الفصل الثامن من كتاب: البنك العالمي تاريخ نقدي لإريك توسان

تُذكِّر استراتيجية البنك العالمي في تركيا بوضوح بسياسته تجاه دكتاتورية فرديناند ماركوس في الفلبين منذعام 1972، وديكتاتورية أوغستو بنوشيه في الشيلي منذعام 1973، وبالنموذج الاقتصادي المتبع من قبلهما.تعتبر الأسباب الجيوسياسية مرة أخرى عاملاً حاسماً: تعد تركيا، المِفصل بين أوروبا وآسيا، رهانا أساسيا على رقعة الشطرنج بالشرق الأوسط والأدنى.وبالتالي، من الضروري إخضاع هذا البلد لمصالح واشنطن من خلال تقديم الدعم الكامل لنظام استبدادي. إنها المهمة التي انبرى لها البنك العالمي مشجعا، بتوافق تام مع القادة العسكريين، تطوير سياسات اقتصادية نيو ليبرالية فتحت الباب على مصراعيه أمام استثمارات الشركات متعددة الجنسية وقمعت كلاً من النقابات العمالية والأحزاب اليسارية الجذرية.لقد وطدت هذه السياسة دور تركيا كرأس حربة الولايات المتحدة في سياق تاريخي جديد.

 

البدايات الصحبة للبنك العالمي في تركيا

بدأ البنك العالمي بداية سيئة مع تركيا سنوات 1950. لقد تم طرد موكله الرسمي، الهولندي بيتر ليفتينك، من قبل سلطات أنقرة بسبب التدخل المفرط.

تحت قيادة روبرت ماكنمارا، أدت الأهمية الجيواستراتيجية التركية، البلد المحبوب أمريكيا، إلى قيام البنك العالمي بزيادة جهوده لتحسين العلاقات. وبعد بضعة أشهر من توليه الرئاسة، زار روبرت ماكنامارا تركيا في يوليوز 1968. إنه يعرف جيدا هذا البلد الحليف عسكريا للولايات المتحدة. لقد كان كوزير للدفاع حتى عام 1967 على اتصال وثيق مع سلطات أنقرة. وحرصا على عدم تكرار ما حدث مع بيتر ليفتينك، حرص البنك العالمي بشدة على عدم الظهور متدخلا في الشؤون الداخلية التركية بشكل مفرط في سبعينيات القرن العشرين[1]. وبحلول نهاية ذلك العقد، زاد ضغطه تدريجيا على الحكومة التركية، لاسيما عام 1978 عندما أصبح الوطني اليساري، بولنت اجاويد، رئيسا للوزراء. حاول البنك بالخصوص فرض زيادة أسعار الكهرباء.

دعم البنك العالمي للانقلاب العسكري سنة 1980

كان الانقلاب العسكري في سبتمبر 1980، الذي أسفر عن دكتاتورية استمرت حتى مايو 1983، مناسبًا جدًا للبنك العالمي، حيث وافق العسكريون على الحفاظ على الخطة النيو ليبرالية الجذرية التي وضعها مع سليمان ديميريل[2]، وتورغوت أوزال[3].

تورغوت اوزال وكيل دولة مكلف بالتنسيق الاقتصادي من قبل رئيس الوزراء آنذاك سليمان ديميريل. كان هذا الثنائي من أطلق البرنامج الاقتصادي النيو ليبرالي في يناير 1980. لكن تنفيذه كان صعبا بسبب التعبئات النقابية، والشعور بعدم الأمان الناتج عن المواجهات بين الطلاب اليمينيين واليساريين، ومناورات الحزب الإسلامي الذي ساوم بقوة داخل البرلمان دعمه لحكومة سليمان ديميريل الأقلية… وتعطش الجيش للسلطة، الذي زعزع استقرار الحكومة بمساعدة الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن النظام العسكري، الذي حل البرلمان وسجن سليمان ديميريل في سبتمبر 1980، قبل تعيين تورغوت أوزال كوزير مكلف بالاقتصاد بسلطات كاملة. لقد أدار هذا الأخير البرنامج النيو ليبرالي لمدة عامين بلا قيود، حتى الانهيار المالي الذي أدى إلى عزله.  

صار البرنامج التركي مرجعا لقروض التقويم الهيكلي

دعم البنك العالمي بحماس سياسة العسكريين وتورغوت أوزال لأنها سمحت ب “زيادة حوافز التصدير، وتحسين إدارة الديون الخارجية (…)، والقضاء على عجز الموازنة (…)، وتقليص مستوى الاستثمار العام.[4]  

كتب مؤرخو البنك العالمي: “لقد أصبح البرنامج التركي نموذجًا أوليًا لقروض التقويم الهيكلي[5].

