الفصل السادس من كتاب: البنك العالمي تاريخ نقدي لإريك توسان

بعد الحرب العالمية الثانية، تباعدت السياسات المتبعة عن تلك الخاصة بالقوى الاستعمارية السابقة في عدد متزايد من بلدان العالم الثالث. وواجه هذا التوجه معارضة قوية من حكومات الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى ذات التأثير الحاسم على البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. لقد كان لمشاريع البنك العالمي مضمون سياسي قوي: احتواء تطور الحركات التي تتحدى هيمنة القوى الرأسمالية الكبرى. يتم التحايل بصورة منهجية على الحظر المفروض بأخذ الاعتبارات “السياسية” و “غير الاقتصادية” بالاعتبار في عمليات البنك العالمي، وهو أحد أهم أحكام ميثاقه. ويتجلى التحيز السياسي لمؤسسات بريتون وودز في دعمها المالي للدكتاتوريات في شيلي والبرازيل ونيكاراغوا والكونغو – كينشاسا ورومانيا.

الحركات المناهضة للاستعمار والمناهضة للإمبريالية في العالم الثالث

لقد انتشرت روح مؤتمر باندونغ (اندونيسيا)[1] عبر معظم أنحاء الكوكب بعد عام 1955. وجاء ذلك عقب الهزيمة الفرنسية في فيتنام (1954) وسابقا لتأميم عبد الناصر قناة السويس (1956). ثم جاءت الثورات الكوبية (1959) والجزائرية (1954-1962) وتجدَّد نضال التحرر الفيتنامي… وابتعدت، في عدد متزايد من بلدان العالم الثالث، السياسات المنفذة عن تلك التي نهجتها القوى الاستعمارية السابقة. مع تسجيل ميل لإحلال الواردات وتطوير سياسات متجهة للسوق الداخلية. وواجه هذا النهج معارضة حازمة من حكومات الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى ذات التأثير الحاسم على البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. لقد ظهرت على الساحة موجة من الأنظمة القومية البورجوازية المنفِّذة لسياسات شعبية (ناصر في مصر، ونهرو في الهند، وبيرون في الأرجنتين، وغولارت في البرازيل، وسوكارنو في إندونيسيا، ونكروما في غانا…) ومن الأنظمة ذات توجه اشتراكي صريح (كوبا، والصين الشعبية).

في هذا السياق، كانت مشاريع البنك العالمي بمضامين سياسيًة قوية: إحباط تطور الحركات التي تتحدى هيمنة القوى الرأسمالية الكبرى.

سلطة تدخل البنك العالمي في الاقتصادات الوطنية

منذ سنوات 1950، أرسى البنك العالمي شبكة تأثير ستَخدُمه بشكل كبير في السنوات اللاحقة. لقد سعى إلى خلق الطلب على خدماته بالعالم الثالث. إن التأثير الذي يتمتع به حاليا نتيجة بشكل كبير لشبكات الوكالات التي أنشأها في الدول التي أصبحت ضمن زبائنه، ومن خلال ذلك، دولا مدينة له. ويمارس البنك سياسة تأثير حقيقية لدعم شبكة قروضه.

ومن خمسينيات القرن العشرين فصاعدا، كان أحد الأهداف الرئيسية لسياسة البنك العالمي “بناء مؤسسات” تأخذ غالبا شكل خلق وكالات شبه حكومية داخل البلدان الزبونة للبنك[2]. تم تأسيس هذه الوكالات عمدا ككيانات مستقلة مالياً نسبياً عن حكوماتها وخارج سيطرة المؤسسات السياسية المحلية، بما في ذلك البرلمانات الوطنية. إنها تشكل مراكز طبيعية للبنك العالمي الذي تدين له بالكثير، بدءا بوجودها، وحتى في بعض الحالات تمويلها.

كان إنشاء مثل هذه الوكالات أحد الاستراتيجيات الأساسية للبنك العالمي كي يحصل على موطئ قدم في الاقتصادات السياسية لبلدان العالم الثالث.

تعمل هذه الوكالات وفقًا لقواعدها الخاصة (والتي تمت بلورتها غالبا على أساس اقتراحات البنك العالمي) وهي مدججة بتكنوقراط متعاطفين مدفوعين ومدعومين من البنك العالمي، وتستخدم لخلق مصدر مستقر وجدير بالثقة لاحتياجات البنك العالمي: مقترحات قروض “موثوقة”. كما توفر للبنك قواعد سلطة موازية تمكن عبرها من تحويل الاقتصادات الوطنية، ومجتمعات بأكملها في الواقع، متجنبا عناء التحكم الديمقراطي والنقاشات المتعارضة.

