تحفل الثقافة الشعبية اليمنية بالحِكَم التحذيرية من مراكمة الديون. وفي حين لا يمكن الجزم بأن هذه التحذيرات المتوارثة عبر الأجيال انعكست في سياسة وأداء الحكومات المتعاقبة، قد يشير عدم تورط اليمن بديون خارجية ثقيلة الوطأة، إلى دور هذه الثقافة في اللاوعي الجمعي لقادة البلاد.

الحديث عن عدم تورّط اليمن بديون خارجية ثقيلة الوطأة لا يعني أن كاهل البلد متخفف من الديون الخارجية تمامًا، خاصة مع تأثير التغيرات في الاقتصاد العالمي على خدمة الديون، والتوقف شبه الكامل لعجلة التنمية في البلاد.

تُرجع بعض الدراسات تاريخ الديون الخارجية في اليمن إلى مطلع سبعينيات القرن العشرين، وهو العقد الثاني لتأسيس النظام الجمهوري في كلا شطرَي البلاد: الشمال والجنوب[1]. قبل توحّد البلاد، اعتمدت كلا الحكومتين في الشطرين على المساعدات والديون الخارجية لسد فجوة تمويل مشاريع التنمية، وكان لحكومة الشمال أسبقية التعامل مع البنك الدولي منذ منتصف عقد السبعينيات. وإذا كانت حكومة الجنوب – ذات النظام الاشتراكي- لم تتعامل مع البنك الدولي، فقد كانت معظم ديونها الخارجية من الاتحاد السوفييتي الذي كان يحتفظ أيضًا بعلاقات تجارية تتضمن قروضًا ميسرة، مع حكومة الشمال.

عندما توحد شمال اليمن وجنوبه في 22 مايو/ أيار 1990، كانت الديون الخارجية المتراكمة على كلا الحكومتين تقارب 10 مليارات دولار، مشكّلةً ما يعادل 106 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. نسبة 65 في المئة من ذلك المبلغ كانت مستحقة لمجلس التعاضد الاقتصادي الذي موّل الاتحاد السوفييتي 97 في المئة من الديون التي منحها المجلس لليمن الجنوبي قبل الوحدة. كان بين الدائنين أيضًا دول أخرى ومؤسسات دولية، وبلغت خدمة الدين على اليمن في سنة إعلان الوحدة 696 مليون دولار، بينما تراجعت جدارته الائتمانية بسبب تخلفه عن السداد في تلك السنة[2]

 

ديون دولة الوحدة

لمعالجة العجز في موازنتها العامة، لجأت الحكومات المتعاقبة في دولة الوحدة إلى الاقتراض من البنك المركزي اليمني، خاصة بعد انخفاض الجدارة الائتمانية لليمن، وما شهدته البلاد من أزمات سياسية واقتصادية بدأت في 1991 بترحيل السعودية قرابة مليون مغترب يمني على إثر موقف الحكومة اليمنية الداعم للعراق في اجتياح الكويت. بالتزامن مع أزمة ترحيل المغتربين، التي كانت تحويلاتهم المالية تغذّي سيولة النقد الأجنبي، نشأت أزمة سياسية بين شريكَي الوحدة، وما لبثت تلك الأزمة أن تحولت إلى حرب صيف 1994 التي انتهت لصالح الشمال وبقاء البلد موحّدًا. مع انتهاء الحرب التي استمرت شهرين، بدأت أزمة اقتصادية حادة بلغ فيها العجز في الناتج المحلي الإجمالي 15 في المئة.

