في وقت كتابة هذه المقالة (30 سبتمبر 2024)، لا يزال السودان عند مفترق طرق خطير: فإما أن يصبح دولة تحكمها رغبات مواطنيه المتنوعة في تطبيق سيادة القانون، والتنمية العادلة والمستدامة، والديمقراطية، والعدالة للجميع، أو أن يتوارى كدولة موحدة من خلال التفكك إلى “بانتوستانات”، وذلك على أساس انقسامات إقليمية وعرقية يديرها أمراء حرب وترتبط بأطراف إقليمية وعالمية (حكومية وغير حكومية). خلال معظم تاريخه السياسي المستقل، كان السودان منقسماً بين رؤيتين وقوتين: نخبة سياسية أغلبها من الكومبرادور التابع لقوى الاستعمار، تفتقر إلى الخيال لبناء أمة تتجاوز الاستعمار، وحركات اجتماعية مثابرة تحلم بإنهاء الاستعمار وتحقيق السيادة والديمقراطية. في السنوات التي تلت الاستقلال، تصادمت هاتان القوتان مع رؤى مختلفة لبناء الأمة: أفعال النخبة الكومبرادورية من الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، وأفعال الحركات الاجتماعية المقاومِة لذلك عبر الانتفاضات الشعبية والثورية. وصمود الشعب السوداني في مواجهة هذه التحديات هو شهادة على قوته وعزيمته.
إدراك القضايا الراهنة في السودان يتوقف على فهمٍ واضح لتاريخه بعد الاستعمار. يغطي هذا التاريخ فترات صعود وسقوط الديكتاتوريات والثورات الشعبية التي سعت للإطاحة بها. إن فهم هذا التاريخ ليس فقط مفيداً بل ضرورياً لوضع استراتيجية تنمية ناجحة. في الأقسام التالية، سأتعمّق في الحالة السودانية من خلال ثلاثة زوايا: استكشاف كيف أن “التنمية المتعثرة” التي تسببت بها مؤسسات بريتون وودز أضعفت أحلام دول الجنوب العالمي بعد الاستعمار، ونظرة عامة على سياسة السودان ما بعد الاستعمار، ونبذة عن الوضع في السودان. وسأختتم بعرض طريق محتمل لتصور مستقبل مختلف للسودان، مقدماً الأمل على الرغم من التحديات الحالية.
مؤسسات بريتون وودز وفرض التنمية المتعثرة على الجنوب العالمي
بعض التحديات الرئيسية التي واجهت الدولة السودانية بعد الاستقلال لم تكن حكراً على السودان، بل كانت مشتركة عبر دول الجنوب العالمي. تضمنت هذه التحديات بناء دولة جديدة تقوم على التنوع، والديمقراطية، والاكتفاء الاقتصادي، إلى جانب قطاعات تربوية وطنية وزراعية وصناعية قوية. رغم ذلك، وأثناء النضال من أجل الاستقلال في السودان، اقترح قادة مقاومة الاستعمار أن هذه التحديات تتطلب وضع خطط وطنية محددة تتناسب مع خصوصية السودان وترتبط بسيادته. ومع ذلك، اختارت النخبة الكومبرادورية مساراً مختلفاً لبناء الدولة: وهو ربط الدولة الجديدة بالقوة الاستعمارية السابقة والمدن الحضرية الكبرى، بما في ذلك المؤسسات المالية العالمية مثل مؤسسات بريتون وودز (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية… إلخ.). فرضت هذه المؤسسات سياسات تجريبية كارثية (أو تدابير مشروطة) تحت ذريعة التنمية والتحديث، مما أدى إلى تراكم الدين الوطني دون نتائج إيجابية. وكانت التدابير المشروطة، المعروفة أيضاً ببرامج التكيف الهيكلي، التي شملت إلغاء تمويل الخطط الوطنية المتعلقة برفاهية السكان وتنفيذ سياسات التقشف الطويلة الأمد، لها تداعيات خطيرة على اقتصاد البلاد وإنماء القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والزراعة والصناعة.
يمكن اعتبار السياسات التي نفذتها مؤسسات بريتون وودز في اقتصاد السودان “إنجازاً تراجيدياً” للنظام المالي العالمي. على الرغم من ادعاءاتها بتعزيز “التنمية” و”التحديث”، أدت تدابيرها المشروطة إلى إنشاء هياكل معرقلة للتنمية وزيادة ديون الدولة إلى مستويات متسارعة. وقد أعاقت هذه النتيجة أي احتمال لدعم رفاهية السكان عبر العديد من القطاعات الحيوية، مما يبرز الطبيعة المتناقضة لتدخلاتها.
