أعلنت الحكومة العراقية في الخامس عشر من أيار/مايو 2024 عن سداد جميع الديون التي استحصلت عليها من صندوق النقد الدولي منذ عام 2003، علماً أن مجموع هذه القروض لم يتجاوز الثمانية مليارات دولار، وفقاً للدكتور مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون المالية. شملت هذه القروض عدة برامج تمويلية، تتضمن قروضاً طارئة ومساعدات مالية طويلة الأجل نسبياً.
هذا يعني أن الديون الخارجية للعراق (حتى عام 2024)، وخصوصاً من صندوق النقد الدولي، لم تكن تمثل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد. ومع ذلك، تبقى التنمية في العراق مُعاقَة، لذا دعنا نبحث في التفاصيل.
إلى متى تعود علاقات صندوق النقد الدولي وديونه بالعراق؟
لم يكن للعراق علاقات ملموسة مع صندوق النقد الدولي قبل عام 2003. ففي أعقاب التأميم عام 1972، شهد العراق قفزات هائلة في مداخيل النفط بعد أزمتي 1973 و1976، مما أتاح للحكومة العراقية موارد مالية كافية. ومع بداية الحرب الطاحنة التي دخلها نظام صدام حسين ضد إيران عام 1980، كان العراق يمتلك احتياطياً يصل إلى 35 مليار دولار. لكن بعد سنوات الحرب والاعتماد على عدد هائل من القروض من المعسكرين الغربي والشرقي ودول الخليج، انتهت الحرب عام 1988 والعراق مدين بأكثر من 100 مليار دولار.
لكن سرعان ما قام نظام صدام باحتلال الكويت، مما أدى إلى حرب ما يسمى “تحرير الكويت” ضد الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، الذين نجحوا في فرض الحظر على العراق منذ غزو الكويت، في ظل تحفظات من الجانب السوفياتي والصيني بشأن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد ذلك القرار. استمر هذا الحظر حتى احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة عام 2003، رغم تعديله جزئياً في منتصف التسعينيات ضمن برنامج “النفط مقابل الغذاء”.
فرض المحتل الأميركي، من خلال “الحاكم المدني” بول بريمر، سياسة اقتصادية جديدة عام 2003 تهدف إلى التحول نحو اقتصاد السوق وبناء نظام اقتصادي جديد، بعد أن طغت توجهات الدولة المركزية على الاقتصاد العراقي. ومن خلال هذا التوجه الجديد، أُعيد فتح “العلاقة” مع صندوق النقد الدولي، الذي أبدى استعداده للتعاون مع العراق “ما أن تكون هناك حكومة تمثله”.
عقد العراق في 30 سبتمبر/أيلول 2004 اتفاقية “المساعدة ما بعد النزاعات الطارئة” مع صندوق النقد الدولي، حيث تعهدت الحكومة بالتعاون الجاد مع الصندوق لتنفيذ إصلاحات هيكلية أساسية لتحويل العراق إلى اقتصاد سوق، والعمل على الإصلاح الضريبي وإصلاح القطاع المالي وإعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام. كما أعربت الحكومة العراقية المؤقتة عن نيتها اتباع سياسات تتماشى مع سياسات صندوق النقد الدولي، والسماح للأجانب بالاستثمار في جميع القطاعات الاقتصادية.
من جانب صندوق النقد الدولي، كانت توجد إمكانية للحصول على قروض ودعم مالي لإعادة إعمار العراق بعد سنوات من الحصار التي أدت إلى انعدام الصيانة في كافة المجالات، وكذلك الخراب الذي لحق بالعراق جراء حرب الخليج الثالثة وما تلاها من أعمال تخريبية استهدفت البنية التحتية، مما أدى إلى توقف الصناعة وتدهور الوضع الزراعي.
كما أمل العراق في أن تساعده هذه العلاقة في التخفيف من حجم المديونية الكبيرة، والتي بلغت 120 مليار دولار في وقت كانت فيه ميزانية العراق عام 2003 لا تتجاوز 11 مليار دولار. شملت الميزانية فترة ما بعد احتلال العراق في 9 نيسان 2003 وحتى نهاية السنة، إضافةً إلى إطلاق صادرات النفط ورفع الحظر. وكذلك التخفيف من المطالبات الأخرى التي تجاوزت 300 مليار دولار (تعويضات حرب الكويت). بكلمات أخرى، جرى “تحرير الاقتصاد” تحت ضغط الابتزاز من صندوق النقد الدولي، وبضمانة من الإدارة الأمريكية التي كان جيشها يحتل العراق بقوات قوامها 155 ألف جندي.
