أزمة الدين العام في لبنان هي واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية تعقيدًا وخطورة في آنٍ واحد. تتعدد أسباب هذه الأزمة، بدءًا من الفساد المستشري في الدولة والمؤسسات العامة، وسوء إدارة الموارد، وغياب رؤية استراتيجية للنمو الاقتصادي، وصولًا إلى السياسات النيوليبرالية الكارثية التي لعبت الدور الأكبر في تراكم الديون وارتفاع الفوائد. كما أن الاعتماد على الاستدانة من المصارف الخاصة والجهات الدولية المانحة كمصدر رئيسي لتمويل الإنفاق العام زاد من حدة الأزمة على جميع المستويات، خاصةً وأن الارتباط بتلك الجهات الدولية فرض على لبنان شيئًا فشيئًا تبني سياسات نيوليبرالية أكثر تطرفًا في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية. وقد تضمنت تلك السياسات خفض الإنفاق العام، وتنفيذ برامج تقشفية، وخصخصة الخدمات العامة، وتحرير الأسواق، مما أدى إلى تفاقم الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وتفشي البطالة والفقر، وتزايد معدلات التضخم، وتدمير جزء كبير من القطاعات الإنتاجية المحلية.
وصل حجم الدّين العام إلى 258.1% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 وفقًا لمؤشر ستاندرد أند بورز 500، في حين تخطى معدل التضخم السنوي عتبة 200% عام 2023 وفقًا للمؤشر نفسه، وارتفع معدل الفقر ليشمل 44% من مجموع السكان حيث تضاعف ثلاث مرات خلال عقد واحد فقط وفقًا لتقرير صادر عن مجموعة البنك الدولي.
في مقابل تفاقم أزمة الدّين العام والأزمات السياسية والاجتماعية المرافقة لها، تبدو إمكانيات التنظيم والمواجهة المتاحة للحد من تداعيات هذه الأزمات شبه معدومة، بخاصة بعد تمكّن القوى الحاكمة من القضاء على التنظيمات النقابية العمالية الفاعلة وتفتيت الاتحاد العمالي العام، إضافة إلى تشظّي قوى اليسار وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني على مراحل، ثم فشل ما سمّي بـ “قوى التغيير” من تشكيل تنظيمات ديمقراطية قادرة على سد الفراغ السياسي بعد الانتفاضة الجماهيرية عام 2019.
بدأت أزمة الدّين العام بالتراكم تدريجيًا خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، واتخذت منحى تصاعديًا عام 1982 مع أول انهيار لليرة، ثم أخذت بالتفاقم بشكل غير عادي خلال فترة إعادة الأعمار التي تلت الحرب، حيث لجأت حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري الأولى (1992-1995) والمصرف المركزي بقيادة حاكمه لثلاثين عامًا رياض سلامة (1993-2023)، إلى سياسة الاستدانة من المصارف الخاصة بمعدلات فائدة مرتفعة بذريعة تمويل مشاريع إعادة الإعمار، في حين تعرّضت إيرادات الدولة، إضافة إلى الأرباح الناتجة عن مشاريع إعادة الإعمار، إلى هدرٍ ونهبٍ منظّم. هذا واتسمت الفترة الممتدّة من عام 2005 حتى اليوم بغيابٍ كبير للقوى السياسية الثورية، والهيئات النقابية الفاعلة، بخاصة بعد نجاح قوى الحكم بإضعاف الاتحاد العمالي العام، على الرغم من الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدها لبنان في الأعوام 2011، و2015، و2019، حتى بات المجتمع اللبناني مشرّعًا لكل أنواع السرقات، إضافة إلى تزايد التدخلات الخارجية التي بالفعل خلقت أوضاعًا أكثر تعقيدًا أسهمت في تعميق الانقسامات الطائفية وتعطيل المؤسسات الدستورية.
