-
المقدمة
منذ الاحتلال الإسرائيلي العسكري لفلسطين في عام 1948، وما تلاه من احتلال للضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وقطاع غزة في حزيران/يونيو 1967، اعتمدت منظومة مركبة من السياسات والممارسات تهدف إلى السيطرة على سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة واحتكار الأرض ومواردها الطبيعية، مما ينطوي على انتهاك للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان.
يهدف النهج الذي يتبعه الاحتلال الإسرائيلي تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى تحقيق أهداف عسكرية وأمنية وإقليمية. وقد أدت سياساته إلى إضعاف القدرة الإنتاجية الفلسطينية وحرمانها من إمكانات النمو. مما حوّل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى سوق تابع ومستودع لليد العاملة الرخيصة في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي. وقد أدى التخريب الاقتصادي الممنهج إلى تفاقم سوء الأوضاع المعيشية.
ورغم المشاركة المباشرة للمجتمع الدولي منذ انطلاق مفاوضات عملية السلام في أوائل تسعينات القرن الماضي، وتوفير حزمة كبيرة من المساعدات المالية والتقنية للأراضي الفلسطينية المحتلة تقدر بنحو 40 مليار دولار على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، ما زال الاقتصاد الفلسطيني شديد الهشاشة والضعف البنيوي معتمداً اعتماداً بالغاً على الاحتلال الإسرائيلي في التجارة والعمالة بأجر وتوفير البنية التحتية الأساسية. تنتشر على نطاق واسع ظواهر البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي بين سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، البالغ عددهم 5.3 مليون نسمة (3.2 مليون في الضفة الغربية و2.2 مليون في قطاع غزة)، وذلك بمعدلات مرتفعة تنذر بالخطر.
تعتمد الأراضي الفلسطينية المحتلة في استمراريتها المالية اعتماداً مزمناً على تمويل الجهات المانحة وعلى التحويلات التي تسمح بها إسرائيل للعائدات الضريبية التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية وفقاً لأحكام بروتوكول باريس لعام 1994 للعلاقات الاقتصادية بين الطرفين، والتي حجبتها مراراً وتكراراً لممارسة ضغط سياسي.
وما زالت منظومة الأمم المتحدة منذ فترة طويلة تنوّه بضرورة إعادة النظر في الاتفاقات الموقعة التي تحكم العلاقات الاقتصادية بين الاحتلال الإسرائيلي والأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي أساساً البروتوكول المتعلق بالعلاقات الاقتصادية بين حكومة الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1994 (بروتوكول باريس) والاتفاقات المرتبطة به. وفي السياق ذاته، اعتمدت السلطة الفلسطينية نهجاً استراتيجياً يسعى إلى الحد من تبعية الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل، أو بالأحرى، وهو أكثر واقعية، تقليل هذه التبعية.
فقد أعطت الاتفاقات التي تحدد العلاقات بين الاحتلال الاسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية (والسلطة الفلسطينية) الأولوية للتوصل إلى اتفاق الوضع النهائي في عملية السلام. فطغت الاعتبارات السياسية والأمنية والإقليمية، خاصة تلك المرتبطة بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة، على مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير.
في هذا السياق، أخفقت التمويلات والجهود التنموية التي بذلتها الجهات المانحة والمؤسسات الدولية في التصدي للتحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني. كما فشلت عملية السلام في تحقيق الحقوق الفلسطينية، بما في ذلك إقامة الدولة، وبالتالي في تحقيق السلام المستدام.
2. مفهوم التنمية بمنظورها الفلسطيني
تختلف التنمية المحلية عن التنمية بمعناها الواسع، على الرغم من أن كلاهما عبارة عن عملية مستمرة تشمل جميع جوانب حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهي في المحصلة عملية حضارية شاملة، ركيزتها الأساسية الإنسان، وهدفها خلق أوضاع جديدة ومتطورة لتحسين نوعية الحياة التي نعيشها. وهذا هو المقياس الحقيقي لنجاح أي عملية تنمية.