عن حجم الديون… ونوعها
تعود أغلب ديون العراق إلى مرحلة ما قبل 1990، والتي تراكمت نتيجة التوقف عن السداد والعجز عن الدفع بسبب الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة الأميركية، والذي أقرته الأمم المتحدة بعد غزو الكويت مباشرة من قبل نظام صدام حسين. وصل إجمالي هذا الدين إلى حوالي 125-128 مليار دولار. وقد تقرر بعد الاحتلال الأميركي للعراق شطب 80٪ من هذا الدين من قبل نادي باريس، في اتفاقية “معيارية” يمكن أن تسري أيضاً على باقي الدائنين خارج النادي المذكور. الجدير علماً أن كل هذه الديون كانت تعتبر ديوناً بغيضة أو كريهة، بل وموّلت حرب صدام خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، بالإضافة إلى إسرافه وامتلاكه لقصور فاخرة.
لا يزال هناك منذ ذلك الوقت مبلغ 41 مليار دولار، قدمته دول خليجية (وغيرها) على أساس هبات ودعم للعراق أثناء الحرب مع إيران، ثم أعلنتها بعد عام 2003 كقروض مستحقة الدفع. ولم تعترف الحكومات العراقية اللاحقة بها كونها مسجلة كهبات، ولا يوجد أي دليل يثبت كونها قروضاً. علاوة على ذلك، كانت تعتبر من الديون البغيضة التي موّلت النظام ولم تخدم أي مشاريع تنموية. يشترك في هذا المبلغ مع الدول الخليجية الأربعة، ثمانية بلدان أخرى، ويسري على هذا المبلغ ما سرى على ديون نادي باريس، أي شطب 80% منها، وإلا فإن الدين يبقى معلقاً.
تبع ذلك أكثر من 52 مليار دولار، ليست بديون، بل تعويضات نتيجة غزو الكويت. حيث وصلت إلى لجنة الشكاوى المعنية بتحديد التعويضات الكثير من المطالبات من أفراد وشركات وحكومات، تجاوزت قيمتها 300 مليار دولار. اكتفت اللجنة بقبول 52 مليار دولار منها. وكان يجري احتجاز ثلث واردات العراق منذ اتفاق “الغذاء مقابل النفط” لعام 1995، حتى انتهى العراق من تسديد كامل هذا المبلغ خلال عام 2022.
وعلى الرغم من أن العراق لم يلجأ منذ عام 2003 وحتى عام 2014 إلى اقتراضات خارجية كبيرة، وتمكن البرلمان من لجم بعض الحكومات في تلك الفترة من اللجوء إلى حلول الاقتراض السهلة والخطرة في آن واحد، إلا أن سقوط الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وكذلك ثلث العراق في يد داعش من 2014 وحتى 2017، ونتيجة للتضخم البيروقراطي الهائل في أجهزة الدولة، قد أطلق عجلة القروض التشغيلية لتصل إلى مستويات عالية.
وهي قروض لم تقتصر على الدائنين الداخليين، لتأمين الرواتب المتضخمة كرقم إجمالي بسبب الزيادات في أعداد الموظفين وليس بسبب ارتفاع رواتب كل منهم كأفراد. وكذلك لتغطية تكاليف الحرب ضد داعش في وقت تدهورت فيه أسعار النفط من 80 دولاراً إلى 30 دولاراً للبرميل الواحد، تُخصم منها بالتأكيد كلفة الإنتاج التي تتحملها شركات النفط العالمية، ليكون الصافي 20 دولاراً من أصل 30، في حين كانت 70 دولاراً من سعر البيع 80 دولاراً للبرميل الواحد قبل تدهور الأسعار. يمكن تقدير حجم الكارثة بشكل أكبر إذا علمنا أن الموازنة التي تعتمد في تمويلها على النفط بنسب تتراوح بين 92-95٪، كانت تفترض السعر الرسمي للنفط 80 دولاراً للبرميل الواحد.