كان انخفاض إيرادات الدولة اللبنانية بسبب الحرب الأهلية منذ عام 1975، مقابل تزايد النفقات الجارية غير المنتجة، السبب الرئيسي لظهور الدّين العام وبدء تراكمه. توسّع عجز الموازنة وتراكم الدّين العام ونمت الكتلة النقدية بمعدلات غير عادية في فترة 1982-1985، وفي ظل الاجتياح الإسرائيلي والمعارك الداخلية المدمّرة التي عصفت بالعاصمة بيروت (والتي بلغت ذروتها لاحقًا بعد إعلان تشكيل حكومة عون العسكرية عام 1988)، مقابل إقبال متزايد على العملات الأجنبية، مما أدى إلى انهيار الليرة اللبنانية للمرة الأولى.
يقول نائب حاكم مصرف لبنان السابق غسان العياش: “خلال هذه الفترة (أي 1982-1985)، تضاعف الدّين العام أربع مرات تقريبًا، إذ ارتفع من 14 مليار ل. ل. بنهاية سنة 1982 إلى 54.4 مليار ل. ل. سنة 1985”. ويضيف من المصدر نفسه: “انتظم الإنفاق العام مع صدور الموازنة صيف 1990، بعدما استمرت الدولة خمس سنوات بدون موازنة. مكّن الأمن المستتب الدولة من استعادة السيطرة على مصادر تمويل الخزينة فارتفعت الإيرادات بنسبة 313% سنة 1991، و97% سنة 1992، فتقلّص العجز الذي انحسر إلى حوالي 56% من النفقات سنة 1991، و58% سنة 1992. إلّا أن استمرار العجز رغم تقلّصه أدى إلى نمو الدّين العام الداخلي بنسب مرتفعة، فقد ارتفع الدّين الداخلي بنسبة 66% سنة 1991 و92% سنة 1992”.
زاد الدّين العام بين عامي 1993 و1995 بمعدل 123%. واستمرّت الحكومات الحريرية المتعاقبة (1995-1996، 1996-1998، 2000-2003، 2003-2004) باتباع سياسة الاستدانة من المصارف بفوائد مرتفعة، حتى تراكمت الفوائد المستحقة بشكل خرج عن السيطرة، وزاد الدّين العام بين عامي 1995 و2000 بمعدل 171%. بدأت حكومة الحريري الرابعة عام 2000 باعتماد سياسات تقشفية قاسية، من خفض تدريجي للإنفاق العام في مجالات الصحة والتعليم والنقل المشترك ومشاريع البنى التحتية، إلى زيادة تدريجية في الضرائب والرسوم مقابل تجميد الأجور، تزامنًا مع تعميم الخصخصة في جميع القطاعات. في المقابل، تنامت حركة احتجاجية شعبية ونقابية، بقيادة بقايا الاتحاد العمالي العام. وقد اتخذت التحرّكات منحى تصاعديًا نتج عنه لائحة طويلة من المطالب الاجتماعية والمعیشية، كان أهمها إصلاح النظام الضریبي، ورفض الخصخصة وبيع الأملاك العامة، وتصحیح الأجور بما یتناسب مع ارتفاع غلاء المعیشة.
وصلت الحركة الاحتجاجية على تفاقم الأوضاع المعيشية إلى أوجّها في 27 أيار/مايو 2004، حيث شهدت جميع المناطق اللبنانية إضرابًا شبه شامل بدعوة من الاتحاد العمالي العام، وعشرات التحرّكات من اعتصامات وتظاهرات وقطع طرقات شاركت فيها القطاعات العمالية ونقابات المهن الحرّة وعشرات الألوف من المواطنين، لكن الأمر الحكومي صدر بوضع حدٍ نهائي لتنامي الاحتجاجات، وذلك من خلال ارتكاب مجزرة في منطقة محدّدة ذات طابع طائفي معيّن وهي منطقة حيّ السلّم ذات الأغلبية الشيعية، وهي أفقر مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت، لكي يتّخذ رد الفعل على القمع شكلًا طائفيًا بدوره ويُتاح المجال للقوى الطائفية الشيعية مهاجمة التحركات واتهام المتظاهرين بالتعامل مع السفارة الأميركية (كما أتى في كلمة الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصرالله بتاريخ 29 أيار/مايو 2004 في مؤتمر صحافي)، وهكذا حوصرت الحركة العمالية وتم إدخالها في دوامة من العنف الطائفي الذي تجيد قوى الحكم ضبطه والتحكّم به.