وفي عام 1956، أسس البنك العالمي معهد التنمية الاقتصادية[3] بدعم كبير من مؤسسة فورد ومؤسسة روكفيلر. وقدم المعهد دورات تدريبية مدتها ستة أشهر لمندوبين رسميين من الدول الأعضاء. “بين عامي 1956 و1971، مر أكثر من 1300 مندوب رسمي بالمعهد، وقد وصل بالفعل عدد منهم إلى منصب رئيس الوزراء أو وزير التخطيط أو المالية”[4].

وكان لهذه السياسة آثار مقلقة: خلصت دراسة المركز القانوني الدولي في نيويورك حول سياسة البنك العالمي بكولومبيا من عام 1949 إلى عام 1972 إلى أن الوكالات المستقلة التي أسسها البنك العالمي كان لها تأثير عميق على البنية السياسية والتنمية الاجتماعية في المنطقة بأكملها مقوضة “نظام الأحزاب السياسية ومقلصة دور المؤسسات التشريعية والقضائية”.

يمكن اعتبار أنه منذ ستينيات القرن الماضي، وجد البنك العالمي بالتأكيد وسائل فريدة ومبتكرة للتدخل المستمر في الشؤون الداخلية للبلدان المقترضة. ومع ذلك، ينكر البنك العالمي بشدة كون ذلك التدخل سياسيا. ويصر بالمقابل على أن سياسته لا علاقة لها بهياكل السلطة وأن الشؤون السياسية والاقتصادية مجالان منفصلان.

سياسة إقراض البنك العالمي متأثرة باعتبارات سياسية وجيوسراتيجية

تنص المادة الرابعة من الفصل العاشر على ما يلي: “لا يجوز للبنك العالمي ولموظفيه التدخل في الشؤون السياسية لأي عضو، ومحظور عليهم التأثر في قراراتهم بالطابع السياسي للعضو أو الأعضاء المعنيين. فقط اعتبارات اقتصادية يمكنها التأثير بقراراتهم، وتوزن هذه الاعتبارات بنزاهة من أجل تحقيق الأهداف (التي حددها البنك العالمي) المنصوص عليها في المادة الأولى”.

ومع ذلك، فقد تحايل البنك العالمي منهجيا على حظر الأخذ بالاعتبارات “السياسية” و “غير الاقتصادية” في عملياته، الذي يعد أحد الشروط الأساسية لميثاقه. وهذا منذ نشأته. وكما ذكر بالفصل السابق، رفض البنك العالمي إقراض فرنسا ما بعد التحرير طالما كان هناك شيوعيون في الحكومة (ومباشرة بعد خروجهم من الحكومة في مايو 1947، تم منح القرض الذي كانت فرنسا قد طلبته، وتم حظره حتى ذلك الحين).

وقد انتهك البنك العالمي مراراً وتكراراً المادة الرابعة من نظامه الأساسي. في الحقيقة، يتخذ البنك العالمي بانتظام خيارات بناء على اعتبارات سياسية. إن جودة السياسات الاقتصادية المنتهجة ليست العنصر الحاسم في اختياراته. وكثيرا ما أقرض البنك العالمي الأموال لسلطات بلد معين على الرغم من النوعية السيئة لسياساته الاقتصادية والفساد الهائل: إندونيسيا والزايير مثالان رمزيان على ذلك. وعلى وجه التحديد، ترتبط خيارات البنك العالمي المتعلقة بدول تمثل رهانا سياسياً رئيسياً في أعين مساهميه الرئيسيين، بشكل منتظم بمصالح هؤلاء المساهمين وتوجهاتهم، بدءاً بالولايات المتحدة.

فمن عام 1947 حتى انهيار الكتلة السوفيتية[5]، تم تحديد قرارات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي إلى حد كبير بالمعايير التالية:

  • تجنب دعم نماذج الارتكاز على الذات؛
  • توفير التمويل للمشروعات الضخمة (البنك العالمي) أو السياسات (صندوق النقد الدولي) التي تمكن البلدان الصناعية الرئيسية من زيادة صادراتها؛
  • رفض مساعدة أنظمة تعتبرها حكومة الولايات المتحدة أو غيرها من المساهمين المهمين تهديدا؛
  • محاولة تعديل سياسات بعض الحكومات في الدول الاشتراكية المزعومة لإضعاف تماسك الكتلة السوفيتية. وهذا هو سبب منح الدعم ليوغوسلافيا التي غادرت الكتلة الواقعة تحت هيمنة موسكو عام 1948، أو رومانيا بدءا من السبعينيات وقت إعلان تشاوشيسكو طموحه للابتعاد عن الكوميكون وحلف وارسو.
  • دعم الحلفاء الاستراتيجيين للكتلة الرأسمالية الغربية وخاصة حلفاء الولايات المتحدة (أمثلة: إندونيسيا من 1965 إلى يومنا هذا، زايير موبوتو من 1965 إلى 1997، والفلبين تحت حكم ماركوس، والبرازيل تحت حكم الدكتاتورية بعد انقلاب عام 1964، والدكتاتور سوموزا بنيكاراغوا، ونظام الميز العنصري بدولة جنوب إفريقيا)؛
  • محاولة تجنب أو الحد قدر الإمكان، من تقارب الدول النامية مع الكتلة السوفيتية أو الصين: على سبيل المثال، محاولة إبعاد الهند وإندونيسيا عهد سوكارنو عن الاتحاد السوفييتي.
  • محاولة دمج الصين في لعبة تحالفات أمريكا بدءا من 1980.

لتنفيذ هذه السياسة، قام البنك العالمي وصندوق النقد الدولي بتعميم التكتيك التالي: مرونة أكثر تجاه حكومة يمينية (مطالبة أقل بتدابير التقشف اللا شعبية) إذا كانت تواجه معارضة يسارية قوية مما تجاه حكومة يسارية تواجه معارضة يمينية قوية. بشكل ملموس، يعني هذا أن هذه المؤسسات المالية الدولية أكثر إلحاحًا وتصعِّب الأمور أكثر على حكومة يسارية تواجه معارضة يمينية لإضعافها وتشجيع وصول اليمين الى السلطة. ووفقًا لنفس المنطق، فقد تقدمت مؤسسات التمويل الدولية بمطالب أقل للحكومات اليمينية التي تواجه معارضة يسارية لتجنب إضعافها ومنع اليسار من الوصول إلى السلطة.

إن النظرية النقدية الأرثوذكسية ذات هندسة متغيرة: تعتمد التغيرات على عوامل سياسية كما جيوسراتيجية.

توضح بعض الحالات الملموسة – الشيلي والبرازيل ونيكاراغوا وزايير ورومانيا – ما أتينا على ذكره: إنها تعالج في نفس الوقت خيارات للبنك العالمي وصندوق النقد الدولي لأن هذه الخيارات يتم تحديدها بشكل عام وفقا لنفس الاعتبارات وتخضع لنفس التأثيرات.

لم يتردد صندوق النقد الدولي والبنك العالمي (وقوى رأسمالية كبرى أخرى) في دعم الأنظمة الديكتاتورية عندما يلائمهما ذلك. لقد كتب مؤلفو تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (طبعة 1994)، حرفيا ما يلي: “في الواقع، كانت المساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة سنوات 1980 تتناسب عكسيا مع احترام حقوق الإنسان. ويبدو أن المانحين متعددي الأطراف لم يكونوا هم أيضا يلقون بالا لهذه الاعتبارات. يبدو أنهم يفضلون أنظمة ديكتاتورية، ويفترضون بهدوء أن تلك الأنظمة تعزز الاستقرار السياسي وأفضل حتى لإدارة الاقتصاد. هكذا، بعد أن رفعت بنغلاديش والفلبين الأحكام العرفية، انخفضت حصتهما في إجمالي قروض البنك العالمي”[6].

التحيز السياسي للمؤسسات المالية الدولية: أمثلة على الدعم المالي للديكتاتوريات

دعم دكتاتورية الجنرال أوغستو بنوشيه في الشيلي

الرسم البياني 1. تشيلي: المدفوعات المتعددة الأطراف

المصدر: البنك العالمي

لم تحصل الشيلي على قروض من البنك العالمي في ظل حكومة الليندي المنتخبة ديمقراطيا (1970-1973). ولكن في ظل حكومة بنوشيه، بعد الانقلاب العسكري عام 1973، أصبحت البلاد فجأة ذات مصداقية. ومع ذلك، لا يجهل أي مدير للبنك العالمي أو صندوق النقد الدولي الطبيعة الاستبدادية والديكتاتورية العميقة، والإجرامية، لنظام بينوشيه. إن الصلة بين سياسات الإقراض والسياق الجيوسياسي صارخة في هذه الحالة. لقد قام أحد مساعدي ماكنامارا الرئيسيين، محبوب الحق، بصياغة ملاحظة في مذكرة نقدية للغاية عام 1976 بعنوان “أخطاء البنك العالمي في الشيلي”[7] بهدف تعديل توجه البنك العالمي. وتتضمن ما يلي: “لقد فشلنا في دعم الأهداف الأساسية لنظام الليندي، سواء في تقاريرنا أو علنا”. لقد قرر ماكنامارا تجاهل ذلك[8]. حاول محبوب الحق، دون جدوى، إقناع إدارة البنك العالمي بتعليق القروض إلى بنوشيه لأنه “بصدد استعادة مجتمع نخبوي غير مستقر اقتصاديا”. ويضيف أن سياسة بنوشيه قد “فاقمت لا مساواة توزيع الدخل في البلاد”[9].