في السنة التالية لحرب صيف 94، أطلقت الحكومة اليمنية برنامجًا للإصلاح الاقتصادي والإداري بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. أظهر هذا البرنامج تحسّنًا في الإيرادات وانخفاضًا في عجز الناتج المحلي الإجمالي من 15 في المئة إلى 5 في المئة. وبناءً على ذلك، تمكنت الحكومة في 1997، من المطالبة بإعادة هيكلة ديونها الخارجية. نجحت تلك المطالبة بشطب 67 في المئة من ديون اليمن، بما في ذلك 80 في المئة من الديون المستحقة لروسيا الاتحادية- وريثة الاتحاد السوفييتي. تمت إعادة الهيكلة تلك بموجب ما سمّيت حينها “شروط نابولي”، وهي عملية هيكلة أطلقها نادي باريس سنة 1994 لشطب ثلثي ديون الدول الأكثر فقرًا. على إثر ذلك انخفضت مديونية اليمن الخارجية من 8 مليارات و320 مليون دولار سنة 1995 إلى 4 مليارات و930 مليار دولار سنة 2000[3]. إلّا أن عداد الديون عاد مرة أخرى إلى الارتفاع بالتزامن مع خوض الحكومة حربًا جديدة من ست جولات (2004-2010) أو ما تسمّى محلّيًا “حروب صَعْدَة”، ضد جماعة الحوثيين في أقصى شمال البلاد، وهي الجماعة التي تمكنت في 2014 من الانقلاب على السلطة والسيطرة على معظم محافظات شمال اليمن. بحلول سنة 2008، ارتفع الدين الخارجي إلى 9.8 مليار دولار، وفي 2009 قفز حجم الدين إلى 12.8 مليار دولار، بما يعادل 51 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

لم تكن حروب صعدة وحدها التي أثّرت في تضخم حجم الدين العام الخارجي والمحلي لدولة الوحدة، بل تظافرت معها الأزمة المالية العالمية سنة 2008، والانهيار المترتب عليها في أسعار النفط، إضافة إلى نشوء حركة الاحتجاجات في الجنوب (الحراك الجنوبي السلمي) سنة 2007 وتصاعد المطالب بانفصال الجنوب عن الشمال.

في 2010، دعم صندوق النقد الدولي برنامجًا لتحقيق الاستقرار من خلال تقديم تسهيل ائتماني ممدد لخفض عجز الموازنة، إلى حد كبير، من خلال خفض الدعم الحكومي لأسعار الوقود، وزيادة الإيرادات الجمركية، وتطبيق الضريبة العامة على المبيعات[4]. كانت هذه الإجراءات، وغيرها، ضمن شروط صندوق النقد الدولي، التي يعتبرها أداة سحرية للتنمية المستدامة، وطالما قدّم “المساعدة الفنية” للحكومة اليمنية لتنفيذها!

 

ثورة فبراير

ضمن موجة الاحتجاجات الشعبية (الربيع العربي) سنة 2011، أخذت الاحتجاجات الشعبية في اليمن منحًى تصاعديًا منذ 11 فبراير/ شباط 2011، متخلِّقةً عن “ثورة فبراير”.

شمل تصعيد الاحتجاجات تأسيس مخيمات اعتصام مفتوح في معظم المدن الرئيسية، وتمخض القمع الذي واجهت به الحكومة هذا التصعيد عن انشقاقات سياسية وعسكرية في صفوف نظام الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح. وبالرغم من وصول الأمر إلى مواجهات مسلحة بين قوات السلطة والقوات المنشقة عنها، كما حدث في صنعاء العاصمة ومدينة تعز، فقد عاد الهدوء النسبي إلى البلاد بتوقيع “المبادرة الخليجية” بين السلطة والمعارضة.

طالما اعتمدت الحكومات المتعاقبة في اليمن على إيرادات النفط والغاز. بالرغم من أن اليمن ليس منتجًا كبيرًا للنفط، فقد كانت الكمية المتراوحة بين 250-300 ألف برميل يوميًا توفر من 60-90 في المئة من موازنته العامة. وفي ظل عدم وجود مشاريع تنموية عملاقة في الخطط الحكومية، كانت المنح والقروض الخارجية الميسرة تُستخدم في تمويل بعض المشاريع الخدمية والتنموية الصغيرة والمتوسطة.

منذ سنة 2011، ونتيجةً لمحدودية وصول الحكومة إلى القروض الخارجية الميسرة بسبب الاضطراب السياسي، استحدثت الحكومة “أداة تمويل بالصكوك الإسلامية لجذب الأصول المالية للبنوك الإسلامية. ومع حلول سنة 2014، كانت جميع الديون المحلية مُصدَرة من قبل البنك المركزي في شكل أذون خزانة وسندات حكومية وصكوك إسلامية”. خلال هذه الفترة، أسفر الوصول المحدود للحكومة إلى القروض الخارجية عن ارتفاع الدين الخارجي من 6.1 مليار دولار في 2011، إلى 7.3 مليار دولار في 2014. مصادر هذه الديون كانت موزّعة كالتالي: دول أعضاء في نادي باريس- 22 في المئة؛ دول غير أعضاء في نادي باريس- 29 في المئة؛ وديون متعددة الأطراف- 47 في المئة.