بحسب تعريف البنك الدولي، يتمثل هدف “التنمية الاقتصادية المحلية” في تعزيز القدرات الاقتصادية لمنطقة محلية معينة، بهدف تحسين مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي، وتطوير مستوى المعيشة فيها ككل. وهي عملية يتعاون فيها الشركاء من القطاع الحكومي والأهلي وقطاع الأعمال، للعمل بشكل جماعي من أجل توفير ظروف أفضل لتحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل[1].
- التنمية المحلية
إن لمفهوم التنمية في فلسطين أبعاداً أخرى مختلفة عما هو متعارف عليه، وأهم هذه الأبعاد هو الفصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية، والحواجز التي أوجدها الاحتلال، وبالتالي وجود نوع من المناطق المحلية المتباينة في ظروفها، مما يفرض ضرورة التركيز على مفهوم التنمية المحلية، التي تأخذ بالاعتبار خصوصيات المناطق، دون إلغاء الإطار الوطني العام والتكاملي للتنمية.
في فلسطين، وزارة الحكم المحلي هي الجهة الأولى المسؤولة عن موضوع التنمية الاقتصادية المحلية، بالشراكة مع وزارات ومؤسسات أخرى؛ لذلك، فقد أعدت ورقة مفاهيمية بعنوان: “الإطار الوطني المتكامل للتنمية الاقتصادية المحلية”، حددت فيها الهدف العام للتنمية الاقتصادية المحلية، وهو تعزيز النمو العادل والمستدام لاقتصاد منطقة معينة، وضمان مساهمته بفاعلية في الاقتصاد الوطني والإقليمي من خلال الاستخدام الأمثل لموارد المنطقة (مواردها الإنتاجية الطبيعية والبشرية وميزات موقعها)، واستقطاب المساهمات الخارجية من أجل تحقيق غاياتها، باعتبار أن التنمية الاقتصادية المحلية جزء لا يتجزأ من التنمية الاقتصادية الوطنية الأعلى مستوى، وكلاهما مرتبط ببعضه البعض.
لا يمكن اعتبار التنمية الاقتصادية المحلية ناجحة إلا إذا حققت العدالة في التوزيع، وكانت شاملة لجميع القطاعات، بحيث تستفيد منها المناطق المهمشة والفئات الضعيفة، بما في ذلك فئات الشباب والنساء. كما يجب أن تؤثر إيجابياً بالبيئة، دون أن تستنزف مواردها. والأهم من ذلك، هو مدى استفادتها من الطاقات البشرية، وكيفية حماية حقوق العاملين فيها ومصالح مختلف الأطراف الاقتصادية الفاعلة.
اكتسبت التنمية الاقتصادية المحلية في فلسطين بعداً سياسياً، حيث أصبحت آلية من آليات تحصيل الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير. وعليه، صار من أهداف التنمية الإضافية وقف التدهور الناتج عن الاحتلال الإسرائيلي، ومقاومة آليات استلاب التنمية، ومواصلة محاولات التحرر من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، ودعم الصمود. كما يكتسب المفهوم التنموي الفلسطيني بعداً آخر، إذ أضيفت إليه مهمة إعادة بناء اقتصاد وطني، وبناء مؤسسات الدولة[2].
2. التنمية التحررية
في سياق آخر، يرى الشعب الفلسطيني، الذي ما زال يرزح تحت الاحتلال، منظوراً آخر للتنمية، وهي التنمية التحررية، التي ترتكز على إيجاد صيغة عمل وطنية تمكّن الإنسان الفلسطيني من إحداث استدامة تنموية وفقاً للموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة. وذلك ضمن سيناريو يقود إلى انعتاق فكري يسبق الانعتاق الاقتصادي عن الاحتلال الإسرائيلي.