دعم الطغمة العسكرية البرازيلية بعد الإطاحة بالرئيس جواو غولارت

الرسم البياني 2. البرازيل: مدفوعات البنك العالمي

المصدر: البنك العالمي

تمت الإطاحة بالحكومة الديمقراطية للرئيس جواو غولارت من قبل الجيش في أبريل 1964. واستؤنفت قروض البنك العالمي وصندوق النقد الدولي المعلقة لمدة ثلاث سنوات، بعد ذلك بقليل. [10]

جدول زمني موجز للأحداث: في عام 1958، كان الرئيس البرازيلي كوبيتشيك على وشك دخول مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 300 مليون دولار من الولايات المتحدة. في النهاية، رفض كوبيتشيك الشروط المفروضة من صندوق النقد الدولي وتخلى عن القرض الأمريكي. وأكسبه ذلك شعبية واسعة.

وأعلن خليفته، غولارت، أنه سينفذ إصلاحا زراعيا راديكاليا وسيشرع في تأميم مصافي النفط: لقد أطاح به الجيش. اعترفت الولايات المتحدة بالحكم العسكري الجديد بعد يوم واحد من الانقلاب. لم يمض وقت طويل بعد ذلك، واستأنف البنك العالمي وصندوق النقد الدولي سياسة الإقراض المُعلَّقة. أما بالنسبة للجيش، فقد ألغى التدابير الاقتصادية التي انتقدتها الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي. لنسجل أن المؤسسات المالية الدولية كانت ترى أن النظام العسكري يتخذ تدابير اقتصادية سليمة[11]. ومع ذلك، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7٪ عام 1965 وأعلنت آلاف الشركات الإفلاس. ونظم النظام حملة قمع قوية وحظر الإضرابات، وسبب انخفاضا حادا للأجور الحقيقية، وألغى الاقتراع المباشر، وقرر حل النقابات العمالية، واستخدم التعذيب بصورة منهجية.

ومنذ رحلته الأولى في مايو 1968، زار ماكنامارا البرازيل بانتظام ولم يتخلف عن لقاء الحكام العسكريين. وأشادت التقارير العامة للبنك العالمي منهجيا بسياسات الديكتاتورية في الحد من عدم المساواة[12]. ومع ذلك، اتخذت المناقشات داخل البنك العالمي منعطفا مريرا. عندما أعلن برنارد شدينت، نائب رئيس قسم المشروع بالبنك العالمي، أن صورة البنك ستتضرر بسبب دعمه للحكومة البرازيلية القمعية، واعترف ماكنامارا أنه يوجد قدر هائل من القمع، لكنه أضاف أنه “ليس بالضرورة مختلفا كثيرا عما كان عليه الحال في ظل الحكومات السابقة، ولا يبدو أسوأ بكثير مما هو عليه الحال في بعض الدول الأعضاء الأخرى بالبنك العالمي.

هل البرازيل أسوأ من تايلاند؟”[13]. وبعد بضعة أيام، أضاف ماكنامارا: “لا يبدو أن هناك بديلا قابلا للحياة عن حكومة الجنرالات”[14]. لقد أدرك البنك العالمي جيداً أن عدم المساواة لم ينقص وأن قروضه للقطاع الزراعي تعزز ملاك الأراضي الكبار. ومع ذلك، قرر مواصلة القروض لأنه يريد إخضاع الحكومة لتأثيره المطلق. والآن، عند هذا المنعطف الجديد، تعرض البنك العالمي لفشل ذريع: أثبت النظام العسكري أنه شديد الحذر من رغبة البنك العالمي تعزيز وجوده. وأخيرًا، في نهاية السبعينيات، استفاد العسكريون من وفرة قروض مصرفيين دوليين خواص ممنوحة بمعدل فائدة أقل من معدل البنك العالمي.

بعد دعم ديكتاتورية أناستاسيو سوموزا، أوقف البنك العالمي قروضه بعد انتخاب السانديني، دانييل أورتيغا، رئيسًا لنيكاراغوا.

