أدى الانقلاب على حكومة الرئيس الشيلي سلفادور أليندي في 11 سبتمبر/أيلول 1973 إلى إغلاق، وحشي وعنيف، للطريق الذي كانت تبنيه العديد من بلدان أمريكا اللاتينية نحو دولة الرعاية الاجتماعية والسيادة على مواردها الطبيعية. لقد أعطت الشيلي صورة لما سيكون عليه العالم خلال السنوات العشر القادمة. يشرح إريك توسان، مؤسس لجنة إلغاء الديون غير الشرعية (www.cadtm.org) وعضو المجلس العلمي لجمعية تضريب المعاملات المالية في فرنسا (ATTAC)، ذلك في: الهجوم المضاد للإمبريالية، خصوصا الامريكية، على سياسات إعادة توزيع الدخل، وعلى النمو الصناعي الذاتي وعلى بناء ما تمت تسميته بدولة الرعاية الاجتماعية.

وقد أضاف إريك توسان في مقابلة مع جريدة “لاجورنادا” ما يلي:

“بعد خمسين سنة، شكل الانقلاب على حكومة سلفادور أليندي المنتخبة بشرعية، نقطة تحول تاريخية: فرض نموذج نيوليبرالي باستعمال عنف وحشي ضد الطبقات الشعبية”.

كان النموذج النيوليبرالي سواء نسخة بينوشي بالشيلي، أو كارلوس منعم بالأرجنتين أو كارلوس ساليناس دو كورتاري بالمكسيك فاشلا على الرغم من الخطابات التي تدعي معجزة مزعومة. وإذا ما رأينا من منظور تاريخي، فقد مثل هذا النموذج، بالنسبة لأمريكا اللاتينية، الخوصصة وإعادة الهيكلة[1]  (تراجع اقتصاد كان قد عرف مسلسلا تصنيعيا متنوعا نحو تبعية كبيرة اتجاه صادراته من المواد الأولية- البترول والغاز، المعادن الصلبة والمنتجات الفلاحية-) لاقتصاداتهم، وهذا ما يشير اليه اريك توسان، منتقد سياسات المنظمات المالية الدولية اتجاه دول الجنوب، أممي ومنشط حركات مثل المنتدى الاجتماعي العالمي.

فَرَض الانقلاب ضد سالفادور ألندي نموذجا اقتصاديا معاديا للطبقات الشعبية

انقلاب في تشيلي في 11 سبتمبر 1973. تفجير قصر لا مونيدا (قصر الحكومة). مكتبة المؤتمر الوطني. سي سي بي CC BY https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=16325488

دشن النظام الديكتاتوري لأوغستو بينوشيه، الجينرال الذي قاد الانقلاب ضد الرئيس ألندي، موجة نيولييبرالية وأرسى نموذجا اقتصاديا وسياسيا. وقد كانت الشيلي حسب، إريك توسان، مختبرا لفرض هذا النموذج المرتكز، من بين أمور أخرى، على تقليص دور القطاع العام في تنظيم الأنشطة الاقتصادية، خوصصة الموارد الاستراتيجية وتفويت الخدمات كالصحة والتعليم إلى المقاولات الخاصة[2].

بخصوص السياسات الاقتصادية، فقد حدث الانقلاب العسكري بالشيلي في سياق خاص حسب أريك توسان: تميزت العشريات السابقة بسياسات الدولة لتعزيز النمو والتنمية التي أدرجت، في نهاية الحرب العالمية الثانية، بدول الشمال. في هذا السياق تمنى اقتصاديون من أمثال ميلتون فريدمان، الذي كوَّن بجامعة اشيكاغو أهم الاقتصاديين الذين وضعوا النموذج الاقتصادي للديكتاتورية الشيلية موضع التنفيذ أو ” مفكرين رجعيين مستلهمين لما يسمى المدرسة النمساوية، في بداية السبعينات من القرن الماضي، وضع حد لمرحلة تجاوزت ثلاثة عقود ـ حسب المناطق ـ ودعموا المنعطف الليبرالي الذي تم فرضه حرفيا، في حالة الشيلي، بقوة المدافع.”