واجه العراق كارثة مالية أخرى عام 2020 بسبب الإغلاق الدولي العام المتعلق بآثار جائحة كوفيد-19، وانخفاض الطلب على النفط الخام ومشتقاته، مما أدى إلى انخفاض قيمته بأكثر من 40%. في الوقت ذاته، لم يجري تشريع قانون الميزانية العامة للسنة 2020 نتيجة الخلافات السياسية وتوقف النشاط الاقتصادي المحلي بسبب الإغلاق. هذا ما أدى أيضًا إلى عدم القدرة على تسديد الرواتب إلا من خلال الاقتراض الداخلي، مما رفع مستوى الدين الداخلي إلى حوالي 50 مليار دولار. كما ارتفع الدين الداخلي في الأشهر الأخيرة بسبب تمويل الإنفاق الداخلي وتقليص العجز السنوي، ليصل إلى حوالي 60 مليار دولار نتيجة السندات التي يطرحها البنك المركزي للبيع. ومن الواضح أن الأفراد الذين يمتلكون أموالاً ضخمة وينتظرون فرص الاستثمار هم القادرون على شراء هذه السندات بشكل واسع.
كما شهد الدين الداخلي زيادة ملحوظة في الأشهر الأخيرة نتيجة تمويل الإنفاق الداخلي وتقليص العجز السنوي، حيث ارتفع إلى حوالي الستين مليار دولار عبر السندات التي يطرحها البنك المركزي للبيع. ومن الواضح أن الأفراد الذين يمتلكون أموالاً ضخمة ويترقبون فرص الاستثمار هم من يستطيعون شراء هذه السندات بشكل واسع.
وبالتالي، يمكن القول إن مجموع الديون حالياً هو كما يلي:
- الديون الخارجية المستحقة الدفع لحد عام 2028: 23 مليار دولار
- الديون الخارجية المستحقة الدفع بعد 2028: 7 مليارات دولار
- مجموع الديون الخارجية: 30 مليار دولار
- مجموع الديون الداخلية: 60 مليار دولار
وبذلك يصبح الإجمالي حوالي 90 مليار دولار، بينما يُقدَّر الناتج المحلي للعراق في عام 2024 بحوالي 300 مليار دولار. وهكذا تكون نسبة الديون الإجمالية إلى الناتج المحلي العام حوالي 30%، وهي بعيدة عن الخطوط الحمراء وأقل بكثير من النسبة المعيارية الآمنة التي تحدد بـ 60% وفق المعايير الدولية. علماً أنه لم يُسجَّل أي إخفاق في التسديد من قبل العراق منذ أكثر من عقد ونصف، على الرغم من كافة التعرجات السياسية والاقتصادية التي مر بها.
ولكن المشكلة لن تنتهي هنا، إذ إن الدين الداخلي يصل إلى 60 مليار دولار، رغم أنه داخل المؤسسة المالية الحكومية ويستحوذ البنك المركزي على ما يقارب 64% منه. إلا أن فوائده عالية وتفوق فوائدة القروض الأجنبية بحوالي ثلاث إلى أربع مرات، حيث تعتبر هذه الديون “حرجة” لأنها تمثل ودائع المواطنين، وبالأخص في صندوق التقاعد.
الوضع الحالي
في ظل الوضع الحالي للديون، التي تُعتبر تحت السيطرة وتتمتع بجدول صارم لسدادها، ولا تشكل فوائدها نسباً مرتفعة، يبقى التساؤل عن الخلل والقصور في مجال التنمية، التي من المفترض أن تُحسن الوضع العام للمجتمع بأسره وليس لفئة معينة على حساب طبقات بأكملها.