الرسم البياني 3. نيكاراغوا: مدفوعات البنك العالمي

المصدر: البنك العالمي

كانت زمرة سوموزا قد تولت السلطة في نيكاراغوا منذ الثلاثينيات بفضل تدخل الولايات المتحدة العسكري. وفي 19 يوليوز 1979، أطاحت حركة شعبية قوية بالديكتاتورية وفر الدكتاتور أناستاسيو سوموزا. كانت عائلة سوموزا، المكروهة شعبيا، مستحوذة على حصة كبيرة جدا من ثروة البلاد وشجعت وجود شركات أجنبية كبيرة، خاصة من الولايات المتحدة.

واستفادت ديكتاتورية أناستاسيو سوموزا من قروض عديدة للبنك العالمي. وبعد سقوط الديكتاتورية، جمعت حكومة التحالف بين المعارضة الديمقراطية التقليدية (بقيادة رجال أعمال) والثوار الساندينيين. ولم يُخف الأخيرون تعاطفهم مع كوبا ولا رغبتهم في إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية (إصلاح زراعي، وتأميم بعض الشركات الأجنبية، ومصادرة أراضي زمرة سوموزا، وبرنامج محو الأمية…). اعتبرت واشنطن الداعمة لأنستاسيو سوموزا حتى النهاية، أن الحكومة الجديدة تشكل تهديدا بنشر الشيوعية في أمريكا الوسطى. لم تتخذ إدارة كارتر القائمة عند الإطاحة بالدكتاتورية، موقفاً عدوانياً على الفور.

لكن الأمور تغيرت فورا بدخول رونالد ريغان البيت الأبيض عام 1981، وأعلن التزامه بإسقاط الساندينيين، وقدم الدعم المالي والعسكري لتمرد أعضاء سابقين في الحرس الوطني ((“Contrarevolucionarios” أو”Contras” ). وقصف سلاح الجو الأمريكي العديد من موانئ نيكاراغوا. وفي مواجهة هذا العدوان، تجدرت أكثر سياسة حكومة الأغلبية الساندينية… وخلال انتخابات عام 1984، أول انتخابات ديمقراطية منذ نصف قرن، تم انتخاب السانديني دانييل أورتيغا رئيسا بنسبة 67٪ من الأصوات. وفي العام التالي، قررت الولايات المتحدة حظرا تجاريا ضد نيكاراغوا عزل البلاد عن المستثمرين الأجانب. وأوقف البنك العالمي أيضا قروضه بفوز الساندينيين في الانتخابات الرئاسية.

وكما ذُكر في الفصول السابقة، حاول الساندينيون حينها بنشاط إقناع البنك العالمي باستئناف قروضه[15]. لقد كانوا مستعدين حتى لقبول برنامج تقويم هيكلي شديد القسوة. لكن البنك قرر، مع ذلك، عدم الاستجابة، ولم يستأنف القروض حتى هزيمة الساندينيين الانتخابية في فبراير 1990، عندما فازت فيوليتا باريوس دي تشامورو، المرشحة المحافظة المدعومة من الولايات المتحدة. لنسجل أن البنك العالمي وصندوق النقد الدولي دعما حكومة دانييل اورتيغا حين عاد للسلطة بدءا من سنة 2007. وتفسير هذا هو السياسة النيو ليبرالية الموالية لواشنطن المنتهجة من قبل حكومته[16].

دعم ديكتاتورية موبوتو

الرسم البياني 4: الكونغو-كينشاسا (زايير تحت حكم موبوتو): مدفوعات البنك العالمي

المصدر: البنك العالمي

 

كشف تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، منذ عام 1962، أن موبوتو قد نهب عدة ملايين من الدولارات، خُصصت لتمويل قوات بلاده. وفي عام 1982، كتب أحد كبار المسؤولين بصندوق النقد الدولي، إيروين بلومنتال، وهو مصرفي ألماني ومسؤول بقسم الشؤون الخارجية للبنك الألماني، تقريراً دامغاً عن إدارة موبوتو لزايير[17]. لقد حذر المقرضين الأجانب عدم توقع السداد طالما موبوتو لا يزال في السلطة.

وبين عامي 1965 و1981، اقترضت الحكومة الزاييرية حوالي 5 مليارات دولار من الخارج وبين 1976 و1981، خضعت ديونها الخارجية لأربعة إجراءات إعادة جدولة من نادي باريس بلغت 2.25 مليار دولار.