تعرّض الاقتصاد اللبناني المتعثّر أساسًا لضربة قاسية مع اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005، حيث تسببت عملية الاغتيال وما نتج عنها من توتّرات أمنية وانقسام سياسي عمودي في البلد إلى شلل كافة قطاعات الاقتصاد خلال النصف الأول من السنة. ثم أتت حرب تموز المدمّرة عام 2006 حيث استهدفت إسرائيل البنى التحتية في كافة المناطق، بخاصة مطار بيروت ومعامل الكهرباء والجسور والأنفاق، إضافة إلى عدد كبير من المصانع والحقول والمؤسسات، كما قامت بتدمير معظم الأحياء السكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت والعديد من المناطق الجنوبية والبقاعية. وبحسب مركز المساندة الاقتصادية في لبنان فإن حجم الأضرار الاقتصادية التي لحقت بلبنان جراء الحرب بلغ 9.5 مليار دولار أميركي.
عامًا تلو الآخر، استمر الدّين العام بالارتفاع (الرسم البياني أدناه) حتى وصل عام 2018 إلى 85.1 مليار دولار. واستمرت الحكومات المتعاقبة بالاعتماد على الاستدانة لتمويل العجز في الميزانية بدلًا من تنفيذ إصلاحات بنيوية في النظام السياسي والمالي ومعالجة مكامن الفساد والخلل في الإدارة العامة. فيما استمرت الصراعات السياسية التي اتخذت طابعًا رجعيًا طائفيًا، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية المباشرة من قبل القوى الإقليمية والدولية (وبالتحديد سوريا وإيران والولايات المتحدة)، بتقويض كل إمكانات النمو والتعافي الاقتصادي، حتى وصلت الحكومة إلى مرحلة عجزت فيها عن سداد الديون المتراكمة.
المصدر: وزارة المال اللبنانية، بلوم إنفست بنك
يمكن ملاحظة ارتفاع الدّين العام الخارجي (باللون الأحمر في الرسم البياني أدناه) بعد عام 1993 حتى عام 2005 بشكل مطرد، وهي أيضًا الفترة التي أقيمت فيها اتفاقيات باريس 1 (2001) وباريس 2 (2002) في فرنسا حيث بلغ مجموع الأموال المقدمة بحسب الاتفاقيتين حوالي 5 مليارات دولار، ما يدل على إصرار الحكومات الحريرية النيوليبرالية تمويل المشاريع الكبرى بالاقتراض من المؤسسات الدولية والدول المانحة دون أي رؤية اقتصادية واضحة أو استراتيجية مستدامة. وقد ارتفعت في هذه الفترة معدلات الفائدة على القروض بسبب المخاطر المرتبطة بالاقتصاد اللبناني، وتفاقم عجز الموازنة العامة، مما زاد من عبء الدّين العام. وبدلًا من أن تكون هذه الاتفاقيات داعمةً للاقتصاد اللبناني “المتعثّر”، تحولت إلى عبء إضافي عليه وساهمت في ازدياد تعقيد أزمة المديونية.
المصدر: وزارة المال اللبنانية، بلوم إنفست بنك
هذا فيما بلغ مجموع الأموال المقدمة بحسب اتفاقية باريس 3 عام 2007، التي وقعتها حكومة فؤاد السنيورة (وهي امتدادٌ للنهج الحريري النيوليبرالي)، حوالي 7.6 مليارات دولار. شملت الجهات المانحة نحو 40 دولة و14 هيئة دولية، من بينها دول مجلس التعاون الخليجي، وفرنسا والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. لكن الحكومات اللبنانية المتعاقبة استمرت في اتباع نفس النهج القائم على الاقتراض من الخارج، وبشكل متزايد، إذ حصلت حكومة سعد الحريري على قروض بقيمة 10.2 مليار دولار في مؤتمر “سيدر 1”. واللافت هو استمرار الجهات الدولية المانحة في إقراض الحكومات اللبنانية رغم عدم تنفيذ هذه الحكومات للإصلاحات الهيكلية والقطاعية والمالية المتفق عليها، مما يثبت نية توريط لبنان في دوامة الديون الخارجية، على الرغم من الفساد السياسي والإداري المستشري وحجم الدين العام الداخلي.