بالرغم من أن البلد كان في حالة عدم استقرار سياسي وأزمات اقتصادية متلاحقة، استمرّت الحكومة في الإنفاق على سداد الديون الخارجية وخدماتها. بحسب التقارير الحكومية لتلك الفترة، سدد البنك المركزي خلال الفترة من 2012- 2014، 551 مليون دولار من أقساط الديون الخارجية وخدماتها، بينما انخفض هذا المبلغ في 2015 إلى 63.3 مليون دولار بسبب الحرب[5].

 

ديون وحرب شاملة

لعل ما حدث في اليمن خلال سنة 2014 وما بعدها معلوم على نطاق واسع، لكن لا بأس في ذكر أبرز حدثين مفصليين: الأول، انقلاب جماعة أنصار الله/ الحوثيين على السلطة في سبتمبر/ أيلول 2014، والسيطرة على العاصمة صنعاء ومعظم المحافظات الشمالية، بالتحالف مع الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح. أما الحدث الثاني، فهي العملية العسكرية التي قادتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ضدّ الحوثيين وصالح، وهي العملية المعروفة باسم “عاصفة الحزم” لمساندة السلطة المُنقَلَب عليها، حسبما أعلن آنذاك الناطق العسكري لـ”التحالف العربي” الذي شكلته الدولتان لهذا الغرض.

استمرت العمليات العسكرية لـ”التحالف العربي” من 26 مارس/ آذار2015- 2 أبريل/ نيسان 2022، حين تم الإعلان عن مبادرة للأمم المتحدة لإبرام هدنة مدتها شهران. جُددت الهدنة مرتين، في حين تعثر التجديد الثالث الذي كان يفترض أن يجري في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2022، وأن يمدّد الهدنة ستة أشهر. بالرغم من استمرار المواجهات العسكرية بصورة متقطعة بين جماعة أنصار الله/ الحوثيين، وبين الحكومة المعترف بها دوليًا، أوقفت السعودية والإمارات كافة العمليات العسكرية لـ”التحالف العربي”، مكتفيتين بدعم الأطراف التي تتشكل منها الحكومة المعترف بها دوليًا.

خلال سنوات الحرب الشاملة (2015-2022)، تمزق الاقتصادي الوطني لليمن، ملقيًا بثقل هائل على الاقتصاد المعيشي للمواطنين، وبلغت نسبة السكان الواقعين في نطاق المرحلة الثالثة من المجاعة 60 في المئة، بإجمالي 19 مليون نسمة. تفاقمت الأزمات الاقتصادية منذ أغسطس/ آب 2016 على إثر قرار الحكومة المعترف بها دوليًا نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، بمبرر استخدام الحوثيين لاحتياطيات البنك وأصوله الخارجية في تمويل الحرب. أدّى ذلك إلى انقسام في السياسة النقدية وصولًا إلى انهيار قيمة العملة الوطنية (الريال) أمام العملات الأجنبية. فقد انخفضت قيمة العملة من 221 ريال لكل دولار أمريكي في 2015، إلى 530 ريال في مناطق سيطرة أنصار الله/ الحوثيين سنة 2024، وفي مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا وصلت قيمة الريال أمام الدولار في السنة نفسها إلى 1920 ريال.

خلال هذه السنوات السبع، وعلى إثر سيطرة جماعة أنصار الله/ الحوثيين على العاصمة صنعاء، فقدت الحكومة المعترف بها دوليًا وثائق اتفاقيات الديون الخارجية، التي كانت الحكومات السابقة تحتفظ بها في مقر البنك المركزي. لحل هذه المشكلة، لجأت الحكومة إلى تشكيل فريق عمل يضمّ ممثلين عن البنك المركزي في عدن، وزارة المالية، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، من أجل إعادة جمع البيانات المتعلقة بمديونية اليمن الخارجية، بالتواصل مع الجهات الدائنة، وإعادة تشغيل ما يسمى “نظام الدنفاس”[6]. كما تمّ رفد هذا الفريق بخبراء من شركة براجما كورب، وبتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ووكالة المعونة البريطانية.