لم يستتبع سوء الإدارة الاقتصادي الفادح لموبوتو ونهبه المنتظم لجزء من القروض قيام صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بوقف المساعدات لنظامه الديكتاتوري. ومن المدهش ملاحظة أنه بعد تقديم تقرير بلومنتال، زادت مدفوعات البنك العالمي[18] (نفس الشيء بالنسبة لدفعات صندوق النقد الدولي ولكن لم يتم عرضها على الرسم البياني). من الواضح أن معايير الإدارة الاقتصادية السليمة ليست هي العامل الحاسم في قرارات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي.

كان نظام موبوتو حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة وغيرها من القوى المؤثرة في مؤسسات بريتون وودز (مثلا فرنسا وبلجيكا) طالما استمرت الحرب الباردة[19]. وبعد 1989-1991، بالموازاة مع سقوط جدار برلين الذي تبعه لاحقا انهيار الاتحاد السوفييتي، لم يعد نظام موبوتو يستحق الاهتمام. بالنظر إلى أنه، في العديد من البلدان الأفريقية، بما فيها زايير، تجري مؤتمرات وطنية تطالب بمطالب ديمقراطية. فبدأت قروض البنك العالمي تنضب، وتوقفت تماماً منتصف سنوات 1990.

دعم البنك العالمي لدكتاتورية تشاوشيسكو في رومانيا

الرسم البياني 5. رومانيا: مدفوعات البنك العالمي

المصدر: البنك العالمي

 

التحقت رومانيا بالكتلة السوفيتية عام 1947، وفي عام 1972، كانت رومانيا أول دولة من الكتلة تنضم إلى البنك العالمي.

ومنذ عام 1965، كان تشاوشيسكو أمينا عاما للحزب الشيوعي الحاكم. وفي عام 1968، انتقد غزو الاتحاد السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا. ولم تتدخل القوات الرومانية إلى جانب مثيلاتها بحلف وارسو. لقد دفع هذا الابتعاد عن موسكو بوضوح واشنطن، عبر البنك العالمي، لاعتزام إقامة علاقات أوثق مع النظام الروماني.

لقد قام البنك العالمي، منذ عام 1973، بإجراء مفاوضات مع بوخارست لتحديد سياسة القروض التي وصلت بسرعة حجما كبيرا جدا. لقد أصبحت رومانيا عام 1980 ثامن أهم مقترض من البنك العالمي. يروي مؤرّخ البنك الدولي آرت فان دي لار حكاية معبرة من عام 1973. لقد حضر مطلع ذلك العام، اجتماعًا لمدراء البنك العالمي، كان على جدول أعماله بداية منح القروض إلى رومانيا. لقد أعلن روبرت ماكنامارا بوجه بعض المدراء المتشككين من عدم وجود دراسات شاملة عن رومانيا، أن لديه ثقة كبيرة في الأخلاقيات المالية للبلدان الاشتراكية بشأن تسديد الديون. ما رد عليه أحد نواب رئيس البنك العالمي حضر الاجتماع بأن “الشيلي الليندي ربما لم تصبح بعد اشتراكية بما فيه الكفاية”[20]. ربما تجمد ماكنامارا بسماع ذلك.

لا تعتمد خيارات البنك العالمي على معايير اقتصادية مُقنِعة. في الواقع، أولاً، في حين أن البنك العالمي، رفض بانتظام تقديم قروض إلى بلد لم يُسدِّد بعد ديونه السيادية القديمة، بدأ في إقراض رومانيا رغم أنها لم تقم بتسوية نزاع بشأن ديون قديمة. ثانيا، معظم المبادلات الاقتصادية لرومانيا تجري داخل الكوميكون بعملة غير قابلة للتحويل. كيف يمكنها تسديد ديونها بالعملات الصعبة؟ ثالثاً، رفضت رومانيا منذ البداية تسليم البيانات الاقتصادية التي طلبها البنك العالمي. من الواضح إذن أن الاعتبارات السياسية هي السبب وراء قيام البنك العالمي بتطوير علاقات وثيقة مع رومانيا.

يتعلق الأمر بزعزعة الاتحاد السوفياتي والمعسكر السوفياتي في سياق الحرب الباردة من خلال إرساء علاقات وثيقة مع رومانيا. لم يكن غياب الديمقراطية الداخلية والقمع البوليسي الممنهج عقبة أمام البنك العالمي في هذه الحالة كما بغيرها.