لقد ساهمت التدابير المشروطة والممارسات العالمية التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية، المدعومة من دول الشمال القوية، في تفاقم الفجوات البنيوية في التجارة العالمية، مما أدى إلى ظهور أزمة متعددة الأبعاد. من جهة، كانت برامج التكيف الهيكلي (SAPs) في الثمانينيات تمنع معظم دول الجنوب العالمي من الاستثمار في القطاع الزراعي – حيث فرض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي شروط قروض استثنت السيطرة الحكومية على القطاعات الحيوية مثل الزراعة والتعليم والصحة والصناعة، مما أضر برفاهية السكان وأوجد اعتماداً على الجهات الخارجية (حكومية وغير حكومية). وفي الوقت ذاته، كانت دول الشمال تقوم بعكس ذلك تماماً.
لم تتمكن دول الجنوب العالمي من الاستثمار وتطوير السلع الزراعية بسبب القيود المفروضة على القروض، والفوائد العالية غير المبررة، ونظام التجارة العالمية غير المتوازن. وقد زادت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من إنتاجهما الزراعي من خلال الاستفادة من سياسات الدعم، والتعريفات الجمركية، واتفاقيات “التجارة الحرة”، وأنظمة الكوتا غير المتكافئة. أدى الإفراط في إنتاج السلع الزراعية الذي قادته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى هيمنة هذه السلع على الأسواق العالمية. وأصبحت دول الجنوب العالمي أماكن للتخلص من المحاصيل الزائدة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي غالباً ما تُباع بأسعار أقل من أسعار المحاصيل المحلية، مما يتسبب بخروج المزارعين المحليين من السوق. من جهة أخرى، مُنِعت دول الجنوب العالمي من اتباع سياسات مشابهة لدعم قطاعاتها الزراعية، وأجبرت على قبول اتفاقيات “التجارة الحرة” غير العادلة التي جعلت من منتجاتها الزراعية باهظة الثمن. ونتيجة لذلك، فقدت دول الجنوب العالمي الفرص واحدة تلو الأخرى لتعزيز قطاعاتها الزراعية المحلية، وهو ظلم فادح في نظام التجارة العالمية يجب أن يثير شعوراً بالاستياء لدينا جميعاً.
لقد أجبرت هذه السياسات الممنهجة للتنمية المتعثرة دول الجنوب العالمي على استيراد السلع الزراعية والغذائية الأساسية من الدول الأكثر ثراءً. وقد عزز هذا النظام التجاري العالمي القطاعات الزراعية في الشمال العالمي بينما دمر الرفاهية الاجتماعية في الجنوب العالمي. وبالتالي، أصبحت دول الجنوب العالمي هشّة وغير قادرة على توفير الغذاء لمواطنيها. وفيما بعد، أصبحت النزاعات العنيفة، والهجرة الداخلية والخارجية، والأمراض، ونقص الغذاء، والمجاعة متجذرة في دول الجنوب العالمي. كانت ظاهرة المساعدات الغذائية ردة فعل على التدمير الذي تسببت فيه مثل هذه السياسات البنيوية، حيث أجبرت دول الجنوب العالمي على تقديم الولاء السياسي مقابل المساعدات الغذائية من الدول الغنية. وغالباً ما يُستخدم “كرم” الدول المانحة كأداة سياسية للتلاعب بخطط “التنمية” في الدول المستفيدة تلبية لمصلحة الدول المانحة.(1)
علاوة على ذلك، يبتعد خطاب التجارة الحرة جذرياً عن واقعه العملي. فكرة التجارة الحرة تفترض تبادلاً متكافئاً يعتمد على قوى السوق المحايدة التي تحدد قيم السلع والخدمات. ولكن الواقع هو أن التجارة غير متكافئة، ومركّزة بشدة. ومن أسباب عدم التوازن التجاري برامج التكيف الهيكلي في الثمانينيات (SAPs)، وهي مجموعة من السياسات الاقتصادية القائمة على الخصخصة الصارمة للقطاعات العامة، وفتح الاقتصاديات الوطنية أمام الشركات متعددة الجنسيات، وتدابير التقشف التي نفذها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتحفيز النمو الاقتصادي في الدول المتأثرة. منعت هذه البرامج معظم دول الجنوب العالمي من الاستثمار في المنتجات الزراعية ذات القيمة المضافة، بينما كانت دول الشمال العالمي تفعل العكس تماماً. وقد أضعفت هذه السياسات معظم الاقتصاديات الوطنية في الجنوب العالمي وجعلتها معرّضة لتأثيرات النظام المالي العالمي.