وإذا كانت الديون، بشكل عام، لا تُعتبر مثقلة بالأعباء، وبالأخص الديون الخارجية، فلماذا لا تزال الدولة عاجزة عن توفير الكهرباء لأكثر من نصف اليوم في مختلف أنحاء العراق؟ ولماذا تواجه أزمة سكن خانقة، حيث تتشظى المساكن المشيدة على أراضٍ وُزعت في أعوام الستينيات والسبعينيات، والتي تبلغ مساحتها 600 متر مربع، إلى أربعة أو خمسة بيوت، كل واحدة منها أصغر من الأخرى؟ ولماذا يعاني العراق من تدهور في الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم والطرق وغيرها؟ ولماذا لا يزال الفقر قائماً في مختلف أنحاء العراق، حيث تصل نسبته إلى 21-22% من السكان، وبالأخص في الجنوب، حيث تصل النسبة في محافظة المثنى إلى 52%، وفي الديوانية وميسان وذي قار تتراوح بين 45-48% وفقاً للمتحدث الرسمي لوزارة التخطيط العراقية؟ ولماذا ترتفع نسب الانتحار بين الشباب بشكل مقلق؟ ولماذا تتجاوز نسب البطالة 16%، لتصل إلى 35% بين الشباب في الفئة العمرية 14-24 عاماً، بينما تبلغ بطالة الإناث 28%؟ ولماذا انتفضت الجماهير الشبابية في المحافظات الجنوبية وبغداد لعدة أشهر، مُسجلة أكثر من 800 ضحية من الشبان الشجعان و36 ألف جريح، منهم 6000 يعانون من عاهات دائمة؟
وإذا لم نتحدث عن ضياع فرص التنمية لفترة ثلاثة أو أربعة عقود بسبب مغامرات الطاغية السابق صدام حسين، فماذا يمكن أن نقول عن العقدين الماضيين منذ عام 2003 وحتى الآن؟ وفقاً للدكتور مظهر محمد صالح، بلغت نفقات المنح والمساعدات الدولية والقروض الميسرة على قطاع الاستثمار والبنية التحتية في العراق خلال العشرين عامًا الماضية نحو 94 مليار دولار، بالإضافة إلى 126 مليار دولار أضافها العراق بنفسه، مما يجعل المجموع أكثر من 220 مليار دولار. وفي المحصلة، لا يزال العراق بحاجة إلى أكثر من 8000 بناية مدرسية، فيما يعيش أكثر من 3.5 مليون إنسان في عشوائيات حول المدن التي تفتقر إلى خدمات الصرف الصحي والمياه ونفاذ القانون.
نظام المحاصصة الطائفية التوافقي والقنبلة الديموغرافية
عمد الاحتلال الأميركي وحاكمه “المدني” بول بريمير إلى تأسيس قاعدة للحكم تقوم على مشاركة ممثلين عن كافة القوميات والطوائف الدينية، بحجة ضمان الديمقراطية وشموليتها. وقد استمرت الحكومات المتعاقبة على هذا النوع من التوافق، وبالأخص القوى الطائفية التي تزعم “تمثيل الطائفة” بأكملها، وكذلك بالنسبة للمكونات القومية والإثنية. وصارت الحكومات تتشكل على أساس الاستحقاقات الانتخابية، لتشمل عمليًا كل القوى الممثلة في البرلمان، مما يعني عدم وجود معارضة حقيقية إلا داخل مجلس الوزراء نفسه.
جرى استغلال هذا التوافق والتواجد الجماعي في الحكومة دون أي رقابة فعلية، لا من الشعب ولا من النواب المعارضين في البرلمان، للاستفادة من المناصب الحكومية في عملية إثراء سريع، قائم على العمولات التي تصل أحياناً إلى عشرة أضعاف قيمة صفقات الشراء، بدلًا من 5 أو 10% المعتادة. وهذا الأمر أدى إلى وصول ثروات بعض المنتفعين إلى أكثر من مليار دولار، حيث يتجاوز عددهم الثلاثين، وفقاً لتصريح وزير المالية الأسبق، علي علاوي، عام 2020، الذي أعلن عن سرقة 250 مليار دولار منذ 2003 حتى 2020. لكن خبراء اقتصاديين أشاروا إلى أن هذا المبلغ يخص الأموال التي ضاعت دون قيود صرف رسمية، وقدّروا الرقم الحقيقي بـ 400-450 مليار دولار، أي ما يعادل 40% من ميزانيات العراق حتى عام 2020. وقد شهدت الفترة من 2008 إلى 2014 “الاختفاء” الأكبر لهذه الأموال، وهي الفترة التي شغل خلالها زعيم حزب الدعوة السيد نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية (2006-2014).