على العكس، أصبحت رومانيا واحدة من أكبر عملاء البنك العالمي، إذ قام الأخير بتمويل مشاريع ضخمة (مناجم الفحم المفتوحة، والمحطات الكهربائية الحرارية) التي كان تأثيرها السلبي من الناحية البيئية واضحا جدا. لقد شردت السلطات الرومانية سكانا يشتغلون بالزراعة حينها، لتشغيل مناجم الفحم المفتوحة. وفي مجال آخر، دعم البنك العالمي سياسة التخطيط السكاني بهدف زيادة معدل المواليد.

وفي عام 1982، عندما تفجرت أزمة الديون عالميا، قرر النظام الروماني فرض علاج الصدمة على الشعب الروماني. خفضت رومانيا وارداتها بشدة من أجل استخراج فوائض عملة صعبة لتسديد ديونها الخارجية بإيقاع سريع جدا”. كانت النتائج رهيبة على السكان. لكن كما ذهب الى ذلك مؤلفو الكتاب الذي رعاه البنك العالمي لتخليد أول نصف قرن من وجوده: “لقد كانت رومانيا، إلى حد ما، مدينا “نموذجيا”، على الأقل من وجهة نظر الدائنين”[21]

خاتمة

خلافاً للمادة الرابعة من الفصل العاشر من ميثاق البنك العالمي، فقد قام الأخير وصندوق النقد الدولي بإقراض دول بشكل منهجي للتأثير على سياساتها. توضح الأمثلة الواردة في هذه الدراسة أن المصالح السياسية والاستراتيجية للقوى الرأسمالية الكبرى عوامل حاسمة في قراراتهما. تلقت أنظمة بدعم من القوى الرأسمالية الكبرى مساعدات مالية على الرغم من أن سياساتها الاقتصادية لم تستوف معايير المؤسسات المالية الدولية الرسمية ورغم أنها لا تحترم الحقوق الإنسانية. وفي المقابل، حُرمت أنظمة اعتبرت معادية للقوى الكبرى من القروض بذريعة عدم احترامها المعايير الاقتصادية التي وضعتها تلك المؤسسات.

لا يجب اعتقاد أن سياسة مؤسسات بريتون وودز هذه، قد تم التخلي عنها بنهاية الحرب الباردة، إنها مستمرة حتى يومنا هذا. ومن الأمثلة على ذلك القروض المقدمة إلى روسيا بوريس يلتسين من أجل ضمان استعادة نهائية للرأسمالية، وإلى ديكتاتورية إندونيسيا سوهارتو حتى سقوط هذا الأخير عام 1998، والعراق تحت الاحتلال الأجنبي، وديكتاتورية بن علي في تونس من 1987 حتى 2011، وديكتاتورية مبارك في مصر من 1981 حتى 2011، وديكتاتورية المارشال السيسي في مصر منذ 2014، وإلى تشاد ادريس ديبي من 1990 حتى وفاته يوم 20 أبريل 2012.

____________________

[1] ” عقد مؤتمر باندونغ في عام 1955 بدعوة من الرئيس الإندونيسي سوكارنو. وشكل نقطة انطلاق حركة عدم الانحياز. كان سوكارنو وتيتو ونهرو قادة يجسّدون أمل العالم الثالث في مواجهة نظام الهيمنة الاستعمارية القديم. وهذا مقتطف من خطاب سوكارنو في افتتاح المؤتمر: “تشكل حقيقة اجتماع قادة الشعوب الآسيوية والأفريقية بأحد بلدانهم لمناقشة الشؤون المشتركة، والتداول بشأنها، بداية تاريخية جديدة (…). لا يمكن لأي شعب أن يشعر بالحرية وجزء من وطنه ليس حرا. مثل السلام، ليست الحرية قابلة للتجزئة. (…) كثيرا ما يقال لنا إن الاستعمار مات.

دعونا لا ننخدع، أو حتى أن يتم تنويمنا، بهذه الصيغة المضللة. أؤكد لكم أن الاستعمار حي وبصحة جيدة. كيف يمكن للمرء أن يقول عكس ذلك ومناطق واسعة من آسيا وأفريقيا ليست حرة؟ (…) يأخذ الاستعمار الحديث أيضاً شكل السيطرة الاقتصادية والسيطرة الفكرية والسيطرة الجسدية التي يمارسها أجانب داخل الأمة. إنه عدو ذكي وحازم يتجلى في أقنعة متنوعة. وهو لا يسقط غنائمه بسهولة. أينما كان، ومتى، وبأي شكل كان، فإن الاستعمار شر يجب القضاء عليه من على وجه العالم”. المصدر: العالم الدبلوماسي Le Monde diplomatique، “أهداف مؤتمر باندونغ”، مايو 1955، ص 1

[2] Bruce Rich cite comme exemples d’agences fondées grâce à la Banque mondiale: en Thaïlande, la Industrial Finance Corporation of Thailand (IFCT), le Thai Board of Investment (BOI), the National Economic and Social Development Board (NESDB) et la Electrical Generating Authority of Thailand (EGAT) ; en Inde, le National Thermal Power Corporation (NPTC), le Northern Coal Limited (NCL)… (voir Bruce RICH , p.13 et 4

[3] En 2000, l’Institut de développement économique (Economic Development Institute) a été rebaptisé World Bank Institute. Plus récemment, il organise des formations en ligne https://www.classcentral.com/institution/worldbank.

