في 22 يوليو/تموز الماضي، ابتهج المصريون بتسجيل الدين الخارجي أكبر تراجع تاريخي بقيمة تتجاوز 14 مليار دولار منذ ديسمبر 2023، وفق بيان للبنك المركزي المصري (1).
لم يذكر البيان قيمة الدين الخارجي بعد سداد 14 مليار دولار، لكن بما أن قيمة الدين سجلت في ديسمبر/كانون الأول 2023 نحو 168 مليار دولار، فهذا يعني أن الدين الخارجي لمصر يدور حول رقم 154 مليار دولار وفق آخر تحديث للبيانات (2).
لم يكن السبب في هذا الانخفاض التاريخي تسديد الديون وفق الآليات المتعارف عليها للاستدانة من تحويل الأقساط والفوائد، بل كان هناك بُعْد سياسيّ تمثل في شطب 11 مليار من الديون الإماراتية بغرض استثمارها في منطقة “رأس الحكمة” الساحلية (3).
وهي الصفقة التي منحت مصر تدفقات دولارية من الإمارات ستصل خلال الأعوام القادمة إلى 24 مليار دولار، بعد تسييل وديعة إمارتية بـ 11 مليار، جرى شطبها من جدول الديون الخارجية.
جاءت الصفقة الإماراتية مصحوبة بتدفقات موازية من الاتحاد الأوروبي موزعة على شكل قروض واستثمارات ومنح تقدر بـ 8.06 مليار دولار على مدى 4 أعوام، (4) وذلك بالتوازي مع رفع قيمة قرض صندوق النقد من 3 مليارات إلى 8 مليارات دولار (5).
ساهمت الاستثمارات المباشرة الإماراتية مع قروض الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد في خلخلة الأزمة النقدية التي أمسكت بتلابيب الحكومة على مدار العامين الماضيين، لكنها لم تسفر عن حل للأزمة الاقتصادية.
إذ لا تزال البلاد تعاني من تقييد الواردات بهدف التحكم في الحصيلة الدولارية، بما في ذلك واردات ذات أهمية قصوى مثل الأدوية، أو تلك المتعلقة بالمدخلات المستوردة للصناعة المحلية والتي يؤثر غيابها على الأرقام الإجمالية لصادرات البلاد.
انفراجة بشروط
في فبراير/شباط 2023، بعد أن وصل سعر الدولار إلى 75 جنيهاً، كانت ملامح اضطراب شعبي واسع النطاق تلوح في الأفق قبل أن تتدخل الإمارات بصفقة تبدو استثمارية، لكن خلفها إرادة حماية النظام المصري الحالي من سقوط محتمل، بالتزامن مع تدخل مؤسسات التمويل الدولية التي أعطت متنفساً للنظام بعد أن وصل للاختناق المالي.
ليستقر سعر الدولار على 47 جنيهاً، ولحظة كتابة هذا المقال وصل إلى 49 جنيهاً بفعل التوترات الجيوسياسية في الإقليم، وخروج 4 مليارات من الـ”Hot Money” (القروض السريعة) بدافع من تلك الاضطرابات.
تلك الانفراجة التي حدثت على مدى الشهور الماضية لم تكن مجانية، بل مُحمَّلة بقائمة شروط شديدة الوطأة على الأغلبية الساحقة من الشعب المصري، إذ أجبرت النظام على توسيع دائرة الخصخصة وبيع أصول الدولة وجزء حيوي جداً من قطاعها الإنتاجي، وزيادة سعر رغيف الخبز بنسبة 300%، وزيادة أسعار الطاقة والكهرباء والنقل وتذاكر المترو والقطارات التي يستقلها الفقراء.
إلى جانب الشرطين الأكثر أهمية وهما: رفع سعر الفائدة (6) على اعتبار أنه آلية نموذجية بالنسبة إلى صندوق النقد للتعامل مع التضخم، وكذلك تخفيض سعر الصرف كآلية مثالية بالنسبة للصندوق أيضاً للتعامل مع الأزمة النقدية (7) .