تحت ظل هذا “التوافق”، أهملت كافة أشكال تنويع الاقتصاد وازداد الاعتماد على واردات النفط التي ارتفعت بشكل سريع، مع إهمال للزراعة والصناعة. كما جرى اعتماد سياسة توظيف حكومية، حيث ارتفع عدد الموظفين من 800 ألف موظف عام 2003 إلى 4.5 مليون موظف حكومي (2.5 مليون في القطاع المدني و1.75 مليون في الأجهزة الأمنية والعسكرية). يُضاف إلى هذا الرقم الهائل حوالي 3.5 مليون عراقي يتقاضون رواتب تقاعدية. ويقارب عدد الذين يتقاضون إعانة اجتماعية المليون ونصف، مما يعني أن عدد الذين يعتمدون على معيشتهم على الدولة بشكل مباشر يبلغ حوالي 9.5 مليون، أي 23% من سكان العراق البالغ عددهم 42 مليون حسب وزارة التخطيط لعام 2020.
وفيما يتعلق بحجم البطالة التي تضاف سنوياً إلى السوق العراقية، يشير الخبير الاقتصادي مصطفى حنتوش إلى أن ما يدخل إلى سوق العمل من حملة الشهادات الجامعية يبلغ 250 ألف شخص، بالإضافة إلى 500 ألف شخص من أصحاب المهن وعديمي الخبرة، في الوقت الذي لا يستوعب فيه سوق العمل أكثر من 100-150 ألف شخص. وهكذا، يزداد مجموع العاطلين عن العمل بحدود 350 ألف سنوياً، إضافة إلى الأعداد المتراكمة منذ سنوات طويلة. وقد خلت ميزانية سنة 2024 من التعيينات الحكومية بسبب التراكمات السابقة التي وصلت إلى حد أكثر من التخمة والترهل البيروقراطي، بالإضافة إلى تدني “المردودية” التي قدرها البنك الدولي بحوالي 17 دقيقة في اليوم الواحد. والأمر ليس مبالغاً فيه حيث يمكن رؤية وجود ما يصل إلى 80 معلمة في مدرسة تضم 12 صفاً دراسياً، أو عيادة حكومية لطب الأسنان مزودة بكرسيين خاصين بعلاج الأسنان، مع وجود 25 طبيب أسنان في نفس المركز يتنازعون على استخدام الكرسيين بينما ينتظر باقي زملائهم دورهم.
تكلف مجموع الرواتب والإعانات الحكومية 67 مليار دولار من ميزانية 2024 التي تبلغ 161 مليار دولار، مع عجز هائل يبلغ 49 مليار دولار. وبما أن الموازنة تعتمد في تمويلها على أكثر من 92% من عائدات النفط المتقلبة، فإن أي انخفاض كبير في أسعار النفط سيؤدي إلى عجز حتى عن دفع الرواتب. من الواضح أن النخبة الحاكمة في العراق لا ترى أبعد من أنفها، إذ لا يمكنها الاعتماد دائماً على أسعار النفط العالية أو على توقف النمو السكاني الذي أدى، منذ عام 1960، إلى مضاعفة عدد السكان في العراق كل 23-25 عاماً. سيكون الاصطدام بالوقائع الريعية والسكانية قريباً، وسيكون مؤلماً.
أي تنمية
كل الأرقام المذكورة أعلاه تؤكد هشاشة الوضع الحالي وتبين ضرورة العمل الجاد على حل الأزمات التي تعصف بالعراق واقتصاده وبيئته. يخضع العراق حالياً لنظام محاصصة طائفية – إثنية تتنازع فيه القوى على مغانم الميزانية والاقتصاد بشكل عام، في ظل تبعية مكشوفة تتقاسمها الولايات المتحدة الأميركية (في تراجع) وإيران (في تصاعد)، بالإضافة إلى تدخلات أخرى مثل تركيا (التي تملك عدة قواعد عسكرية في شمال العراق) وأغلب الدول المحيطة. يعاني العراق أيضاً من اقتصاد متخلف، يتميز بتأخر الصناعة، وعدم كفاية توفير الكهرباء حتى الآن، وزراعة لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من الاحتياجات الاستهلاكية رغم الدعم الحكومي.