3. سياسات الاحتلال الإسرائيلي: تأثيرها على الاقتصاد وتحقيق التنمية
- مرحلة بداية الاحتلال إلى ما قبل نشوء السلطة الفلسطينية
خلال هذه الفترة، نفذت الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية) وقطاع غزة، من خلال سلطاتها العسكرية (وبالتحديد الإدارة المدنية بعد عام 1981)، مجموعة من السياسات والممارسات التي قيّدت الاستثمارات الخاصة والعامة، وقلصت نطاق الأنشطة الاقتصادية، وضيّقت الحيز الاقتصادي. نُفذ ذلك عبر مئات الأوامر العسكرية التي شملت جميع جوانب النشاط الاقتصادي.
عملت هذه السياسات والممارسات على حماية الاقتصاد الإسرائيلي من المنافسة الفلسطينية المحتملة، وتحويل الأرض الفلسطينية المحتلة إلى سوق للمنتجات الإسرائيلية، فضلاً عن الحفاظ على خزان من اليد العاملة الفلسطينية الرخيصة. وتأثرت بشكل خاص ثلاثة من المجالات الرئيسية للاقتصاد الفلسطيني: مناخ الاستثمار، والبنية التحتية الأساسية، وإمكان حصول الفلسطينيين على الموارد الطبيعية الوطنية.
وطوال فترة ما قبل اتفاقات أوسلو، صادرت إسرائيل مساحات متزايدة من الأراضي الفلسطينية المحتلة لتشييد المستوطنات، وبناء نظام متقدم ومتكامل من الطرق السريعة والطرق الالتفافية، والقواعد العسكرية وغيرها من المرافق. وبحلول نهاية عام 1993، بلغ عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة 144 مستوطنة يقطنها 247 ألف مستوطن. وفي هذا السياق، فُرضت قيود شديدة على قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الأراضي والاستفادة منها، وقُمعت الأنشطة الاقتصادية، لا سيما في قطاع الزراعة. كما قيّد الاحتلال الإسرائيلي توسيع حدود البلديات الفلسطينية، مما كبح النمو الصناعي وتلبية الاحتياجات السكنية. أدت سياسات وممارسات إسرائيل خلال السنوات الخمس والعشرين الأولى من احتلالها العسكري إلى اختلالات وتشوهات بنيوية في الاقتصاد الفلسطيني، ما أعاق أداءه وحجب آفاق نموه المستقبلي.
2. مرحلة نشوء السلطة الفلسطينية وبروتوكول باريس التجاري
لقد ساهمت اتفاقات أوسلو في تجويف الاقتصاد الفلسطيني بعدة طرق. فبينما سمح اتفاق أوسلو الأول بالإبقاء على جميع الأوامر العسكرية الإسرائيلية التي سُنّت منذ حزيران/يونيو 1967، فاقم اتفاق أوسلو الثاني تعقيد الوضع على الأرض بتجزئة الضفة الغربية المحتلة جغرافياً إلى ثلاث مناطق إدارية: “أ” و”ب” و”ج” (حوالي 18% و22% و60% من الضفة الغربية، على التوالي). تولت السلطة الفلسطينية السلطات المدنية ومسؤوليات الأمن الداخلي في المنطقة “أ” والسلطات المدنية فقط في المنطقة “ب”، بينما ظلت المنطقة “ج”، وهي تشكل الجزء الأكبر من الضفة الغربية والأغنى بالموارد الطبيعية، تحت السيطرة العسكرية والمدنية الإسرائيلية الكاملة. ولم تتضمن اتفاقات أوسلو ولا أي اتفاقات أخرى أي بنود حول إزالة المستوطنات وإخلائها، كما منحت إسرائيل السيطرة الكاملة على الأمن الخارجي للأرض الفلسطينية المحتلة.
لم تكن المنطقتان “أ” و”ب”، الخاضعتان لولاية السلطة الفلسطينية الكاملة أو الجزئية، متصلتين جغرافياً، بل قُسمتا إلى 165 كانتوناً معزولاً تحيط بها المنطقة “ج”، وهي المنطقة الوحيدة الموصولة في الضفة الغربية. وظلت الموارد المائية واستعمال الأراضي في المنطقة “ج” تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية بالكامل، إلى جانب الحدود الخارجية والسفر والهجرة وسجل السكان.