استمر الاستقطاب والاستقطاب المضادّ حول قطبي 8 و14 آذار لسنوات، وبدرجات متفاوتة، مما ضاعف من المخاطر المرتبطة بالاقتصاد، حتى اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011، وكان للبنان حصّةً منها، إذ شارك عشرات الألوف من اللبنانيين في تحرّكات طالبت بـ “إسقاط النظام الطائفي” وبناء دولة علمانية ديمقراطية، وكانت هذه التحركات تحت هذا العنوان هي الأولى من نوعها منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية.
لكن التحرّكات اللبنانية بدأت بالتراجع لحظة اندلاع الانتفاضة الشعبية الكبرى في سوريا ضد نظام الأسد الديكتاتوري، فقد تحوّل اللبنانيون إلى مشاهدين لأوسع حملة قمعٍ دموي لم يسبق للمنطقة أن شهدت لها مثيلًا، وفي نفس الوقت استقبلوا أعدادًا ضخمة من اللاجئين السوريين الهاربين من بطش النظام، ثم أتت صدمة تأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” لتعود الانقسامات إلى مربعها الأول ويهيمن على جزء كبير من اللبنانيين والسوريين الاعتقاد بضرورة الاختيار بين “أهون الشرّين”.
منذ البداية، لم تقم السلطات اللبنانية بتنظيم اللجوء بشكلٍ يضمن كرامة اللاجئين السوريين من جهة ويعالج نتائج اللجوء الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، ونتج عن هذا الفشل تجاهلًا للدولة من قبل المجتمع الدولي الذي قام بتحويل معظم المساعدات المالية إلى منظمات غير حكومية، خارج إطار الرقابة من قبل الدولة، ما أدى بدوره إلى اغتناء عدد من المستفيدين على حساب قضية اللجوء السوري. وقد تسبب هذا الفشل الحكومي على المدى البعيد بضغطٍ كبير على الموارد والخدمات العامة والبنى التحتية التي لم تستطع السلطات تطويرها بسبب عجز الموازنة المتراكم، إضافة إلى توترات اجتماعية بين بعض المجتمعات المحلية واللاجئين. وقد ساهم كل ذلك بزيادات أكبر في الدّين العام.
شهد لبنان حراكًا نقابيًا ضخمًا عام 2013 بقيادة “هيئة التنسيق النقابية”، وهي، كما يشير رائد شرف في المفكرة القانونية، “إطار تنظيمي وتنسيقي لستّ رابطات ونقابة أساسية تُمثل موظفي القطاع العام وأساتذة التعليم ما قبل الجامعي في القطاعين الخاص والرسمي”. لكن هذا الحراك النقابي كان الأخير من نوعه، إذ كانت الهيئة مخترقة من قبل نقابيي الأحزاب الحاكمة، وتمكّن أولئك من السيطرة عليها وتحييدها، بدءًا بإقصاء الشيوعيين في انتخابات روابط الأساتذة عام 2015 من خلال تحالف برجوازي عابر للخلافات السلطوية بين قوى الحكم، حيث جمع التحالف أحزاب 8 آذار و14 آذار وجميع “الوسطيين”. كان القرار بإبعاد الشيوعيين عن المراكز النقابية حاسمًا وصارمًا لدرجة أنه تخطّى كل الخلافات الحادّة بين القطبين البرجوازيين المتصارعين على السلطة والتي لم تخلُ من الاغتيالات السياسية.