ويمتاز هذا الاقتصاد بأنه استيرادي واستهلاكي لدرجة كبيرة، حيث تشير أرقام عام 2022 إلى أن العراق استورد ما مقداره 67 مليار دولار (أغلبها من البضائع الاستهلاكية) من الصين وتركيا ثم إيران، وهو رقم كبير بالنسبة لعدد السكان ووفقاً لمعايير المنطقة. فعلى سبيل المثال، تبلغ ميزانية الحكومة الأردنية لعام 2023 حوالي 16 مليار دولار فقط.
ويعاني العراق أيضاً من أزمة بيئية حادة ذات أوجه متعددة، منها شحة المياه بسبب انخفاض منسوب التدفق في نهري دجلة والفرات أو روافدهما من تركيا وإيران، المصدرين الرئيسيين لنهر دجلة ونهر الفرات. بالإضافة إلى مشكلة التصحر، وتملح الأراضي، وازدياد العواصف الرملية، وغيرها من المشاكل. ورغم أن لهذه الأزمة أسباب إقليمية ودولية، إلا أن الأسباب المحلية ليست غائبة، بل تحمل طابعاً خطيراً أيضاً، يتمثل بشكل أساسي في انبعاثات غاز الميثان، حيث يتصدر العراق قائمة البلدان المصدرة لهذا الغاز. ومصادر غاز الميثان كثيرة، منها حرق الوقود الأحفوري، والمطامر الصحية، ومزارع تربية الدواجن والأبقار، إلا أن حرق الوقود المصاحب لزيادة الإنتاج النفطي، الذي شهدته البلاد في العقدين الأخيرين، وبالأخص في جنوب العراق، يبقى السبب الأكبر.
وفقاً لتقرير جريدة الشعب (الجريدة اليومية للحزب الشيوعي العراقي) في عددها الصادر في 18 سبتمبر/أيلول 2024، تشير تقديرات الأكاديمي والناشط البيئي الدكتور شكري الحسن إلى أن العراق يسهم بحوالي 9 بالمئة من انبعاثات غاز الميثان في العالم، مع العلم أن غاز الميثان يتسبب بأكثر من 80 بالمئة من الأثر الناتج عن غاز ثاني أكسيد الكربون في الاحتباس الحراري. وبالإضافة إلى هذا التأثير الأخير، يؤثر غاز الميثان بشكل غير مباشر على الصحة البشرية، والزراعة، ومستوى الغطاء النباتي. وعلى الرغم من وجود عقوبات على “التلويث” عند استخراج النفط، فإن الشركات بشكل عام تفضل دفع غرامات التلويث الذي تسببه بدلاً من معالجة أسباب التلوث، مثل البدء باستخراج الغاز بدلاً من حرقه، نظراً لقلة قيمة العقوبات. ومن المفترض أن تُستخدم هذه الغرامات في تحسين الواقع المعيشي للناس في المناطق النفطية، إلا أن ذلك لم ينعكس عليهم.
سيكون من المضحك، في ظل هذه التحديات، الالتزام بالسياسات النيوليبرالية من “حرية التجارة” و”عدم التدخل” لحل هذه المعضلات وفق منطق القطاع الخاص والسوق. إن نظرة سريعة إلى تاريخ كافة البلدان المصنعة توضح لنا أن كل منها قد مارست في فترة انطلاقها سياسة حمائية لمساعدة المنتج المحلي على النهوض والمنافسة، بينما توجه وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي العراق إلى اتجاهات معاكسة. عدا أن البلدين اللذين اتبعا هذه الوصفات واعتُبرا نماذج للنجاح قبل عام 2010، وهما مصر وتونس، قد شهدنا كيف أدت هذه الوصفات إلى مأزق لأوليغارشيتيهما، وتفاقم الأزمتين وانفجار الأوضاع فيهما.