 

الانهيار مستمر

شهدت مديونية اليمن الخارجية بين 2015 و2017، استقرارًا عند حدود 7 مليارات دولار، وحصلت على مهلة سداد الديون من الدول والأطراف الدائنة حتى سنة 2020. مع ذلك، ارتفعت نسبة الدين الخارجي مع قرار المملكة العربية السعودية بإيداع ملياري دولار سنة 2018 لدى البنك المركزي في عدن، لمساعدة الحكومة في تمويل استيراد السلع الأساسية وضبط سعر صرف العملة الوطنية الآخذ بالانهيار. في 2022، وبالتزامن مع نقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس القيادة الرئاسي، أضافت السعودية وديعة أخرى للبنك بقيمة 1.2 مليار دولار، إلى جانب مليار دولار منحة مساعدة لتسيير عمل المجلس. وبالرغم من وصول فجوة التمويل التي تواجهها الحكومة إلى درجة العجز عن تمويل استيراد السلع الأساسية، ناهيك عن مشاريع التنمية، استمرت المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي في المطالبة بسداد ديونها. وبحسب التقرير الفصلي الرابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لسنة 2021، بلغ إجمالي خدمة الدين للمؤسسة الدولية للتنمية على اليمن خلال العامين 2019 و2020، 78 مليون دولار، و85.9 مليون دولار أمريكي على التوالي. ومن إجمالي خدمة الدين المدفوعة سنة 2020، تم سداد 74.8 مليون دولار لأصل الدين و11.1 مليون دولار كمدفوعات فائدة. وخلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى يونيو/ حزيران 2021، بلغ إجمالي خدمة الدين المدفوعة للمؤسسة الدولية للتنمية 46.1 مليون دولار، منها 40 مليون دولار لسداد أصل الدين و6.1 مليون دولار لمدفوعات الفائدة[7]. 

اعتباراً من عام 2020 ، بلغ دين اليمن الخارجي ما يقرب من 8.8 مليار دولار أمريكي. وبسبب الانهيار الاقتصادي العام وتدهور قيمة العملة الوطنية، ارتفعت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من ثلاثة أضعاف بين عامي 2015 و2020، أي من 22 في المئة إلى 77 في المئة. وتعتبر المملكة العربية السعودية أكبر الجهات المقرضة الثنائية لليمن، بنسبة 39 في المئة من ديون اليمن المستحقة لدول من خارج نادي باريس، بينما تعتبر روسيا من أكبر الدائنين من بين دول نادي باريس، بنسبة 72 في المئة من الديون المستحقة لدول نادي باريس، أو قرابة 13 % من إجمالي ديون اليمن الخارجية.

 

تجربة إعادة هيكلة الديون وشطبها

بالإضافة إلى مهلة السداد التي حصلت عليها الحكومة اليمنية من الأطراف الدائنة حتى 2020 بسبب الحرب، استفاد اليمن من دعم صندوق النقد الدولي المرتبط بمواجهة جائحة كوفيد- 19 المقدم عبر الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون، والذي تلقى اليمن بموجبه ما قيمته 42.45 مليون دولار لتخفيف أعباء خدمة الديون بين أبريل/ نيسان 2020 وأكتوبر/ تشرين الأول 2021. كما مُددت مدة المهلة لاحقًا حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2021. ووقّعت الحكومة اليمنية اتفاقيات ثنائية مع بعض مقرضي نادي باريس، وغيرهم، بما في ذلك إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، لتعليق مدفوعات خدمة الدين ووضع جدول سداد جديد لها بدءاً من يونيو/ حزيران 2022. جميع الأمثلة المذكورة تشير إلى أن الحكومة اليمنية تفاوضت مع المقرضين الخارجيين لتخفيف أعباء خدمة الديون عن طريق إعادة هيكلة الديون وإعادة جدولتها[8]. أما شطب الديون فقد جرى بمبادرة الجهات الدائنة التي حولت بعض الديون المستحقة لها إلى مِنَح، ولا سيما المملكة العربية السعودية، وإلى حدّ ما، البنك الدولي[9]. عدا ذلك مازالت الحكومة تعتمد على التفاوض مع الجهات الدائنة، خاصة في ما يتعلق بالديون الثنائية، ولا يبدو أنها حاليًا في وضع يسمح لها بالتفاوض على إلغاء أي دين خارجي.