شهدت فترة ما بعد اتفاقات أوسلو تنفيذ إجراءين إسرائيليين أحاديين أثبتت تداعياتهما أنها باهظة بالنسبة للأرض الفلسطينية المحتلة: بناء الجدار الفاصل الذي بدأ في حزيران/يونيو 2002، والذي اعتبرته محكمة العدل الدولية غير قانوني لأن مساره كان في المقام الأول ضمن الضفة الغربية؛ وفرض حصار جوي وبحري على قطاع غزة منذ صيف عام 2006. شددت إسرائيل قيودها على قطاع غزة وسكانه البالغ عددهم آنذاك 1.7 مليون نسمة، في عقاب جماعي كان تأثيره الاقتصادي كارثياً. فيما بعد، شنت إسرائيل على قطاع غزة خمس حروب كبرى (في الأعوام 2009-2008 و2012 و2014 و2021 و2023-2024). كانت الخسائر البشرية فادحة للغاية، بالإضافة إلى التدمير شبه الكامل للقطاع الخاص في اقتصاد غزة المُحاصَر وتدمير البنية التحتية المتداعية أساساً.
إن نشوء السلطة الفلسطينية في أيار/مايو 1994 كان يفترض أن يفضي إلى جانب التوقيع على بروتوكول باريس واستعداد المجتمع الدولي لتقديم الدعم المالي والتقني لإطلاق عجلة الاقتصاد الفلسطيني، إلى بيئة جديدة يمكن فيها للاقتصاد الفلسطيني المتعثر والمختل أن ينمو ويزدهر. لكن ذلك لم يؤت ثماراً. كان الافتقار إلى التنمية يعود إلى حد كبير إلى الواقع السياسي-الإقليمي-الأمني الذي اتسمت به، ولا تزال، فترة ما بعد اتفاقات أوسلو بأكملها. وقد شهدت تلك الفترة استمرار تجويف الاقتصاد الفلسطيني وتجريده من مقوماته، ما أدى إلى تعميق تبعيته للاحتلال الإسرائيلي في التجارة وفي العمل المأجور وخدمات البنية التحتية الأساسية، واعتماده على المعونة الخارجية لتلبية الاحتياجات المالية والإنسانية المتزايدة.
تظهر إحصاءات عام 2023 هزال معدلات النمو الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وركود مستويات دخل الفرد، وتآكل القدرة الإنتاجية، واستمرار عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري، والانخفاض الحاد في المعونة الخارجية، وارتفاع الدين العام، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وبعد مرور ما يقرب من ثلاثين عاماً على توقيع اتفاقات أوسلو، تمت تجزئة الاقتصاد الفلسطيني إلى ثلاث اقتصادات فرعية منفصلة جغرافياً: في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ولا يربط هذه الاقتصادات الفرعية إلا حدّ أدنى من الروابط الاقتصادية، في حين تهيمن السياسات الإسرائيلية عليها جميعاً.
وخلال السنوات الأخيرة، دأبت المعونة الخارجية على الانخفاض المطرد، وشهد القطاع المصرفي زيادة في الانكشاف الائتماني، لا سيما للقطاع العام الفلسطيني وموظفيه، مما أدى إلى مزيد من عرقلة التنمية وتعزيز التبعية الاقتصادية.
في قطاع غزة، أدت القيود الشديدة التي فرضتها إسرائيل على التنقل والتجارة منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر 2000، وما أعقبها من حصار وعمليات عسكرية متكررة منذ عام 2007، إلى تدمير الاقتصاد وتآكل قاعدته الإنتاجية، وإنهاك القطاع الخاص. وتشير البيانات إلى أن مساهمة قطاعي الصناعة والزراعة معاً كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من 27% في عام 1994 إلى 17% في عام 2021.
وقد بلغ معدل النمو الاقتصادي السنوي في قطاع غزة 1% منذ عام 1994، بينما انخفضت مساهمته في اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة من 36% في عام 1994 إلى 18% فقط في عام 2021. وأدى التدهور الحاد في الاقتصاد في قطاع غزة إلى توسيع الفجوة الاجتماعية-الاقتصادية بين القطاع والضفة الغربية.