تستهدف السياسات التي تم فرضها بالشيلي منذ سنة 1973 إلى وضع حد إلى مرحلة، مختلفة حسب المناطق، عمَّرت حوالي 35 سنة من السياسات الكينزية في الشمال والجنوب[3] ، وهي سياسات تؤكد بعض الاستقلالية عن الامبريالية وفي نفس الوقت بعض التنازلات من طرف الطبقات المهيمنة لصالح الطبقات الشعبية. أحيل هنا إلى مرحلة كانت، بأمريكا اللاتينية، تشمل رئاسة لازارو كارديناس في المكسيك، وخوان دومينغو بيرون في الأرجنتين وبالبرازيل، جيتوليو فارجاس، متبوعا بجوسيلينو كوبيتشيك، وجواو كولارت.  إذن كانت الشيلي بمثابة مقدمة لما سيحدث في السنوات التي أعقبت الانقلاب.  إنه حدث تاريخي لأنه يؤشر على بداية تعميم الهجوم المضاد ضد السياسات الكينزية لتحسين التنمية بالاعتماد على الدولة وضد سياسات التنمية التي تم وضعها موضع التنفيذ بأمريكا اللاتينية كما اقترحت اللجنة الاقتصادية لامريكا اللتنية”.

كان انقلاب بينوشي ” بداية رحلة نحو الجحيم النيوليبرالي”، والذي عرف مرحلة أخرى مع وصول مارغريت تاتشر الى السلطة بالمملكة المتحدة سنة 1979 ورونالد ريغان للبيت الأبيض سنة 1980. ” يعتبر فرض نموذج اقتصادي باستعمال العنف الوحشي ضد الطبقات الشعبية وحركات اليسار تحولا تاريخيا، وقد حدث هذا أيضا بالأورغواي والأرجنتين”.  ويضيف أنه كانت هناك ” مرحلة رهيبة بأمريكا اللاتينية فيما يخص القمع. لهذا نتحدث عن نموذج اقتصادي، النموذج النيوليبرالي، ببعد سياسي واضح، محافظ ومرفوق بقمع واسع من طرف القوات المسلحة، كما حدث بالشيلي وبالأرجنتين”.

كان انقلاب بينوشي “بداية رحلة نحو الجحيم النيوليبرالي”

يثير إريك توسان الانتباه إلى كون الانقلاب بالشيلي كان مدعوما ليس فقط من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وجيشها ووكالات الاستخبارات والتجسس ولكن أيضا من طرف مؤسسات مالية كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي.

ما هي المصالح الاقتصادية التي خلقت الشروط أو دعمت الانقلاب ضد الرئيس ألندي؟

كان تأميم النحاس أحد الأسباب التي أدت إلى انهيار حكومة ألندي. لقد أثر هدا التأميم على الشركات الكبرى الأمريكية التي مارست ضغطا على حكومة الولايات المتحدة الامريكية وشجعت الجيش الشيلي اليميني. وبعد ذلك بدأ وضع النموذج موضع التنفيذ عن طريق الخوصصة الواسعة و”إعادة الهيكلة”، وعن طريق تحرير الاستثمارات والرفع من الديون الخارجية. كانت كل هذه التحولات من منطلق أن جلب الاستثمارات يقتضي الخوصصة وتبني قوانين لحمايتها ضد التأميم. ومع مرور السنوات أكد المسؤولون عن السياسات الاقتصادية بالعديد من دول أمريكا اللاتينية أن مواصلة هذه السياسات هي السبيل الوحيد وليس هناك طريق آخر.

لم يكن هناك طريق آخر إلى الجحيم. رافق هذا المسار دعاية قوية حول المعجزة الشيلية المزعومة تماما كما كانت الدعاية حول المعجزة المزعومة لساليناس كورتاري في بداية تسعينيات القرن الماضي بالمكسيك. غير أن كل هذه النماذج قد فشلت. بالشيلي، كانت أزمة واسعة النطاق بالأبناك خلال ديكتاتورية بينوشي، وكان من اللازم انقاذها، كما هو الحال في المكسيك والإكوادور ودول أخرى. لقد خوصصت أمريكا اللاتينية اقتصاداتها، وأصبحت مصدرة للمواد الأولية أو مقرا للماكيلادورا(معامل للتجميع/التركيب). يتعلق الأمر، مثلا، بمصانع السيارات التي لا يتم بها انتاج الأجزاء لأنها تستورد ويتم تركيبها من قبل عمال أقل تأهيلا ويتقاضون أجورا ضعيفة، بينما كان مسلسلا صناعيا جاريا في عديد من البلدان قبل العشريات التي سبقت الانقلاب.