عام 2015 اندلعت احتجاجات محدودة سمّيت بـ “انتفاضة النفايات” على إثر اجتياح النفايات لشوارع بيروت والمناطق اللبنانية لفترة أسابيع. اتخذت الاحتجاجات طابعًا سياسيًا منذ اليوم الأول، إذ نادت بإسقاط حكومة تمام سلام (2014-2016) وبتنفيذ إصلاحات على رأسها “إلغاء الطائفية السياسية”، كما تحولت إلى احتجاج على الظروف الاقتصادية والاجتماعية من بطالة وتضخّم مفرط وزيادة للدين العام. لكن الحكومة تمكّنت من الالتفاف على الاحتجاجات قبل تصاعدها عبر إقرار خطّة وزير الزراعة أكرم شهيب والتي لم تطرح حلولًا جذرية لقضية مطامر النفايات بل كانت بمثابة حقنة مورفين لا أكثر.
هدأ الشارع المطلبي لمدة 4 سنوات بشكل نسبي، حتى أتى الانهيار الشامل للاقتصاد عام 2019 حيث واجهت المصارف اللبنانية أزمة سيولة حادّة، مما أدى إلى فرض قيود صارمة على سحب الأموال وتحويلها. فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها خلال عامي 2019 و2020 فقط، ودخل البلد في حالة من الشلل التام عانى فيها اللبنانيون من شحٍّ في المواد الأساسية، وتوقّفت محطات الإرسال وضخّ المياه عن العمل بفعل انقطاع التيار الكهربائي، وخسر المئات من المرضى حياتهم بسبب النقص في الأدوية واحتكارها وتخزينها لبيعها بأسعار مضاعفة من قبل تجار الجملة، وتحوّلت العاصمة بيروت إلى مدينة للأشباح لفترة طويلة من الزمن، لا ضوء فيها ولا حياة، وتراكمت طوابير الانتظار أمام الأفران ومحطات الوقود في كل المناطق، وانتشر السارقون والنشّالون ومروّجو المخدرات، إضافة إلى تفلّت السلاح مقابل غياب الأجهزة الأمنية التي شهدت استقالة وتقاعد وفرار الآلاف من العناصر والرّتباء وحتى الضباط. ولا يزال تراجع المؤسسات الأمنية العاجزة عن الصمود أمام الانهيار الاقتصادي مستمرًا.
وبحلول عام 2021، بلغ مجموع الدّين العام حوالي 95.93 مليار دولار (الرسم البياني أدناه)، انقسم بين 36.24 مليار دين خارجي و59.69 مليار دين داخلي. ويشهد الدّين الخارجي ارتفاعًا كبيرًا منذ ذلك الوقت مقابل انكماش الدّين الداخلي، ففي العام 2022 بلغ مجموع الدّين العام 99.28 مليار دولار، انقسم بين 38.73 مليار دين خارجي و60.55 مليار دين داخلي، وعام 2023 بلغ مجموع الدّين العام 102.46 مليار دولار، انقسم بين 41.57 مليار دين خارجي و60.89 مليار دين داخلي.
المصدر: وزارة المال اللبنانية، بلوم إنفست بنك
استمرار الوضع الراهن، بعد مرور 5 سنوات على بدء الانهيار الاقتصادي، من دون تنفيذ أي إصلاحات حقيقية، أو حتى إقرار خطّة للحدّ من تضخم الدّين العام، وفي ظل تعطّل الانتظام العام والفراغ الرئاسي المستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، يضع لبنان أمام أخطار داهمة. غياب القرار السياسي والاستقرار الأمني، بخاصة بعد انقضاء حوالي سنة على المعارك اليومية بين “حزب الله” وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وما تخلّفه من دمارٍ واسع وشللٍ في القطاعات الاقتصادية في مختلف المناطق اللبنانية، كل ذلك يهدّد بفقدان المصرف المركزي لما تبقى من احتياطي بالدولار وعودة الليرة إلى التدهور، في الوقت الذي يحيك فيه أصحاب المصارف مؤامرة علنية للاستيلاء على أصول الدولة وتحميل مسؤولية توزيع خسائر الانهيار للمودعين الصغار والطبقات الفقيرة والمتوسطة. وتثير توقعات صندوق النقد الدولي مخاوف أكبر (الرسم البياني أدناه)، حيث تشير إلى احتمال وصول حجم الدّين العام إلى 547.5% من الناتج المحلي عام 2027.