سهلت عدة عوامل هذه التطورات:

1) الروابط الوثيقة بين القادة السياسيين الأتراك والموظفين الأتراك الكبار بالبنك العالمي. بالإضافة إلى أسماء سبق ذكرها، يمكننا ذكر أتيلا كاراسمانوغو[6] ومنير بنجنك[7]، وهما رجلا البنك بامتياز[8].

2) في عام 1977 واجهت تركيا المثقلة بالديون أزمة، وعلى عكس دول أخرى مثقلة بالديون، حصلت على مساعدات كبيرة من القوى الغربية (الولايات المتحدة، ألمانيا)، والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي، كي لا تغرق في الأزمة[9].

لم يكن التحول النيو ليبرالي في تركيا سهلاً لأن الدستور الموروث عن أوائل ستينيات القرن العشرين نص على أن تضع البلاد سياسة تصنيع بإحلال الواردات، وأن تنفذ حمائية قوية واستثمارا عموميا قويا لتحقيق هذه الغاية.

لقي الانقلاب العسكري في سبتمبر 1980 مشاعر تعاطف كبير من قبل البنك العالمي. من المحتمل أن روبرت ماكنامارا كان على علم بالتحضير للانقلاب لأنه كان على علاقة وثيقة بإدارة كارتر.

مثال تركيا مجددا أن سياسة البنك العالمي تحددها المصالح الجيواستراتيجية، لا سيما مصالح الولايات المتحدة.

انقلاب مدبر بدعم أمريكا المباشر

مؤرخو البنك العالمي ذلك: شخصيا كرجل دولة عالمي، لم يكن ماكنامارا أعمى بصدد الأهمية الجيوسياسية لتركيا”[10]. في مواجهة خطر الثورة الإيرانية عام 1979 التي كانت معادية لسياسة الولايات المتحدة، كان لا بد من ضمان استقرار تركيا من خلال دعم نظام استبدادي[11]. تم إعداد الانقلاب العسكري في تركيا بمساعدة الولايات المتحدة.

في العراق المجاور، كان انقلاب صدام حسين عام 1979 ضد النظام الموالي للسوفيات جزءاً من نفس التقارب بين المصالح الاستراتيجية. ولاحقا خدم صدام مباشرة مصالح الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بشنه الحرب ضد إيران عام 1980.

هذا لا يذكره مؤرخو البنك العالمي. لكن تعليقاتهم بشأن تركيا واضحة بما فيه الكفاية: يبدو أن البنك واجه صعوبات جمة لإعطاء دوافع مراعية للجيش التركي وتجنب إثارة الاستياء من تدخلاته. كانت التعليقات الرسمية للبنك العالمي التي تفيد بأن الاستيلاء العسكري عام 1980 لن يغير في شيء نوايا البنك للإقراض المهذبة للغاية[12].

قاد تورغوت أوزال وحزبه الوطن الأم الحكومة عندما قام العسكريون بتسليم السلطة إلى المدنيين.

يقدم البنك العالمي تركيا باعتبارها مثالا ناجحا

في السنوات اللاحقة، تلقت تركيا خمسة قروض تقويم هيكلي (حتى عام 1985). في عام 1988 كتب البنك العالمي: “من بين عملاء البنك، تمثل تركيا واحدة من أروع أمثلة النجاح[13].

تستحق ملاحظة الرضى الذاتي هذه التعليق. إذا نظرنا إلى أحد الأهداف الرئيسية للبنك، ألا وهو تخفيض التضخم، فليس هناك نجاح يذكر للاحتفاء به: فقد كان معدل التضخم السنوي قبل التقويم الهيكلي متراوحا بين 40 و50٪ في نهاية سنوات 1970. وفي ظل الديكتاتورية العسكرية التي نفذت التقويم الهيكلي، بلغ التضخم 46٪ في 1980-1983، و44٪ في 1984-1988، و60٪ في عام 1989. وفي العقد التالي وصل إلى متوسط 70٪ مع قمم بلغت 140٪.

باختصار، لم يتحقق هدف تخفيض التضخم بالتأكيد. وينطبق الشيء نفسه على الديون الداخلية العمومية المهولة والديون الخارجية التي زادت أكثر.

ولكن إذا أخذنا في الاعتبار جدول الأعمال الخفي للبنك، فيمكن القول بالفعل إنه حقق نصرا ملحوظا سنوات 1980:

1) بقيت تركيا في معسكر الحلفاء الأقوياء للقوى الغربية.

2) وتخلت تماما عن نموذج التصنيع بإحلال الواردات الذي يستلزم مستوى حمائية عال ومستوى عال من الاستثمار العمومي.

3) وضعت نموذجاً يركز على الصادرات من خلال زيادة قدرتها التنافسية، مما يسحق الأجور الحقيقية وخفض قيمة عملتها بنسب كبيرة؛

4) وقمعت الديكتاتورية الحركة النقابية واليسار الإصلاحي والثوري.