[4] RICH, Idem, p. 76. Voir également : STERN Nicholas et FERREIRA Francisco. 1997. « The World Bank as ‘intellectual actor’ » in KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume 2, p.583-585.

[5] بتزامن مع فترة الحرب الباردة.

 

[6] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، التقرير العالمي عن التنمية البشرية، 1994، ص 81.

[7] MAHBUB UL HAQ, « The Bank’s mistakes in Chile », April 26, 1976.

[8]KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume 1, p. 301

[9] Memorandum, Mahbub ul Haq to Robert S. Mcnamara, « Chile Country Program Paper – Majority Policy Issues« , July 12, 1976.

 

[10] هناك تحليل ملخص للوقائع أدناه: PAYER, Cheryl. 1974. The Debt Trap: The International Monetary Fund and the Third World, Monthly Review Press, New York and London, p. 143-165.

[11] في عام 1965، وقعت البرازيل اتفاق دعم مع صندوق النقد الدولي، وتلقت قروضا جديدة وشهدت إعادة هيكلة ديونها الخارجية من قبل الولايات المتحدة، والعديد من الدول الدائنة في أوروبا واليابان. وانتقلت القروض، بعد الانقلاب العسكري، من صفر إلى متوسط 73 مليون دولار في السنة لبقية سنوات 1960، ووصلت إلى مستوى يقارب نصف مليار دولار سنوياً في منتصف سنوات 1970.

[12] Détails dans KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume 1, p. 274-282

[13] WORLD BANK, «Notes on Brazil Country Program Review, December 2, 1971«in Détails dans KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume 1, p. 276.

[14] KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume1,p. 276

[15]تصريح ديفيد نوكس، نائب رئيس البنك العالمي لأمريكا اللاتينية: “لقد كان أحد كوابيسي ما الذي سنفعله إذا بدأ النيكاراغويون بوضع سياسات يمكننا دعمها. كنت أخشى أن يكون الضغط السياسي، وليس فقط من الولايات المتحدة، قويا لدرجة منعنا من مساعدة هذا البلد”.in KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume 1: History, note 95 p. 1058

[16] . Voir Éric Toussaint, « Nicaragua : De 2007 à 2018, Daniel Ortega a bénéficié de l’appui du FMI et a poursuivi une politique en faveur du grand capital national et international », publié le 19 octobre 2018, https://www.cadtm.org/Nicaragua-De-2007-a-2018-Daniel-Ortega-a-beneficie-de-l-appui-du-FMI-et-a (consulté le 29 novembre 2020).

[17]   Colette Braeckman, « L’amertume d’un expert », in Le Monde diplomatique, novembre 1982, https://www.monde-diplomatique.fr/1982/11/BRAECKMAN/37019.

[18] كتب مؤرخو البنك أنه في عام 1982: “مَغْويا بخدعة موبوتو ووعوده بالإصلاح، وبضغط من الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا، غامر البنك في زايير ببرنامج تقويم هيكلي طموح”.in KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume 1: History, p. 702

 

[19]   J’ai analysé de manière synthétique les relations de la Banque mondiale et du FMI avec le Congo-Zaïre de 1960 au début des années 2000 dans le livre Éric Toussaint, Procès d’un homme exemplaire, Al Dante, Marseille, 2013. J’ai également abordé le sujet dans « Réponse à la lettre de Philippe, roi des Belges, sur les responsabilités de la Belgique dans l’exploitation du peuple congolais » publié le 2 juillet 2020, https://www.cadtm.org/Reponse-a-la-lettre-de-Philippe-roi-des-Belges-sur-les-responsabilites-de-la (consulté le 29 novembre 2020).

[20] VAN DE LAAR, Aart. 1980. The World Bank and the Poor, Martinus Nijhoff Publishing, Boston/The Hague/London, p.40.

[21] KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997. The World Bank, Its First Half Century, Volume1: History, p. 7