 

عواقب جنائية

أكبر المتضررين من الدين العام الخارجي هم المواطنون، وبالنظر إلى شروط البنك الدولي وصندوق النقد التابع له، فلا غرابة في وصف تأثيراتها على المواطنين بالجنائية. قد لا يكون نصيب اليمن كبيرًا من جناية البنك الدولي نظرًا لمحدودية اقتراض الحكومة مقارنة بدول أخرى، لكن العبرة في عواقب السياسات النيوليبرالية التي حاول البنك فرض تطبيقها بتسميات مختلفة إحداها “الإصلاحات”.

حتى نهاية تسعينيات القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة، كانت جميع مؤسسات الخدمات العامة في اليمن تابعة للحكومة، وكانت هذه الأخيرة تدعم السلع الأساسية كالغذاء والدواء والوقود. ومع انخراطها أكثر في سياسات مجموعة البنك الدولي، شملت “الإصلاحات” المزعومة خصخصة كثير من القطاعات الحكومية، كالتعليم والصحة والكهرباء، وغيرها. لم تبِع الحكومة منشآت الدولة، لكنها شرّعت قوانين للاستثمار فتزايدت المدارس والجامعات الأهلية والمستشفيات الخاصة بصورة مهولة. كما تعاقدت الحكومة مع شركات تجارية لتوفير الكهرباء بأسعار باهظة، وتكفّلت بتزويدها بالوقود وسمحت لها باستخدام البنية التحتية الحكومية، ما أدى إلى فتح أبواب جديدة للفساد المالي والإداري.

سنة 1995، وبالتزامن مع برنامج الإصلاحات الذي أطلقته الحكومة بعد حرب صيف 1994، أطلق صندوق النقد الدولي مشروع “تعزيز الإدارة الاقتصادية والمالية” بهدف تقديم “المساعدة الفنية” للسلطات المعنية باستخدام قروض الصندوق. لم يُنفَّذ المشروع بالطريقة التي أرادتها إدارة الصندوق بسبب تحفظ السلطة- وكذلك المعارضة على مستوى البرلمان- على كثير من تدخلات الخبراء في إدارة الموارد والنفقات. مع ذلك، استمر تنفيذ سياسة الصندوق العامة في جوانب خفض الإنفاق الحكومي، رفع الدعم عن السلع الغذائية والدوائية والوقود، وتحصيل الضرائب، بما في ذلك استحداث ضريبة القيمة المضافة[10].

نتج عن تلك التدخلات رفع الدعم الحكومي عن السلع الغذائية والدواء والوقود، وخفض الإنفاق على الصحة والتعليم والكهرباء والمياه، وزيادة اعتماد الموازنة العامة على إيرادات النفط والمساعدات والقروض الخارجية والداخلية. رُفع الدعم الحكومي على مراحل أو ما كانت تُسمى “جُرَع” سعرية. وفي كل مرحلة كانت قرارات رفع الدعم تُواجه بمظاهرات شعبية غاضبة، ولعلّ ذلك الغضب الشعبي وجد طريقه بسهولة إلى احتجاجات سنة 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس صالح. ولم يكن حال “حكومة الوفاق” التي كانت إحدى نتائج “ثورة فبراير 2011” والتسوية السياسية المترتبة عليها، أفضل حالًا؛ ففي منتصف 2014، قررت الحكومة رفع سعر الوقود بنسبة 38 في المئة، في الوقت الذي كانت لا تزال فيه التسوية السياسية شديدة الهشاشة. هاج الشارع اليمني من جديد، وتلقفت غضبه جماعة أنصار الله/ الحوثيين، وصولًا إلى انقلابها على السلطة، سيما أن الجماعة لم تكن ضمن الأطراف المتوافقة على التسوية السياسية.

في هذا السياق يجدر بالمرء أن يتساءل عن مشاركة سياسات مجموعة البنك الدولي والدول المانحة، في دفع الأزمات السياسية في اليمن إلى هاوية الحرب الأهلية؟

منذ بداية الحرب الشاملة في 2015، تضررت أكثر من 2900 من بين قرابة 16 ألف مدرسة، للتدمير الكلي أو الجزئي بسبب القصف الجوي والبري بسبب تحويلها إلى مواقع عسكرية للمتحاربين أو استضافة نازحين فيها. بالإضافة إلى ذلك، تلقت العملية التعليمية ضربة قاصمة على إثر توقف صرف مرتبات المدرّسين، سيما في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله/ الحوثيين منذ سبتمبر/ أيلول 2016 بعد نقل البنك المركزي إلى عدن.