وبحلول عام 2021، بلغت معدلات البطالة والفقر في قطاع غزة 45% و60% على التوالي، ويعتمد 80% من السكان على المساعدات الخارجية، حيث يُعتبر 62% من الشباب في القطاع (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً) عاطلين عن العمل، وتصل نسبة بطالة الشباب المتعلمين إلى 75%.
يعاني فلسطينيو القدس الشرقية أيضاً من تدهور في الظروف الاجتماعية-الاقتصادية، إذ أدى التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المستمر في المدينة المحتلة وحولها، وبناء الجدار الفاصل، ومصادرة الأراضي، وإخلاء المنازل وهدمها، والقيود الصارمة على البناء إلى انخفاض إجمالي مساهمة المدينة في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني.
3. التبعية الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي
إن جوهر المشكلة يكمن في أن الاقتصاد الفلسطيني نما وتشكل في ظل حكم ذاتي منقوص السيادة على الأرض والموارد، بموجب اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) عام 1993 وما تلته من اتفاقيات. وقد سمح ذلك للسلطة الفلسطينية بإدارة شؤون الشعب الفلسطيني دون أي سيطرة على الأرض والموارد، والمعابر والحدود، وحتى دون إصدار عملة وطنية، مما أفقدها مقدراتها وأدواتها، وحرمها من سلطة فعلية على أراضيها. وهذا الأمر عمّق ورسّخ من تبعية الاقتصاد الفلسطيني لاقتصاد الاحتلال، وحال دون تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، مما شكّل عقبة رئيسية أمام الاقتصاد الفلسطيني.
تتعدد صور التبعية الاقتصادية الفلسطينية لاقتصاد الاحتلال الاسرائيلي، بحكم سيطرته على الأرض والموارد والمقدرات، وتأثيره المباشر في صناعة القرار الفلسطيني. وفيما يلي بعض أشكال التبعية الاقتصادية الفلسطينية لاقتصاد الاحتلال الإسرائيلي:
- التبعية التجارية
- التبعية المالية
- التبعية النقدية
- تبعية سوق العمل
4. مديونية السلطة الفلسطينية
أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية النتائج الأولية لوضع الاستثمار الدولي والدين الخارجي لفلسطين في نهاية الربع الثالث من عام 2023، حيث استقر رصيد الدين الخارجي الحكومي عند حوالي 1.3 مليار دولار أميركي في نهاية هذا الربع. وأشارت النتائج الأولية إلى أن إجمالي رصيد الدين الخارجي على القطاعات الاقتصادية الفلسطينية قد بلغ حوالي 2,120 مليون دولار أميركي في نهاية الربع الثالث من عام 2023 بارتفاع بلغت نسبته 1% مقارنة مع الربع السابق. وتوزعت هذه الديون بين القطاع الحكومي بنسبة 61%، وقطاع البنوك بنسبة 36%، والقطاعات الأخرى (مثل الشركات المالية غير المصرفية، والشركات غير المالية، والمؤسسات الأهلية، والأسر المعيشية) بنسبة 2%، فيما بلغت نسبة الاقتراض بين الشركات التابعة المنتسبة بنسبة 1%.
5. سياسات البنك الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة
إن توصيات البنك الدولي تعد غير ذات صلة بالسياق الفلسطيني، حيث لا تأخذ في الاعتبار واقع الاحتلال اليومي، وتفتقر إلى الفهم التاريخي للسياسات التي تمارسها حكومة الاحتلال الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين منذ أكثر من سبعة عقود. يقدم البنك الدولي توصيات تدعو إلى اتباع نموذج في النمو يعتمد على تكامل اقتصادي أوثق مع إسرائيل واقتصاد يقوم على التصدير، على غرار اقتصادات شرق آسيا (النمور الآسيوية). وهو بذلك يقدم مقترحات مصيرها الفشل، مما يضيع الوقت والموارد الطبيعية في أمس حاجة الفلسطينيين إليها. إن إقامة اقتصاد سوق حر يعتمد على التصدير يعد ضرباً من المستحيل في ظل الاحتلال، حيث إن توصيات البنك الدولي لا تعبر سوى عن إلهاء عن الحاجة الأساسية للفلسطينيين ألا وهي إنهاء الاحتلال والحكم العسكري الإسرائيلي، بدلاً من إيجاد أساليب جديدة خلاقة للتكيف معه.
