربية والوسطى منذ أمد طويل للدلالة على الدجاج من الصنف المحلي، أي على أنسال فلاحية. يتعلق الأمر إذن بميراث جماعي، هو فضلا عن ذلك في صميم مشاريع زراعية ايكولوجية عديدة. لا بل أقدمت دولة بِنين على منع بيع لحم الدجاج المُجَمَّد، المسمى “دجاجَ مستودعِ جثت”، على ترابها بقصد تشجيع انتاج طبيعي، أي دجاج دراجة هوائية “الخاص بها”. هل ستمارس دولة بوركينا فاسو حقها في النقض أو الاحتكار ضد هذه السياسة؟ إن بروتوكول منظمة التبادل الحر الافريقية ذاته يشجع هذه المقاربة.

يجب، بوجه أداة الخصخصة الجديدة هذه، الاعتراض بمقاومة مواطنية على صعيد أفريقي جامع. ليس مقبولا منح حقوق احتكار ممتلكات مشتركة في خدمة الإنسانية، متمثلة في البذور، للمنتقين الذين لا يُدخلون عليها سوى بعد التعديلات الطفيفة ويتملكونها. كما لا يُقبل أن يستحوذ فاعلون، دولة او خواص، عبر حقوق ملكية فكرية أخرى، على رمز هوية ثقافية قوي على صعيد قرابة قارة برمتها. إنها عمليات استحواذ يجب منعها بما هي كذلك.

[1] جرى وضع هذه العناصر، من الناحية التاريخية، بإشراف منظمة الأمم المتحدة، من قبل البلدان المسماة نامية بقصد تصحيح ظلم “القرصنة البيولوجية” لمواردها ومعارفها من قبل باحثي البلدان المصنعة. ومن السخرية أن تستعملها البلدان الأفريقية ضد نفسها في إطار منطقة التبادل الحر الأفريقية. وقد يؤدي هذا حتى الى كبح تطور البحث العمومي وبزوغ مقاولات بذور صغيرة قائمة على الزراعة الايكولوجية، لأن الأمر الزامي جدا وهذه الموارد والمعارف لا تقف بالضرورة ضمن الحدود الوطنية.

الرابط الاصلي للمقالة