أدى توقف صرف المرتبات إلى تسرّب آلاف المدرسين إلى مهن أخرى لمواجهة أعباء المعيشة، وهذا بدوره أدّى إلى ارتفاع متسارع في نسبة تسرّب الطلبة من المدارس، ناهيك عن ارتفاع نسبة عدم الالتحاق بالمدرسة في صفوف الأطفال فوق سنّ الخامسة.  سنة 2021، قدّرت منظمة اليونسيف عدد الأطفال في سنّ الدراسة 10.6 ملايين طفل، منهم مليوني طفل خارج المدرسة، وأربعة ملايين آخرين يعانون اضطرابات في انتظام تعليمهم بسبب النزوح المتكرر أو عدم القدرة على تحمّل الأسرة نفقات الدراسة[11]. وفي السياق نفسه، أظهر تحليل حديث لبيانات “التقرير العربي حول الفقر متعدد الأبعاد-2017″، أن عدد المتسربين أو غير الملتحقين بالمدرسة يبلغ 3.72 ملايين من إجمالي 12.32 مليون نسمة تحت سنّ الــ 18.

التعليم الجامعي بدوره ليس استثناءً في ظل هذا الخراب ومفارقاته. ففي حين تزايد عدد الجامعات الحكومية من 10 جامعات قبل الحرب إلى 18 جامعة، معظمها أنشئت لأهداف سياسية، ارتفع عدد الجامعات الأهلية إلى 44 جامعة، جميعها أنشئت بهدف الاستثمار والربح. ومن مفارقات هذه المرحلة العجيبة أيضًا أن أقدم وأكبر الجامعات الحكومية، وهي جامعة صنعاء، شهدت إغلاقًا لبعض الأقسام الدراسية فيها بسبب تراجع عدد الملتحقين بها.

علاوة على ذلك، لم يعد التعليم الجامعي ذا أهمية في حسابات الأُسرة اليمنية لحصول أبنائها وبناتها على فرص عمل أفضل، وأبعد من ذلك انضربت أهمية التعليم من أجل العمل بصورة عامة في نفوس الشباب تحت سنّ الـ18. فنسبة البطالة الإجمالية بلغت خلال سنوات الحرب قرابة 80 في المئة بعد أن كانت 14.6 في المئة سنة 2010، وارتفعت تكلفة السلة الغذائية في 2021 بنسبة 145 في المئة عن تكلفتها سنة 2015[12]. لذلك يلجأ الشباب إلى الهجرة بحثًا عن وطن بديل في بلدان أوروبا، بينما تحشد معظم الأُسر مواردها لمساعدة أبنائها على الهجرة للعمل في السعودية، وبدرجة أقل في بلدان الخليج العربي الأخرى.

تبدو الهجرة بغرض العمل خيارًا رئيسيًا في اليمن، سواء على مستوى قوة العمل أو الأسرة؛ فعن طريقها يستطيع الفرد العامل أن يوفر لأسرته عيشًا كريمًا، وأحيانًا يستطيع العامل في المهجر أن يعيل أكثر من أسرة في نطاق العائلة الكبيرة. إضافة إلى ذلك، ترى كلا الحكومة المعترف بها دوليًا وسلطة جماعة أنصار الله/ الحوثيين، في تحويلات المغتربين والمهاجرين النقدية، مصدرًا شديد الأهمية لتدفق النقد الأجنبي إلى البلاد. ومع بلوغ عدد اليمنيين في الخارج قرابة تسعة ملايين نسمة، أي نسبة 30 في المئة من عدد السكان المقدّر بـ30 مليون نسمة[13].

وعلى أهمية الهجرة الخارجية في حفظ الكرامة المعيشية لليمنيين في الداخل، وتعزيز النقد الأجنبي في البلاد، لا تظهر في الأفق أية بدائل لإنعاش الاقتصاد الوطني المتداعي والمثقل بالديون، وبالمساعدات الخارجية التي لا بدّ من أن يدفع الشعب ثمنها عاجلًا أم آجلًا. ذلك أن رهن اقتصاد البلاد للقروض، والمساعدات الخارجية، وتحويلات المغتربين والمهاجرين، ليس بديلًا، على سبيل المثال، للتنمية الزراعية والصناعية، تحديث شروط التجارة الخارجية، استئناف تصدير النفط وتنمية الإيرادات غير النفطية، والأهم من ذلك كله وبالتزامن معه، ضبط الأوعية الإيرادية في يد الدولة، وتحصينها من الفساد الإداري والمالي.