المصدر: الحكومة اللبنانية، تقديرات وتوقعات صندوق النقد الدولي
في ظل هذا الوضع، تبرز فئات مستفيدة من الدين العام ومن إطالة زمن الانهيار الاقتصادي والمالي الذي تشهده البلاد. في مقدمة المستفيدين نجد أصحاب المصارف الخاصة، والشركات التجارية التي تحتكر ثلثي السوق اللبنانية، بالإضافة إلى الأحزاب البرجوازية الطائفية الحاكمة، وبعض العائلات السياسية وعدد من النافذين سياسيًا، وكذلك كارتيلات المطاحن والنفط والمقالع والكسارات.
هذا، ويلعب “حزب الله”، وتحديدًا منذ انتخاب حليفه السياسي ميشال عون رئيسًا للجمهورية عام 2016، دورًا كبيرًا في مفاقمة الدين العام، حيث يتيح له نفوذه الكبير التأثير في القرارات الاقتصادية والمالية بطريقة تدعم مصالحه وأجندته الخاصة. ترتبط هذه الأجندة بالأجندة الإيرانية في المنطقة وتتعارض بشكل كبير مع استقلالية الدولة اللبنانية ومؤسساتها. إذ تهدف الأجندة الإيرانية في الشرق الأوسط عامةً إلى تعزيز الاقتصادات الموازية، وشبكات الأنشطة غير الشرعية التي تُمارَس خارج نطاق الرقابات الحكومية، مما يؤدي إلى تقويض الإيرادات وزيادة عجز الخزائن، وبالتالي زيادة الدين العام. يكاد لا يمرّ قرارٌ اقتصادي أو مالي أو سياسي في لبنان دون موافقة “حزب الله”، من خارج آليات الانتظام الدستوري والتصويت بالأكثرية سواء في المجلس النيابي أو الحكومة. الأمر نفسه ينطبق على القرارات القضائية، حيث يمارس “حزب الله” نوعًا من الوصاية على القضاء من أصغر الملفات إلى أكبرها وأخطرها.
تحت مظلّة “حزب الله” تبرز مجموعات جديدة من رجال الأعمال والمستثمرين الذين يعتمدون على علاقتهم بالحزب لضمان مصالحهم وفرض اقتسامهم حصة كبيرة من السوق اللبنانية. ويبرز أيضًا موقف “البرجوازية الشيعية” منذ انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 2019 كعائق رئيسي أمام أي تحرك جاد نحو قطيعة جذرية مع النظام السياسي اللبناني، وبالتالي فإن هذا الموقف يشكّل عائقًا أمام التخلص من الدين الكريه الذي راكمته البرجوازية اللبنانية من خلال الفساد والنهب المنظم الذي مارسته على حساب المصلحة العامة والأجيال القادمة، وراكمت على أساسه ثروات هائلة. لكن في المحصلة، فشل “حزب الله” في الحفاظ على إرث الحريرية السياسية والدفاع عن حكومة سعد الحريري بوجه الانتفاضة الشعبية، حيث أعلن الحريري استقالته بعد 13 يومًا من اندلاع الانتفاضة، مما جعل الحزب يتحمّل عبء مسؤولية السلطة التنفيذية بشكل مباشر ويقوم بفرض تعيين رؤساء لم يكونوا على قدر المسؤولية، ومن دون وجود حلفاء من الطائفة السنية يشاركونه هذا العبء (بحسب توزيع السلطة وفقًا للنظام الطائفي، يجب أن يكون رئيس الحكومة مسلمًا سنيًا).