أما الطريق الآخر، الذي يُبشر به أنصار “الحاكم المستبد العادل” للتخلص من هذه الفوضى وردع كل فاسد، فهو العودة إلى نموذج التخطيط البيروقراطي القائم على التسلط المركزي للدولة، والخاضع لأهواء “القائد”، مع هيمنة ديكتاتورية شمولية تقمع أي بادرة لتدخل الجماهير في الساحة السياسية لتقرير مصيرها فتواجه بأشد أنواع العنف. هذا النوع من الحكم هو الذي أوصلنا بالتحديد إلى الغزو الأميركي عام 2003، بعد عقود من الحروب الداخلية والخارجية وفرض سياسة تكميم الأفواه وتكبيل الأيادي.
التنمية والسيادة… متلازمتان
في الوقت الذي يرى فيه البعض منا أن الديون الخارجية تشكل عائقاً مُكبلاً للتنمية، وهو أمر صحيح بالطبع، إلا أن العراق يشذ هنا عن القاعدة. لكن هذا الشذوذ صوري للغاية، فهو يؤكد القاعدة الأساسية في الأمر بأن التبعية، التي غالباً ما تأتي عن طريق المديونية، هي التي تكبل التنمية. على عكس حالة العراق، التي تعرقلت التنمية فيه، ليس بسبب الديون، على الأقل في العقدين الأخيرين، بل بسبب التبعية وفقدان السيادة بمعنييها الداخلي والخارجي. ويتعلق المعنى الداخلي بإبعاد الجماهير عن التدخل في “الشأن السياسي” من خلال حرمانها أكثر فأكثر من الحريات الديمقراطية، وأيضًا بالتأثيرات من القوى الإقليمية والدولية.
سأورد هنا مقاطع من كراس هام بعنوان «السيادة والتنمية» للدكتور والباحث واللبناني جلبير الأشقر، وهو يبين تلازم هاتين السيادتين مع التنمية، مع التأكيد على الجانب البيئي… وهو خير من يوجز هذا الأمر:
“(…) لا تنمية متناسقة بلا سيادة وطنية، إذ إن التنمية المتناسقة لا بدّ لها من تدعيم السيادة الوطنية من خلال تطوير متناسق للقدرات الاقتصادية للدولة النامية، الأمر الذي يستحيل بدون القضاء على تبعيتها، أي على ارتهانها غير المتكافئ لدول أخرى أكثر تطوّراً. والغاية هي أن يحلّ محلّ ذلك الارتهان التبعي ارتهانٌ متبادل ومتكافئ هو السمة الطبيعية للعلاقات الاقتصادية بين الدول الصناعية.
والحال أن شرط مثل هذه التنمية هو القطيعة مع الإطار النيوليبرالي القائم على حرية التجارة وأولوية القطاع الخاص. فإن تجارب التنمية الناجحة لدول حصل نموّها في ظروف سيادة دول أخرى على السوق العالمية في زمننا المعاصر، شأنها في ذلك شأن الدول التي كانت الأولى تاريخياً في تحقيق التصنيع بحيث أتيح لها الانتساب إلى مركز النظام الرأسمالي العالمي، تلك التجارب جميعاً إنما استندت إلى حماية إنتاجها الوطني ودور مركزي للدولة والقطاع العام في رعايته ودفع تنميته، بخلاف العقيدة النيوليبرالية الداعية إلى تقليص دور الدولة إلى حدّه الأدنى والتعويل على القطاع الخاص وحده في ظروف من الحرّيات الاقتصادية غير المقيّدة.
أما الدرس الثاني الذي ينبع من كل ما سبق، بما في ذلك مناقشتنا للدرس الأول أعلاه، فهو أن للتنمية المتناسقة شرطًا لا غنى عنه على الإطلاق يتعلّق بالمعنى الآخر للسيادة. فإن المفهوم السياسي للسيادة لا يقتصر على السيادة الوطنية، أي سيادة الدولة إزاء الدول الأخرى في المجتمع الدولي، بل يتعلق أيضاً بالسيادة داخل الدولة ذاتها. وهو المعنى الأقدم للسيادة الذي أشار إلى سلطة سيّد المجتمع، وقد كان إمارة فردية في معظم الحالات التي عرفها التاريخ البشري. ومع العصر الحديث انتصرت فكرة الديمقراطية وما اقترن بها من مطالبة بسيادة الشعب في الدولة.