النظام التجاري العالمي الحالي هو نظام يعاني من اضطراب وظيفي ويعزز اختلال التوازن في التجارة. على سبيل المثال، فإن حقوق الملكية الفكرية والصناعية (IPR)، التي تتأثر بالجهات الدولية القوية مثل الشركات متعددة الجنسيات، ودول الشمال القوية، ومنظمة التجارة العالمية (WTO)، قد اختطفت حق الجنوب العالمي في “التنمية”، حيث جسّدت التحرير التام للتجارة الخارجية تبعاً لمصالح الدول الأقوى في الشمال العالمي. وقد حرمت هذه الممارسات دول الجنوب العالمي من حقوقها في اتباع المسار الذي يناسبها للتنمية المستدامة، وفي الحصول على الحماية المطلوبة لبيئتها، وإدارة القطاعات الزراعية وأنظمة الغذاء المحلية عبر العمليات المباشرة.(2)
سياسة السودان ما بعد الاستعمار
من جهة، استثمرت النخبة الكومبرادورية منذ استقلال السودان في عام 1956 في العسكرة ودعم الجهات غير الحكومية بدلاً من بناء مؤسسات الدولة. أدى هذا الاستثمار إلى إخضاع كافة أطياف الشعب السوداني لبنية شبه كولونيالية في دولة عرقية كانت تعامل المواطنين كرهائن وبقبضة أمنية شديدة، دولة خاضعة لسيطرة اجتماعية وتحكمها أيديولوجيات وسياسات قسرية معينة. في الوقت نفسه، وعلى مدار تاريخها، الذي اعترضته فترات وجيزة من الثورات الشعبية، اتبعت النخبة الكومبرادورية سياسات عامة تروّج لمنطق اقتصاد “السوق الحرة” وخيارات التقشف النيوليبرالي. عملت هذه الأيديولوجيات والسياسات على إحباط الشعب السوداني (من خلال الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية) ومنع السودانيين من الانخراط في العمل الاجتماعي وتخيل بناء دولة غير خاضعة للاستعمار وذات سيادة.(3)
ومن جهة أخرى، أظهرت الحركات الاجتماعية السودانية مرونة استثنائية، حيث أنتجت نماذج مبتكرة من المقاومة لتوجيه تحركاتها نحو بدائل مدنية وديمقراطية للأنظمة الشمولية. لقد أدت التعبئة والتنظيم المدروس والصبور للجماهير إلى الإطاحة بثلاثة أنظمة دكتاتورية، وإنهاء حربين أهليتين، وفتح باب التجارب المحدودة نحو الانتقال الديمقراطي. كان ذلك واضحاً في الانتفاضات الشعبية في أكتوبر/تشرين الأول 1964 وأبريل/نيسان 1985، وأحدث انتفاضة في عام 2018.