لكن بعد عامين من الرفع المتكرر لسعر الفائدة من 8.25% إلى 27.25% (أي بـ 21%)، لم ينخفض التضخم، وكل ما نتج عن رفع سعر الفائدة لهذه المستويات القياسية هو ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي من البنوك المحلية، بموازاة احتكار قلة من البنوك والمستثمرين أرباحاً باهظة من فوائد الدين العام، مع انكماش فرص حصول القطاع الخاص على القروض الاستثمارية.
وبالنسبة للآلية الأخرى، بعد التخفيض المتكرر لقيمة الجنيه أمام الدولار من 15 جنيهاً إلى 49 جنيهاً للدولار الواحد، لم ينهِ ذلك الأزمة النقدية، وكل ما أسفر عنه هو تدهور القدرة الشرائية لعشرات الملايين من المصريين.
وذلك لأن قيمة الجنيه تعدُ مجرد مؤشر على توفر العملة الصعبة داخل النظام المصرفي، وبالتالي فإن غياب العملة الصعبة يعتبر مؤشراً على وجود خلل في ميزان المدفوعات، خصوصاً الحساب الجاري، وبالتالي لا يمكن لتخفيض سعر الجنيه أن يكون حلاً، بل يتمثل الحل في علاج أسباب العجز.
وهي أسباب جزء منها نقدي يتمثل في التوسع في الاستدانة، وجزء بنيوي يتعلق بهيكل الاقتصاد المصري ضعيف الإنتاجية وذو الطابع الريعي، والمصمم لصالح لوبيات المستوردين والوكلاء ومصدري المنتجات الزراعية على حساب الأغلبية المنتجة والفقيرة.
لكن بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري، تركزت تعليمات صندوق في مصر على مزيج من تحرير سعر الصرف ورفع سعر الفائدة، وهو ما عزز من التضخم طويل المدى بدلاً من محاربته، فأصبح التضخم ناتجاً عن زيادة التكاليف، بينما قوضت تلك السياسة العوامل التي تغذي التضخم المدفوع بالطلب.
وبالتالي تتحمل الأغلبية الفقيرة الأعباء التضخمية لتلك السياسات الانكماشية، التي تؤثر على نشاط القطاع الخاص بشكل سلبي، مما يجعل الفقراء يخسرون وظائفهم، وذلك في وقتٍ يتربح فيه الأغنياء من إقراض الدولة.
ومن ثَمَّ، أصبحت أسعار الفائدة أداة لإعادة توزيع الدخل بشكل عكسي لصالح مجتمع الملكية ومقرضي الدولة، على حساب الذين يعتمدون على دخول ثابتة ناتجة عن العمل (8).
ومن جانب آخر، يظهر خضوع الحكومة المصرية لشرط صندوق النقد المتعلق بترك قيمة الجنيه للعرض والطلب دون حماية أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع غير مبرر للدولار أمام الجنيه، في ظل عدم توافر مصادر دولارية مستدامة واستمرارية وجود فجوة تمويلية في الميزان التجاري، وميزان المدفوعات بفعل أقساط وفوائد الديون، ومن ثم ستتأذى الميزانية العامة للدولة التي تشهد بالفعل تدهوراً في أدائها بعد تحريك سعر الصرف عدة مرات.
في قبضة الدائنين
لم تكن الحكومة حرة في التدفقات الدولارية التي حصلت عليها، إذ كانت ملزمة باستخدام السيولة الدولارية لسداد ديون سابقة، وهو ما أجبرها على الحصول على قروض جديدة لتستمر في عملية “ترقيع الديون”(9) بلا نهاية على ما يبدو.
تلك الديون الخارجية تصل إلى المواطنين على صورة ضرائب عالية وخدمات مرتفعة السعر، وتقلص في الدعم، وتضخم في أسعار جميع السلع، وتآكل في المدخرات. ونتيجة لذلك، تعيش البلاد أزمة غلاء معيشة غير مسبوقة، أدت إلى انهيار الطبقة المتوسطة الكبيرة سابقاً، لذا قدر البنك الدولي أن 60٪ من المصريين يعيشون بالقرب من خط الفقر أو تحته، في 2019 (10).