لم يكن الحل لأزمة الدّين العام في لبنان يومًا منفصلًا عن الحل الشامل القاضي بإحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي اللبناني، فلا يمكن تغيير منهجية النمو الاقتصادي، وتوزيع الثروة بشكل أكثر عدالة ومساواة، واتخاذ قرارات حاسمة وفعالة لمعالجة الأزمات الاقتصادية في ظل النظام البرجوازي الطائفي، وأمامنا تاريخ يمتدّ إلى عشرات العقود يثبت صحة هذا الادّعاء. وفي ظل الظروف الاجتماعية الكارثية، والهجرة الكبيرة للشباب الفاعل في حقل السياسة، وبعد فشل انتفاضة 2019-2020 من إحداث أي تغيير حقيقي في المشهد السياسي، تتراجع إمكانيات التنظيم والمواجهة إلى درجة انفراط جميع التنظيمات الناشئة التي نشطت خلال العقد الأخير.
لقد انبنى الاقتصاد اللبناني بعد الحرب على أساس الاستدانة لـ “تمويل المشاريع العامة” و”إعادة الإعمار”، والخصخصة لـ “تحفيز النمو”، منذ أن تسلم رفيق الحريري حكومته الأولى عام 1992. ومنذ ذلك الحين، شهد لبنان تحولات كبيرة في هيكليته الاقتصادية، واعتمدت الحكومات المتعاقبة على إصدار سندات الدين بشكل متفلّت لجذب الأموال، وخصخصة جميع القطاعات بشكل تدريجي، بما في ذلك الاتصالات والطاقة والنقل. هذا الاتجاه الذي تبنّته الحكومات المتعاقبة نَتَج عنه نموٌ اقتصادي قصير المدى وغير مستدام، إلى أن بدأت تكاليف الفائدة على الدين تتزايد، بالتزامن مع تفشي الفساد واستشراء المحسوبية، واستفادة قلّة من النخبة الحاكمة والمستثمِرين المتحلّقين حولها عبر مراكمة المليارات من الدولارات كأرباح غير شرعية. وقد تفجّرت تناقضات هذا الاقتصاد القائم على الريوع بشكل نهائي عام 2019، حيث لم يعد من الممكن الاستمرار في اتباع نفس سياسات الترقيع. وبدأ المودعون الكبار، بالتشارك مع أصحاب المصارف والنافذين في الدولة، بتهريب الودائع الضخمة خارج البلاد، بعد أن راكموا لسنوات طويلة الثروات المتأتية من الفوائد المرتفعة.
يمر لبنان الآن في فترة رمادية تمامًا، وسط غياب تام للحلول وإمكانيات المعالجة للانهيار. حتى إن “وصفات” صندوق النقد الدولي باتت خارج الواقع، ولم يعد ما تقدّمه الجهات الدولية كافيًا لسدّ العجز وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكن الاحتقان الاجتماعي في تراكمٍ مستمر، ولا يمكن في أي لحظة استبعاد انفجار شعبي جديد، يمكن على إثره استنهاض الهمم والدعوة للتنظيم والكفاح بوجه الطبقة الحاكمة. وهناك حاجة ملحّة لوجود بدائل حقيقية ومطالب عملية إلى جانب تغيير النظام السياسي، أهمها إعادة هيكلة الدين العام وجدولة الديون، بل وإلغاء ما يمكن اعتباره ديونًا كريهة استخدمت لسنوات لكي يتربّح منها قلة من النافذين سياسيًا وماليًا، وبمعرفة تامّة من الجهات الدائنة التي لم تشترط في كل مؤتمر واتفاقية إجبار الحكومات اللبنانية على إقامة الإصلاحات المطلوبة قبل إعادة إقراضها، وذلك ضد إرادة الشعب اللبناني وعلى نحو يتعارض مع مصالحه.
بقلم: هاني عضاضة – التجمع الشيوعي الثوري في لبنان
هذا المقال مأخوذ من العدد الثاني من مجلة أصوات الكوكب الأخرى على الرابط التالي : الرابط