على سبيل المثال، في ديسمبر 2018، نجحت الحركات الاجتماعية السودانية، تحت مظلة جمعية المهنيين السودانيين (SPA) ولاحقاً قوى إعلان الحرية والتغيير (FFC)، في تعميم شعار “حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب” لجذب الانتباه إلى السياسات الفاشلة لحزب المؤتمر الوطني الإسلامي (NCP) وإدانة إخفاقاته على مستويات الحكم والتنمية وسيادة القانون. ومن الجدير بالذكر أن SPA وFFC انخرطا بشكل عاجل في تجسيد شعار الشعب، واتخذا عدة خطوات لتبنيه وتشكيل ائتلاف واسع لتحقيق أهدافه. قاما أولاً بدعوة جميع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني للمشاركة في تحالف جديد واسع، هو إعلان الحرية والتغيير (DFC)، الذي تم التوقيع عليه في 1 يناير/كانون الثاني 2019. ضم الائتلاف الجديد أحزاباً سياسية ومنظمات المجتمع المدني المعارِضة للنظام الدكتاتوري، واتفق على برنامج انتقالي محدد للتعافي على أن تنفذه حكومة مدنية بعد الإطاحة بالحكم الديكتاتوري. ظهرت الحركة الاجتماعية الجديدة خلال انتفاضة ديسمبر/كانون الأول بقيادة SPA (4)، وكانت رؤيوية لأنها فهمت حتمية التغيير الاجتماعي وركزت على المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الملحة. استقطبت الحركة إلى صفوفها ضحايا النظام، بما في ذلك الشباب والنساء والريفيين ومثقفي المدن. وبهذه الطريقة، تمكنت من خلال التحامها بالقاعدة الشعبية من إنشاء كتلة حاسمة ومنظمة للغاية وسرية، مصممة بعناية، شاملة وقابلة للمساءلة. شاركت SPA، التي ضمت العديد من الجمعيات المهنية المحظورة من قبل النظام، بما في ذلك جمعيات الأطباء الشباب، والمزارعين، والمحامين، والمعلمين، والعمال، وغيرهم من موظفي الخدمة المدنية، في أساليب جديدة من الاحتجاج. استخدموا أماكن العبادة والتعليم، والأحياء، ومراكز المجتمع الريفي، واستعملوا أدوات وتقنيات مختلفة للاحتجاج، بما في ذلك الأشكال الثقافية والفنية، للوصول إلى العديد من شرائح المجتمع، سواء داخل السودان أو خارجه. وبهذا، تمكنوا من نشر رسالتهم، وكشف جرائم النظام ونقاط ضعفه. على سبيل المثال، سمح لهم تركيزهم على الفساد داخل الحزب الحاكم بانتقاد العلاقة بين الدولة والدين، من جهة، وسياسات التقشف النيوليبرالي، من جهة أخرى.
الوضع الدقيق للسودان
إن الأنماط التاريخية لدمج السودان في النظام الاقتصادي العالمي موثقة جيداً، وتتشكل من خلال الروابط البنيوية بين اقتصاد البلاد واقتصادات أوروبا وأميركا الشمالية (الشمال العالمي). في فترة ما بعد الاستقلال، ظلت الأنشطة الاقتصادية المختلفة وسلاسل التوريد في السودان مرتبطة بشكل مستمر بمستعمريه السابقين. منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، كان تدفق المنتجات والمعرفة والمعلومات بين المنتجين والمستهلكين يجري بسهولة أكبر عبر البحار مقارنة بالدول الإقليمية والمجاورة. اليوم، لا يزال للسودان علاقات تجارية أكثر رسوخاً مع الشمال العالمي مقارنة بالدول المجاورة أو الإقليمية أو دول الجنوب العالمي. وقد أُقيمت هذه العلاقات التجارية مع الشمال العالمي خلال فترة الاستعمار وتعززت في الثمانينيات من خلال اتفاقيات التجارة الحرة التي زادت من تورط السودان في نظام تجارة عالمي غير عادل. ولا يزال دور السودان يقتصر على توفير المواد الخام فقط في هذا النظام التجاري. وقد كلفت هذه الوضعية السودان كثيراً، لأن إنتاج السلع النهائية يُعتبر الوسيلة الأكثر ربحية في هذا النظام. وقد منعت هذه الوضعية السودان من تشييد البنى التحتية اللازمة لاتخاذ قرارات سيادية في أكثر القطاعات حيوية والتي تمكنه من دعم سكانه وتوفير مسارات مستدامة تتناسب مع احتياجات البلاد وسياقها.
من ناحية أخرى، فإن البنية العالمية التي تفرض العلاقات القانونية والمالية والاقتصادية والسياسية الحالية، هي في الواقع بنية تفرض علاقات تبعية، حيث يجري تعزيز هيمنة اجتماعية واقتصادية وسياسية فاضحة ترتبط بالبنى الاستعمارية والعرقية القديمة. مما يترك دول الجنوب العالمي مع خيارات قليلة للصمود، مثل فتح أسواقها للسلع الأساسية منخفضة التكلفة من الأسواق العالمية. وبالتالي، فإن الدعوة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بحلول عام 2030 – ورغم كونها أهدافاً نبيلة وإنسانية – تبدو بعيدة عن التحقيق مع الهيكل المالي العالمي الحالي. لذا، هناك حاجة ماسة لتوظيف جهد منهجي وجماعي لتجسيد السيادة كحق أساسي للدول لإزالة الاختلالات البنيوية التي أعاقت دول الجنوب العالمي عن تحقيق المساواة والعدالة في المقام الأول.