وذلك قبل تلك الموجات التضخمية الصادمة في السنوات الخمس الأخيرة، والتي من المرجح أنها أسقطت جزءاً كبيراً من السكان من فوق خط الفقر، وهو أمر لا يمكن الحسم بشأنه في ظل منع الأجهزة الأمنية السيادية الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء من إصدار بيانات معدلات الفقر في مصر(11).
وساهم “ترقيع الديون” ذلك في رفع أسعار والمنتجات لمستويات قياسية في ظل تفضيل الحكومة لسداد الديون الخارجية على حساب استيراد الحاجات الأساسية للدولة، وبالتالي ارتفعت أسعار المستوردات بفعل نقص المعروض منها.
وعليه وصلت معدلات التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية إلى 25.7% في يوليو 2024، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر(12)، كأثر للحاجة لسداد الديون.
إذ أظهرت بيانات مشروع موازنة 2025/2024 استحواذ أقساط وفوائد القروض على 3.440 تريليون جنيه، تمثل 62%، من إجمالي استخدامات الموازنة العامة البالغة 5.541 تريليون جنيه. وتغطي الـ 38% المتبقية من إجمالي استخدامات الموازنة العامة (13) كافة التزامات الدولة من أجور واستثمارات ودعم، وشراء السلع والخدمات والإقراض والمساهمات.
في هذه الدائرة الجهنمية، يحدث نزيف للدولار أشد مما دخل البلد من أي قروض. بحلول عام 2023، كانت مصر قد سددت 103 مليارات دولار ديوناً في 10 سنوات، منها 28 ملياراً فوائد و74 ملياراً أقساطاً، وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري (14).
نشرة البنك المركزي المصري – نقلاً عن “مركز حلول للدراسات البديلة”
بحسبة بسيطة سنجد أن مصر استقبلت على مدار 9 سنوات 119 مليار دولار، إذ كانت ديونها 46 مليار دولار في 2014، ووصلت إلى 165 مليار دولار في 2023، ودفعت 28 ملياراً فوائد، أي أكثر من ربع ما حصلت عليه من قروض.
وإلى جانب تلك الخسارة المفجعة من موارد البلد التي لم تزداد لأن القروض لم يجر استثمارها في قطاعات إنتاجية، فإنه بمجرد أن تراجعت قدرة مصر على مواصلة الاقتراض بسبب تراكم الديون شهدت البورصة المصرية خروج 37.7 مليار دولار صافي استثمارات، إلى جانب خروج 3 مليارات دولار بشكل غير شرعي. وذلك في تطبيق حي لتحليل إيريك توسان (15) بأن البلدان النامية أصبحت من مصدري رأس المال إلى العالم المتطور، وأنها أصبحت تمول دائنيها وليس العكس.
الأشد أسفاً أن ما سُدِّد من فوائد، وهو ربع قيمة ما حصلت عليه مصر من قروض، لم يتم دفعه من عائد استثمار القروض، بل من الفائض الاجتماعي الذي ينتجه العاملون بأجر الذين أصحبوا يمولون المقرضين في الشمال، بعد أن تحصل الطبقات المسيطرة في الجنوب حصتها من العمولة، وهكذا تزداد تلك الطبقات ثراءً بينما يتواصل تراجع اقتصاد البلاد والركود، ويزداد السكان فقراً.
ومع ذلك، لم تطلب مصر جدولة الديون خوفاً من إغلاق صنبور القروض عليها وخسارة مصادر مهمة للتمويل، وذلك تصور أقرب للقلق النفسي من الحقائق الموضوعية على ضوء الأرقام السابق ذكرها، إذ أن مؤسسات التمويل الدولية هي من سيخسر زبونا هاماً يمنحها عصارة موارده.