وقد التفّت الأقليات الميسورة على تلك المطالبة من خلال حصر السيادة الشعبية بعملية انتخابية تجري كل بضع سنوات، يلعب فيها المال دوراً رئيسياً، وهي نموذج الديمقراطية الانتخابية التمثيلية التي يتصرّف الممثل بموجبها كما يطيب له، وهو حرّ من أي تفويض ملزِم. وبالتوازي مع ذلك النموذج الذي تطوّر نقده الجذري، جرت صياغة نموذج بديل هو ما يُطلق عليه اسم “الديمقراطية المباشرة”. وتقوم هذه الأخيرة على رقابة دائمة يمارسها الناخبون، أي الشعب، على الحكم وعلى النواب المُنتخبين، مع الاحتفاظ بصورة دائمة على القدرة على تبديل أي نائب يخون التفويض الموكل إليه في أي وقت. ويتكامل مفهوم الديمقراطية المباشرة مع مبدأ الرقابة الجماعية على كافة مواقع السلطة داخل المجتمع، سواء كانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية.
والحال أن كافة نماذج التنمية التي شهدها التاريخ حتى الآن، الرأسمالية منها كما البيروقراطية، تشير إلى خلاصة واحدة، هي ضرورة اعتماد الديمقراطية المباشرة في تسيير الدولة والاقتصاد. وبينما انهار النموذج البيروقراطي بسبب تناقضه المطلق مع تلك الضرورة، سعت الرأسمالية إلى احتواء صعود المطالبة بالديمقراطية المباشرة من خلال فسح المجال أمام صيغ من رقابة “المواطن”، تتم غالبيتها عبر “منظمات غير حكومية” لا تجد النيوليبرالية صعوبة في استيعابها، بتصويرها لدور “المجتمع المدني” كرديف سياسي لدور السوق في المجال الاقتصادي. غير أن الحيلة لم تنطلِ طويلاً، وقد رأينا في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً للمطالبة بديمقراطية مختلفة جذرياً عن تلك التي تشكّل المصلحة الرأسمالية سقفها.
فإن التنمية المتناسقة تقتضي سيادة شعبية حقيقية بشكل الديمقراطية المباشرة والرقابة القاعدية على الدولة والانتاج. ولا بدّ للأغلبية الشعبية من أن تُشرف مباشرة على التنمية، بحيث تضمن تلبية هذه التنمية لحاجات عموم الشعب واحترامها لشروط الحفاظ على البيئة. فضلاً عن ذلك، تحتاج التنمية المتناسقة إلى تخفيض تكاليف نشاطات الدولة غير المنتجة، وفي طليعتها النشاطات القمعية وكافة أشكال التبذير البيروقراطي. ولا يكتمل هذا الشرط بغير ديمقراطية قاعدية حقيقية هي الطريق الوحيد إلى تنمية تسير بالإنسانية إلى مستقبل مشرق بدل السير بها إلى الظلام والهلاك”.
الكاتب: سعيد كريم / العراق
هذا المقال مأخوذ من العدد الثاني من مجلة أصوات الكوكب الأخرى على الرابط التالي : الرابط
________
مصادر:
1 – إطلالة على تاريخ ديون العراق السيادية، مظهر محمد صالح، 01-04-2024، نشرة الحوار المتمدن
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=661174&r=165&cid=0&u=&i=9951&q=
2- مستشار حكومي يكشف حجم ديون العراق الخارجية والداخلية: نخطط لتسديدها، بغداد اليوم، 03-04-2024
https://shorturl.at/Ht7up
3-أكثر من 3.5 مليون عراقي يعيشون في العشوائيات، رووداو العربية، أنمار غازي، 05-07-2024
https://shorturl.at/geDoZ
4-العراق الأعلى عالميا في عدد موظفي القطاع العام، أحمد الدباغ، 23/11/2022 – الجزيرة نت
https://shorturl.at/rGEwL
5- السيادة والتنمية، جلبير الأشقر، منتدى البدائل العربي ومكتب روزا لوكسمبورغ – مكتب شمال أفريقيا، ٢٠١٧.
وهو متوفر رقميا على الرابط التاليhttps://www.afalebanon.org/ar/publication/5974/السيادة-والتنمية/