نهاية عام 1979 وعام 1994. بدأت هذه العملية بتخفيض قيمة العملة بنسبة 30٪ عام 1980. وفي سبعينيات القرن العشرين ازدادت الأجور الحقيقية بشكل ملحوظ نتيجة قوة النقابات وكسب أقصى اليسار مكانة سياسية هامة جدا بين الشباب والطبقة العاملة. الانقلاب العسكري عام 1980 حظر النقابات والإضرابات وتقليص الأجور جذريا وزيادة قوية للأرباح.

وبذلك أصبحت تركيا ملاذاً حقيقياً لاستثمارات الشركات متعددة الجنسية. وتمت مكافأة تورغوت أوزال وانتخب رئيسا من عام 1989 إلى عام 1993.

دعم البنك العالمي بشدة النظام العسكري والنظام اللاحق من خلال قروض تقترب من مليار دولار سنوياً.

في عام 1991، مقابل خدماتها للولايات المتحدة وحلفائها في حرب الخليج الأولى، استفادت تركيا من التعويضات التي دفعها العراق المهزوم.  

يمكننا بالتالي إعلان أن استراتيجية البنك العالمي في تركيا تذكر بوضوح بسياسته تجاه ديكتاتورية فرديناند ماركوس في الفلبين منذ عام 1972، وأوغوستو بنوشيه في الشيلي منذ عام 1973، وبالنموذج الاقتصادي المنفذ من قبلهما.   

في الفترة 1999-2001 مرت تركيا بأزمة مالية حادة مثل أزمة الأرجنتين. مرة أخرى، سادت المصالح الجيواستراتيجية: تخلى صندوق النقد الدولي عن الأرجنتين في ديسمبر 2001 عندما رفض منح قرض جديد إلى الرئيس دي لاروا في الوقت الذي تابع فيه سياسة القروض إلى تركيا من أجل منع اضطرابات اجتماعية قوية وزعزعة استقرار عنصر أساسي برقعة شطرنج الشرق الأدنى والأوسط.

والآن، كما في كل مكان آخر، فإن المعونة التي يقدمها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي تزيد من ديون البلدان “المستفيدة” منها، ويحق للمواطنين الأتراك بالكامل، اليوم وغذا، رفض الاستمرار بالتسديد لمؤسسات بريتون وودز. إن الديون التي تم التعاقد عليها مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي كريهة بكل المقاييس. 

 


[1] KAPUR, Devesh, LEWIS, John P., WEBB, Richard. 1997, Vol. 1, p. 547 

[2] كان سليمان ديميريل (1924 –2015) رئيس الوزراء عدة مرات (1965-1971، 1975-1978، 1979-1980). أصبح رئيساً للحكومة عام 1991 وكان رئيساً للجمهورية من 1993 إلى 2000.

[3] كان تورغوت أوزال (1927-1993) رئيسًا للوزراء من عام 1983 إلى 1989، ثم رئيسًا للجمهورية من عام 1989 حتى وفاته عام 1993. بالإضافة إلى ذلك، عمل تورغوت أوزال لمدة عامين بالبنك في واشنطن خلال سنوات 1971-1973.

[4]   DEVESH KAPUR, JOHN P. LEWIS, RICHARD WEBB. 1997. vol. 1., note 60. p. 548.

[5] نفس المرجع ص 548

[6] أصبح أتيلا كاروسمان أوغلو بعد ذلك بقليل، في منتصف الثمانينيات، نائب رئيس البنك العالمي لمنطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. أتيلا كاراوسمان أوغلو، الذي وظفه تورغوت أوزال في مديرية التخطيط التنموي عام 1960، كان نائب رئيس الوزراء في البداية بعد انقلاب عام 1971.

[7] شغل منير بنجينك منصب نائب رئيس البنك العالمي لأوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا طوال السبعينيات، وقد نصح منير بنجنك بشكل مباشر روبرت ماكنمارا بشأن تركيا.

[8] أصبح فيما بعد تقليدًا مع كمال درويش، نائب الرئيس السابق للبنك العالمي، الذي أصبح وزيرًا ماليًا تركيًا من مارس 2001 إلى غشت2002. وفي عام 2005، أصبح كمال درويش مديرًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

[9] استمر هذا الأمر في سنوات 1990 وأوائل سنوات 2000.

[10]  DEVESH KAPUR, JOHN P. LEWIS, RICHARD WEBB. 1997. vol. 1. note 62. p. 549.

[11] في زمن الانقلاب، كان التوتر بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني متطرفًا لأنه تم احتجاز مائة رهينة أميركية في طهران. كان الموضوع في قلب الحملة الانتخابية، التي تواجه فيها رونالد ريجان وجيمي كارتر الساعي لولاية ثانية.

[12]  DEVESH KAPUR, JOHN P. LEWIS, RICHARD WEBB. 1997. vol. 1. p. 547.

[13] نفس المرجع، ص 550.