ولنتخيل أن مصر توقفت عن تسديد قروضها في العام المالي 2022- 2023 بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية، ماذا سيترتب على ذلك؟
في ذلك العام، سددت البلاد 42.2 مليار دولار، أي نحو 26% من إجمالي الدين الخارجي، إلى جانب 3 مليارات خرجوا بشكل غير شرعي، أي ما يعادل الاحتياطي النقدي للبلاد حاليا تقريباً.
وفي العام المالي اللاحق 2023- 2024 سددت مصر 15.55 مليار دولار إجمالي أقساط وفوائد الديون الخارجية (16)، أي أن مصر دفعت خلال عامين ماليين فقط 60.7 مليار دولار، وهو أكبر من كل ما حصلت عليه خلال هذين العامين من قروض ومنح ومعهم صفقة “رأس الحكمة”.
الذي كان سيحدث حينها هو أن مصر كانت لتوفر 60 ملياراً و700 مليون دولار يمكن بها تطوير جهازها الإنتاجي وتطبيق سياسات عادلة اجتماعياً ومستدامة بيئياً.
لكن الطبقة الحاكمة استستلمت لتخويف مؤسسات التمويل الدولية بوقف مساعدات التنمية (القروض)، وهو أمر خادع للغاية، إذ أن القروض الجديدة جميعها لا تكاد تدخل للخزانة العامة للبلاد، إذ يجري تسديد القروض القديمة من خلالها.
بل وصل الحال بتلك الطبقات إلى أنها طبقت كافة شروط وتعليمات صندوق النقد بما في ذلك رفع سعر الفائدة 6% مرة واحدة، في سابقة لم تحدث في تاريخ البلاد الاقتصادي، ورفعت بذلك عبء الدين الحكومي إلى حدود انفجارية. خصوصاً إذا علمنا أن كل 1% تخفيض في سعر الفائدة يتيح توفير 70 مليار جنيه (17)، أي أن مصر تدفع فوائد تفوق الإنفاق على التعليم والصحة وبرنامج “تكافل وكرامة” مجتمعين.
ومنذ تعويم الجنيه المصري الأخير في مارس/آذار 2024 المصحوب برفع أسعار الفائدة، أصبحت مصر أكثر جاذبية لتجار الديون الأجانب، إذ تسارعت وتيرة تدفق الأموال الساخنة، حيث وصلت إلى 35 مليار دولار بحلول نهاية أبريل/نيسان الماضي أي بعد شهر واحد من التعويم (18).
وركز المستثمرون الأجانب على شراء أذون الخزانة، التي تُعد من أدوات الدين قصيرة الأجل، إذ تتراوح آجال سدادها بين 3 شهور وحتى عام واحد، ووصلت وتخطت الفوائد الممنوحة للمشترين نسبة 30% خلال الشهور الماضية.
ويعمل المستثمرون على شراء أذون الخزانة بالجنيه المصري من خلال تحويل أموالهم إلى الجنيه، ويضمن البنك المركزي لهم حرية إعادة تحويل أموالهم وأرباحهم إلى الدولار مرة أخرى بعد بيع الأذون، وبدون أي ضرائب على الأرباح، ما يعني أنهم يحصلون على فائدة 30% بالدولار، وبدون أي مخاطر، وخلال شهور معدودة لا تقل عن 3 ولا تزيد عن 12 شهراً.
ومن ثمَّ، تزيد تلك المبالغ الطائلة التي تدفعها الحكومة على هيئة فوائد من عجز الموازنة الذي يجري تغطيته بمزيد من الديون، ما يؤثر سلباً على الإنفاق العام المتاح للتعليم والصحة والدعم، إلى جانب تدهور الاستهلاك الشخصي، وعليه يتراجع الطلب الكلي، والأهم تراجع الاستثمار المحلي.
الديون والتنمية
وبخصوص تراجع الاستثمار المحلي، ففي موازنة العام المالي الحالي 2024-2025 بلغت نسبة الاستثمارات المحلية 8.9% من الاستخدامات، بقيمة 496 مليار جنيه (19) أي نحو 10.1 مليار دولار (أقل من سدس ما دفعته البلاد خلال عامين لخدمة الدين)، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى انخفاض النمو والتشغيل وزيادة البطالة وتعميق التباطؤ.