الجنرال أوغستو بينوشيه، رئيس الديكتاتورية العسكرية. مكتبة المؤتمر الوطني في تشيلي.

ماذا يجري اليوم باعتماد طريقة التفكير هاته في السياسة الاقتصادية؟

بدأ التعبير الواضح عن الرفض الواسع للسياسات النيوليبرالية من طرف أغلب الطبقات الشعبية بأمريكا اللاتينية، بعد الديكتاتوريات وأزمة الديون لسنوات 1980. يمكننا سرد الانتفاضات بفنزويلا سنة 1989 (المعروفة باسم كاراكازو)، حركات كالزاباتستيين بالمكسيك (ابتداء من سنة 1994) وانتخاب هوغو شافيز في فنزويلا، رافييل كوريا بالاكواتور و إيفو موراليس ببوليفيا بين نهاية سنوات 1990وبداية هذا القرن. كان المشترك بين كل هؤلاء هو إعادة الرقابة على الموارد الطبيعية كالبترول والغاز. في الآونة الأخيرة يمكننا سرد الانتصارات الانتخابية لأندريس مانويل لوبيز أوبرادور بالمكسيك سنة 2018، ألبرتو فيرنانديز بالأرجنتين سنة 2019 وحديثا سنتي 2022 و2023 بالنسبة لغابرييل بوريتش، وغوستافو بيترو، ولولا بكل من الشيلي وكولومبيا والبرازيل على التوالي.

هناك موجة جديدة من الحكومات التقدمية، لكننا لا نرى قطيعة مع النموذج الاقتصادي. إن ما يقومون به هو تنفيذ سياسة للرعاية والمساعدات العمومية لأفقر قطاعات الطبقات الشعبية وهذا مهم جدا بالطبع لكن لا توجد إرادة حقيقية لتغيير بنيوي.

 

ترجمة: جمعية أطاك المغرب

 

الرابط الأصلي للمقال : هنا

المصدر: صحيفة لا جورنادا المكسيكية اليومية، الجمعة 1 شتنبر 2023 https://www.jornada.com.mx/2023/09/01/economia/017e1eco

————————-

[1] إعادة الهيلكة. نجد ثلاث قطاعات اقتصادية كبرى: القطاع الأولي (الاستغلال المباشر للموارد الطبيعية) والقطاع الثانوي (الصناعات التحويلية) والقطاع الثالث (الخدمات). عموما، كلما تقدمت الاقتصادات وأدمجت التكنولوجيا، كلما تقوَّت بالقطاعات الثانوية والثالثية. ببعض البلدان، الغنية بالمواد الأولية على الخصوص، تنمو، مع ذلك، حصة القطاع الأولي على حساب بقية الاقتصاد. نتكلم إذن عن “إعادة هيكلة”

المصدر:https://www.mondediplomatique.fr/publications/manuel_d_economie_critique/a57221

 

[2] يبين إريك توسان في كتاب البنك العالمي: قصة حرجة، حيث حدث تطور مشابه جزئيًا في الفلبين منذ النصف الثاني من عام 1972. انظر(ي) الفصل السابع: البنك الدولي و الفلبين.

انظر(ي) https://www.cadtm.org/Banque-mondiale-et-Philippines

 

[3] بالبرازيل، تم المنعطف الوحشي اللاشعبي بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، منذ نهاية مارس 1964 مع قلب الحكومة التقدمية للرئيس جاو كولار من قبل العسكر.

انظر(ي) https://www.cadtm.org/Bresil-55-ans-apres-le-renversement-du-president-democratique-Joao-Goulart-le