يهيمن البنك الدولي بنفوذه على عملية المساعدة الإنمائية في فلسطين المحتلة. فقد اضطلعت مؤسسات دولية مثل البنك الدولي بأدوار قيادية في وضع تلك الاستراتيجية الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، في مستهل عملية أوسلو للسلام التي (غدت منحلة الآن). وغالباً ما تُتخذ تلك القرارات بمصادقة من حكومة فلسطينية غير منتخبة وغير كفؤة في الغالب.
لقد أخطأ البنك الدولي تقدير الوضع بشدة، إذ لم يركز على التأثير الناتج عن افتقار السلطة الفلسطينية للسيادة اللازمة لتنفيذ سياساتها. فالفضل الأكبر في بقاء السلطة الفلسطينية يعود إلى المانحين الدوليين الذين يولي معظمهم الأولوية لعلاقاتهم مع إسرائيل و/أو الولايات المتحدة. وحينما تتخذ الحكومة الفلسطينية قرارات لا تتفق مع توجهات المانحين، فإن هؤلاء يستطيعون التهديد بسحب التمويل، كما حصل فعلاً من قبل، بهدف صياغة السياسات بما يلائم المصالح الإسرائيلية على نحو أفضل.
نتيجةً لهذه العلاقات التمويلية والاعتماد على المعونة، يصبح وجود السلطة الفلسطينية قائماً أساساً بأمر من المانحين الدوليين وإسرائيل، مما يمنحها حيزاً ضيقاً لتطبيق سياسات مستقلة. بل لا يمكنها سن القرارات الوطنية الاستراتيجية على صعيد السياسات ما لم تحظ بموافقة المانحين وإسرائيل والمؤسسات الدولية التي تقدم النصح والمشورة للجهات المانحة مثل البنك الدولي.
لا يكتفي البنك الدولي بإخراج عملية التنمية من سياقها بالتقليل من شأن الاحتلال والمشروع الاستيطاني الاستعماري وحسب، وإنما يرفض أيضاً النظر في توصياته السابقة الخاطئة بشأن السياسات. كما يفضل تحميل الفلسطينيين مسؤولية الإخفاق، إذ يلومهم على ضعف تنفيذ السياسات، رغم أن الفلسطينيين أنفسهم لا يملكون سوى حيز ضيقٍ للمناورة بحريّة نظراً لاعتمادهم على المعونة وبسبب الآثار المدمرة المترتبة على الاحتلال.
لا يزال البنك الدولي يفترض أن السلطة الفلسطينية قادرة على تحقيق التنمية دون تسوية سياسية تكفل السيادة وإعمال الحقوق الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، لا تتطرق تقارير البنك الدولي إلى إسرائيل بالنقد إجمالاً، بل تقدم مبررات بديلة لغياب النمو الاقتصادي المستدام في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
6. التوصيات
1. الانفكاك من التبعية الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي
مع أن الاحتلال الاسرائيلي يقف خلف تراجع الأداء الاقتصادي الفلسطيني ونكوص التنمية بسبب سيطرته الكاملة على الأراضي والموارد والمعابر والحدود، التي استطاع بواسطتها تكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني له، وحال دون إحداث تنمية حقيقية ضمن هذه المنظومة، إلا أن العامل الفلسطيني الذاتي يبقى في غاية الأهمية لتحسين بيئة الأعمال والاقتصاد، خصوصاً في سياق معركة التحرر السياسي. أي أنه لا بد من التزامن بين معركة التحرر السياسي في المحافل الدولية، مع إطلاق معركة التحرر الاقتصادي من اقتصاد الاحتلال، للتخلص من التبعية الاقتصادية وتقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية.