 

خلاصة

بالنظر إلى الوضع الذي يعيشه اليمن، أي حالة اللاحرب واللاسلم، والانهيار المستمر للاقتصاد الوطني بسبب استمرار الانقسام السياسي والنقدي، وغياب التنمية الاقتصادية، وسوء إدارة الدين العام… وما إلى ذلك من العوامل، يبدو أن اليمن بحاجة إلى ما هو أكثر من إلغاء ديونه الخارجية. فبين 2022 و2023، قفزت نسبة الدين العام على اليمن قياسًا بالناتج المحلي الإجمالي، من 77 في المئة إلى 100.5 في المئة، وفقًا لتقرير مجموعة البنك الدولي، الذي يشير في أكثر من موضع في سياقه إلى عدم توفّر “بيانات دقيقة وموثوقة” عن اليمن، كما هو الحال بالنسبة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة[14]. أما التقرير السنوي للبنك المركزي في عدن، فيشير إلى أن مديونية البلاد لمؤسسة التنمية الدولية مستمرة في الارتفاع بسبب “التغيرات العالمية التي طرأت على سعر تقييم حقوق السحب الخاصة”[15]، ما يعني أن عداد الديون الخارجية على اليمن مستمر في الدوران، بالرغم من توقف عجلة التنمية في البلاد. وفي حين تستمر الحكومة المعترف بها دوليًا في التفاوض مع الجهات الدائنة لإعفائها من الديون، لم تتشكّل بعد حالة وعي في اليمن بأهمية تكوين مناشط مدنية للضغط باتجاه إلغاء الديون الخارجية وإعادة رسم سياسة الاقتراض بما يخدم مشاريع تنمية حقيقية مستدامة.

 

لطف الصراري / باحث وكاتب من اليمن

هذا المقال مأخوذ من العدد الثاني من مجلة أصوات الكوكب الأخرى على الرابط التالي : الرابط

 

_______

هوامش :

1- “الديون الخارجية.. الأبعاد والمخاطر والدروس المستفادة، الحالة اليمنية”، مطهر العباسي، 2022.

2- “معالجة ثُقل أعباء الدين العام في اليمن”، وثيقة من إعداد الوحدة الاقتصادية بمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 2022.

3-  المرجع السابق.

4-  المرجع السابق.

5- “الدين العام في اليمن.. إعادة هيكلة الدين أو التخلف عن السداد”، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، نشرة المستجدات الاجتماعية والاقتصادية لليمن، العدد 15، يونيو/ حزيران 2016.

6- “ديون اليمن الخارجية وأثرها على الشعب اليمني”، المرصد اليمني لحقوق الإنسان، نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 + “معالجة ثُقل أعباء الدين العام في اليمن”، الوحدة الاقتصادية بمركز صنعاء.

7- “معالجة ثُقل أعباء الدين العام في اليمن”، الوحدة الاقتصادية بمركز صنعاء.

8- المرجع السابق.

9- “ديون اليمن الخارجية وأثرها على الشعب اليمني”، المرصد اليمني لحقوق الإنسان، نوفمبر/ تشرين الثاني 2021.

10- للمزيد، انظر: “المساعدة الفنية المقدمة من الصندوق إلى اليمن خلال السنوات المالية 1999-2003“.

11- “عندما يتعرقل التعليم، تأثير النزاع على تعليم الأطفال في اليمن”، يوليو/ تموز 2021.

12- “ديون اليمن الخارجية وأثرها على الشعب اليمني”. وللمزيد، انظر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: “قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن“، ديسمبر/ كانون الأول 2023.

13- بحسب بعض التقديرات بلغت قيمة تحويلات المغتربين اليمنيين في السعودية سنة 2023، أكثر من 3 مليارات دولار أمريكي.

14- “الصراع والديون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أحدث المستجدات الاقتصادية… أبريل/ نيسان 2024.

15-التقرير السنوي للبنك المركزي اليمني- عدن، 2023.