وبطبيعة الحال، يؤدي تضاؤل المدخرات الناتج عن ضعف الرواتب والدخول، ونقص الاستثمار العمومي وهامشية الإنفاق على التعليم والمشروعات الزراعية، إلى تثبيت وضع مصر كبلد مستدين بشكل دائم. إذ أن هذه الديون الطائلة التي دخلت إلى مصر لم تساعد البلاد في التنمية الاقتصادية، بل أنُفقت على أصول لا تدر دخلاً نقديّاً مثل الطرق والعقارات في المدن الجديدة بدلاً من ضخها في استثمارات منتجة (20).
فعلى سبيل المثال، أدى إهمال القطاع الصناعي إلى عجز الاقتصاد عن خدمة ديونه من عوائد التصدير، أو عبر توفير ثمن استيراد المنتجات التي يجري تصنيعها محلياً. كما لم تعد الشركات العاملة في قطاع الأسمدة، الذي يُعد أحد أهم القطاعات الصناعية في الشرق الأوسط، والذي يُغطي كامل احتياجات السوق المحلية في مصر، ويصدر إلى الخارج بمليارات الدولارات، لم تعد الشركات العاملة فيه قادرة على الحصول على تمويل من البنوك، نظراً لارتفاع أسعار الفائدة، وارتفاع مخاطر عدم السداد، ما جعل البنوك ترفض منح شركات الأسمدة قروضاً، وفي المقابل سنجدها تفضل إقراض الحكومة والحصول على أرباح مرتفعة بدون مخاطر (21).
وكذلك أدى إهمال التنمية في القطاع الزراعي إلى تفاقم مشكلات الغذاء، ونشوء حاجات متزايدة لاستيراد السلع الغذائية من الخارج، بشكل يضغط باستمرار على ميزان المدفوعات (22). وهو ما يظهر علاقة وثيقة عكسية بين تراكم الديون الخارجية وبين وتحقيق التنمية، وليتأكد فشل نموذج التنمية القائم على الاقتراض والتحرر المالي (الذي عُنيَ التسرب المالي وخروج رؤوس الأموال) والضرائب المنخفضة على الأعمال والممتلكات، والمرتفعة على السلع والخدمات، والنمو المدفوع بالمشروعات العقارية التي تقوم بها الدولة.
وأظهرت التجربة في مصر عيوب ذلك النموذج اقتصادياً بحكم تراجع الأنشطة الإنتاجية والنمو بشكل عام، ونتيجة التركيز المهووس على التقشف من قبل صندوق النقد بهدف حماية أموال الدائنين وضمان قدرة البلاد على السداد، بدلاً من التركيز على توليد عائد يفيد الاقتصاد ومن خلفه المواطنين.
كما اتضح أن ذلك النموذج يعطل محركات التنمية في ظل انكماشيته المفرطة، ويفاقم الفجوة في توزيع الدخل والثروة، ويشجع على المضاربات والفقاعات الاقتصادية، ولا يحفز النمو بشكل مستدام، خصوصاً مع تأثيره السلبي على القوة الشرائية والاستهلاك بالنسبة لشريحة عريضة من السكان في اقتصاد يمثل الاستهلاك العائلي فيه موجهاً أساسياً لنمو إجمالي الناتج المحلي بأكثر من 80%. خصوصاً بعد أن بلغ نصيب الفرد من مدفوعات فوائد الديون الحكومية المتضخمة نحو 17.2 ألف جنيه سنوياً، في حين يقل نصيب الفرد من الإنفاق الحكومي على الصحة مثلاً عن 1900 جنيه سنوياً (23).