المرحلة الحالية تتطلب توطين الاقتصاد الفلسطيني، وبنائه على أسسٍ متينة وقواعد صلبة. ينبغي تحويل الاقتصاد من حالة التبعية للاحتلال إلى اقتصاد دولة مستقلة قادر على الاعتماد الذاتي والنمو المستدام، وخلق فرص عمل دائمة. فيما يلي مجموعة من الإجراءات التي دعا المجلس المركزي لتطبيقها تدريجياً من أجل الانفكاك عن علاقة التبعية الاقتصادية من الاحتلال، ضمن النوافذ المتاحة لذلك، لبناء اقتصاد وطني مستقل:
- دعم المنتج الوطني
- دعم القطاعات الإنتاجية
- اتباع سياسة لحماية الصناعات الفلسطينية
- تنمية التبادل التجاري بين فلسطين والدول العربيّة
- جذب فلسطينيي الشتات للمشاركة في تنمية الاقتصاد الفلسطيني
2. التنمية التحررية
إن هذا الواقع الخطير يستدعي تضافر الجهود من جميع مكونات العمل الوطني الفلسطيني لتنظيم مواردنا المحلية ضمن استراتيجية اقتصادية وطنية شاملة تعزز قدرتنا على قيادة اقتصاد الصمود والمقاومة، والذي يقوم أساساً على مفهوم التنمية التحررية.
يمكن أن تؤدي استراتيجية مصممة بشكل جيد، تستبدل النظام التجاري الحالي باتفاقية اقتصادية أقل تقييداً مثل اتفاقية التجارة العادلة، إلى انخفاض تدريجي في حاجة الفلسطينيين للعمل في إسرائيل.
يعد الدفع نحو اعتماد نهج قائم على الحقوق في الاقتصاد الفلسطيني إطاراً تتمحور فيه الخطط والسياسات والعمليات جميعها حول الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في هذا الإطار القائم على الحقوق، يعتبر الحق في التنمية البشرية حقاً من حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف، وهو راسخ في مبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. كما يسلم نهج التنمية القائم على الحقوق بحق الشعوب في تقرير المصير، الذي يشمل حقها غير القابل للتصرف في السيادة التامة على ثرواتها الوطنية ومواردها الطبيعية، كشرط مسبق للتمتع بالحقوق الجماعية والفردية الأخرى، وأيضاً كشرط مسبق للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
الكاتب مؤيد أحمد – باحث من فلسطين
هذا المقال مأخوذ من العدد الثاني من مجلة أصوات الكوكب الأخرى على الرابط التالي : الرابط
_____
المراجع
- مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) (2020) التكاليف الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني: قطاع غزة تحت الإغلاق والقيود. جنيف.
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (2022). قطاع غزة: الأثر الإنساني ل 15 عاماً من الحصار. 30 حزيران/يونيو.
- كنفاني، نعمان (1997). العلاقات التجارية بين دولة فلسطين وإسرائيل: منطقة تجارة حرة أم اتحاد جمركي؟ رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني، ماس.
- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية ماس (2020). المسح الاجتماعي والاقتصادي والأمن الغذائي.
- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية ماس (2022). خطوط حمراء، قوائم رمادية: سياسة إسرائيل بشأن الموادّّ ثنائيّّة الاستخدام ومنظومة إعادة إعمار غزّّة. 11 كانون الثاني/يناير.
- اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) (2023). الاقتصاد الفلسطيني والحد من التبعية ونزع التنمية
- الترتير، علاء (2023). إخفاق مستمر: سياسات البنك الدولي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
- مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية (2018). فلسطين تحت الاحتلال: هل ما زالت أهداف التنمية المستدامة ممكنة؟
- اشتية، بكر (2017). استحقاقات التنمية التحررية في فلسطين.
- سلامة، عبد الغني (2017) الاحتلال.. وتعثّر التنمية الاقتصادية المحلية في فلسطين.