تخيل مسار مختلف للسودان
يجب ألا تتخلى الحركات الاجتماعية السودانية عن إقامة تحالف ديمقراطي واسع لمواجهة مشاكل السودان المزمنة ومنع البلاد من الاختفاء كدولة موحدة ذات سيادة. تحتاج القوى المؤيدة للديمقراطية إلى تكوين تحالف واسع لتحقيق أحلام المشروع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المناهض للاستعمار مقابل المشروع النيوليبرالي المدمِّر. يجب أن يحترم هذا المشروع البديل التطلعات التي حفزت انتفاضات الشعب السوداني. سيتطلب ذلك من أي حكومة انتقالية العمل على تحقيق أهداف واضحة أنتجتها الانتفاضات الشعبية مراراً وتكراراً. هذه الأهداف هي: (1) تنفيذ خطة اقتصادية وطنية للتعافي الفوري تتجاوز تدابير التقشف؛ (2) إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإحياء المجتمع المدني استناداً إلى سيادة القانون؛ (3) دمج مطالب التحول العادل في جميع الخطط التنموية؛ (4) تعزيز ثقافة السلام ضمن النسيج الاجتماعي للمجتمع؛ و(5) تجاوز الدولة نفسها، لتحقيق الأهداف والمبادئ الموجهة التي وردت في إعلان الحرية والتغيير (DFC).
بالإضافة إلى ذلك، فإن خلق مثل هذا المسار الجديد سوف يتطلب شيئاً آخر غير توجيه الأهداف المستقبلية. سيتطلب الأمر مواجهة إرث الفظائع في الماضي وتصوّر تحقيق العدالة بعيداً عن أساليب العقاب. تتطلب هذه العدالة تخطيطاً مدروساً وتنفيذاً لمطالب الناس بالأمن الإنساني والعدالة والكرامة لجميع السودانيين. ولن تكون هذه النتائج قابلة للتحقيق إلا من خلال إلغاء الدين الخارجي الوطني للسودان، وتطوير خطط سيادية وشفافة للتنمية العادلة، وإنشاء نظام تنظيمي لحوكمة الاستثمار الأجنبي المباشر للتعامل مع التدفقات غير المشروعة لرأس المال من البلاد، وتطوير مؤسسات الدولة لتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وأخيراً، تركيز جميع خطط التنمية ضمن سياق السيادة والاكتفاء الذاتي.
على مدى الثمانية والستين عاماً الماضية، ثبت أن وصفات نموذج التنمية الذي تتبناه مؤسسات بريتون وودز فاشلة بالكامل، وقد أدت إلى دمار لا يُحتمَل. يوجد بديل لهذا النموذج في رؤية تؤكد على ضرورة وجود حكومة سيادية تحتضن التعددية في الحكم وتقبل ثراء الهوية والثقافات واللغات المتنوعة في السودان. فقط من خلال تحقيق هذه الرؤية يمكن أن يحقق الشعب السوداني خطوة على طريق تجاوز آلام الماضي. قد تكون هذه الإجراءات السياسية هي ما يحتاجه الشعب السوداني أكثر من أي شيء آخر للتخلص من سيطرة النخبة السياسية الكومبرادورية وتحرير نفسه من آثار الاستعمار.
بقلم : الصادق الشيخ
باحث أكاديمي سوداني في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، حيث يقود برنامج العدالة العالمية في معهد الآخر والانتماء
هذا المقال مأخوذ من العدد الثاني من مجلة أصوات الكوكب الأخرى على الرابط التالي : الرابط
___
مصادر:
(1) سمير أمين (2011). سوء النمو. تشريح الفشل العالمي. مطبعة بامبازوكا؛ الطبعة الثانية.
(2) فيجاي براشاد (2012). الأمم الأكثر فقراً: تاريخ محتمل للجنوب العالمي. الصفحة الخلفية.
(3) الصادق الشيخ (2008). دارفور: تدجين الاستعمار – فشل نموذج الدولة القومية في السودان ما بعد الاستعمار. ساربروكن: دار نشر VDM.
(4) الصادق الشيخ (2019). السودان بعد الثورة: إعادة تصور المجتمع والنجاة من الانتقام. الأوقات الحرجة (2019) 2 (3): 466-478.