لتظهر أبعاد الأزمة الحالية التي تعيشها البلاد، والتي تثبت أن تلك القروض الهائلة لم تساهم جديّاً في تحقيق التنمية، وعليه أصبح من المُلِحّ بالنسبة لمصر أن تضع استراتيجية للتنمية قائمة على تعبئة الادخار المحلي وليس على التمويل الخارجي (إلا لو كان بشكل مؤقت). وهو ما يتطلب مزيداً من التحكم النقدي والمالي وضبط التحويلات المالية، مع ضبط حجم ونوعية الواردات لتقليل الاستهلاك الكمالي والمرفه، وزيادة الادخار المحلي الذي يتطلب بدوره زيادة الرواتب والدخول، واستثمار تلك الموارد في الزراعة والتصنيع.
وكل هذه الاعتبارات مرتبطة بجدولة الديون وإراحة البلاد لوهلة تلتقط فيها أنفاسها اللاهثة خلف تسديد الأقساط والفوائد، وهو أمر يتطلب قراراً سياسياً لا يبدو أن النخب التي ورطت البلاد في هذه الديون ستُقدم عليه.
بقلم : محمد جبريل – مصر
هذا المقال مأخوذ من العدد الثاني من مجلة أصوات الكوكب الأخرى على الرابط التالي : الرابط
___
مصادر:
1- الدين الخارجي يسجل أكبر تراجع تاريخي بقيمة تتجاوز 14 مليار دولار منذ ديسمبر/كانون الأول 2023
https://shorturl.at/abk8F
2- وزارة التخطيط: ديون مصر الخارجية ترتفع إلى 168 مليار دولار
https://shorturl.at/yvgh6
3- مصر تُعلن تفاصيل «صفقة رأس الحكمة» متطلعة لأثر سياسي واقتصادي مستدام
https://shorturl.at/m95d9
4- تفاصيل حزمة التمويل الأوروبية لمصر بقيمة 8 مليارات دولار
https://shorturl.at/bNmwW
5- صندوق النقد الدولي يرفع قرض مصر إلى 8 مليارات دولار
https://shorturl.at/cceba
6- دراسة: الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر: تأثير صندوق النقد الدولي وسبل الوصول إلى سياسات نقدية وغذائية واجتماعية عادلة
https://bit.ly/3Oa7zCD
7- تحليل : تعويم الجنيه لإنقاذ الاقتصاد .. قرارات مصرية تثير جدلا
https://bit.ly/40MFR6v
8- دراسة: الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر، مصدر سابق
9- القروض للحكومة.. والديون للمواطنين
https://aps.aucegypt.edu/ar/articles/1412/egypts-world-of-loans-indebt-citizens
10- Inflation, IMF austerity and grandiose military plans edge more Egyptians into poverty
https://bit.ly/40PgPE3
11- إخفاء أعداد الفقراء.. الحكومة لا تريد أن ترى
https://manassa.news/stories/16584
12- “ثري واي” للعربية: خطة “سحب السيولة” نجحت في خفض التضخم بمصر
https://bit.ly/4fQfGAo
13- في مشروع موازنة 2024- 2025 أقساط وفوائد الديون تلتهم 62% من الإجمالي الاستخدامات
https://bit.ly/40Kzkta
14- القروض للحكومة، مصدر سابق (رقم 6)
15- إيريك توسان: المال ضد الشعوب.. البورصة أو الحياة، ترجمة عماد شيحة ورندة بعث.
16- «المركزي»: مصر سددت 15.6 مليار دولار أقساط وفوائد ديون خارجية خلال النصف الأول من 2023/2024
https://www.firstbankeg.com/25430
17- دراسة: الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر، مصدر سابق (رقم 4)
18- النشرة الإحصائية للبنك المركزي المصري، مايو 2024.
19- وزارة المالية المصرية: الموازنة العامة للدولة
https://bit.ly/48Q1oNP
20- القروض للحكومة، مصدر سابق (رقم 6)
21- بنوك مصرية تتوقف “مؤقتاً” عن تمويل شركات الأسمدة بسبب مخاوف التعثر
https://bit.ly/3AAN92O
22- رمزي زكي: بحوث في ديون مصر الخارجية، ط مكتبة مدبولي 1985
23- نصيب فوائد الديون من الناتج المحلي يفوق الأجور والدعم والتعليم والصحة مجتمعين
https://bit.ly/3ANdOJD

