أجرت مجلة أصوات الكوكب الأخرى، مقابلة مع الكاتب و الباحث المصري، وائل جمال حول الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المنطقة العربية، وامكانات تحقيق تنمية عادلة ومستدامة لتحسين الأوضاع المعيشية للشعوب في ظل الديكتاتوريات و كماشة المديونية .

في ما يلي نص الحوار كاملا : 

1- لو طلبنا منك تقديم وصف شامل اليوم، للوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمنطقة العربية كيف تصفه؟

  • منطقتنا هي التجسد الأقصى لأزمة الرأسمالية العالمية المركبة في لحظتنا هذه وبكافة المعاني. ركود اقتصادي دائم يدفع ثمنه الشرائح الأفقر، أي غالبية السكان، مصحوب بتفاوت طبقي حاد في الدخل والثروة داخل وبين بلدانها، إلى جانب سيطرة اقتصادية واستبداد سياسي لتحالفات طبقية وحشية تعتاش على الإفقار الدائم. في الوقت نفسه تتجلى فيها نزوعات الدولة السلطوية النيوليبرالية باستيراد تقنيات المراقبة والضبط الاجتماعي. مع ذلك كله هناك الأزمة البيئية، والمنطقة من أكثر أقاليم العالم هشاشةً وتعرضاً لكوارثها. وهي أيضاً التجلي الأهم للهيمنة الإمبريالية العسكرية للولايات المتحدة وأذرعها من الامبرياليات الفرعية الإقليمية، وذروتها حرب الإبادة الجماعية في فلسطين، والإمبريالية الاقتصادية عبر نهب مواردها الطبيعية من ناحية، والمالية من ناحية أخرى من خلال الديون. كل عناصر الأزمة المركبة أو أزمة الأزمات التي يمر بها حكم الرأسمالية تعبر عن نفسها بأوضح ما يكون في منطقتنا.

2- لماذا في نظرك تعيش المنطقة العربية حالة “استثنائية” دون باقي مناطق العالم: حروب وأنظمة ديكتاتورية وعدم استقرار وبطالة جماهيرية… إلخ؟

  • لا أؤمن باستثنائية المنطقة العربية في الحقيقة. ويجب الحذر من دعاوى الاستثنائية لأنها تتحول إلى سلاح لقتل إمكانيات التحرر الديمقراطي والاجتماعي والوطني، على اعتبار أن هناك سمات جوهرانية في مجتمعاتنا تجعل من تخلفها واستبداديتها قدراً لا فكاك منه. هناك خصوصية للتطور الاجتماعي وتطور الدولة الرأسمالية في منطقتنا بلا شك، لكن المشتركات والتداخلات مع السوق العالمية وتقسيم العمل الدولي وترتيبات المصالح الدولية كبيرة للغاية بما يمكن من التفكير في التشخيص والحل كجزء من تحرر عالمي يستفيد وينسق ويتعلم من نضالات التحرر في العالم كله وليس فقط في دول التحرر العالمي. أزمة كأزمة الديون مثلاً لا يمكن الخروج منها بشكل جذري باستقلالية عن إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

3- هناك توصيفات عديدة لوضع التنمية في المنطقة الناطقة بالعربية مثل “التنمية المحبوسة” و”التنمية المعاقة”… إلخ. ما تشخيصكم لهذا الموضوع؟

  • ما من شك أن وضعية المنطقة في العالم وتوازن القوى المختل بين رأسمالياتها المتأخرة والرأسماليات الإمبريالية المهيمنة يعيق ويمنع فرص التنمية، بمعناها التحرري خارج أنظمة الاستغلال المحلي والدولي، لكن وعلى أهمية هذه الوضعية فالمعركة الأولى والأساسية معركة محلية، وكسب معركة التنمية: بإرساء دعائم ديمقراطية اقتصادية وسياسية قائمة على التخلص من الاستغلال والقمع، لا بد وأن يبدأ بالتنظيم المحلي للطبقات صاحبة المصلحة بهدف تغيير توازنات القوى من خلال عملية طويلة ومعارك صغرى عديدة محلية. العدو لا يكمن فقط في الخارج وإنما في الداخل أيضاً وفي الإقليم ذاته. وقد أثبتت لنا الثورات العربية في موجاتها المتتابعة كيف أن العاملَين يتداخلان وأن التحالفات التي تواجه التحرر مركبة. فكما أثبتت أن الثورات لكي تحقق أهدافها كان لا بد وأن تمتد للخليج مثلاً، لكنها أيضاً أثبتت أن الضمان الوحيد لاستمرارية ونجاح أي تغيير يبدأ من بناء تنظيمات جماهيرية واسعة تقود التغيير، وهو ما لم تنجح فيه الثورات العربية.

4- كيف فاقمت النيوليبرالية (وبعدها الأزمات المركبة للرأسمالية العالمية) وضع التنمية (ومجمل الوضع الاقتصادي والاجتماعي) للمنطقة؟

  • لقد فاقم الطور النيوليبرالي من الرأسمالية في منطقتنا من التفاوت الطبقي وقتل الشرعية الديمقراطية لتداول السلطة الليبرالي وفشل في مواجهة أزمة تغير المناخ، وحوَّل الدولة لخدمة التربح غير الإنتاجي للرأسمالية بدون تجميل ولا رتوش من خلال السياسات النقدية: سياسات الفائدة وإدارة العملات المحلية والسياسات المالية: التقشف الانتقائي، الذي يقلص مخصصات الخدمات الاجتماعية وينهي ما تبقى من دولة رفاه الستينيات، بأقسى شكل ممكن لحساب دعم الشركات والطبقات المستغِلة. تغلغلت النيوليبرالية في حياتنا اليومية، وفي تحويل كل منطق سياسي.

5- تشكل المديونية عقبة كبيرة أمام التنمية في منطقتنا، وآلية للنهب وإدامة التبعية. كيف تؤثر الديون بأنواعها على مسار التنمية؟ 

  • وضعية الدين العام في المنطقة العربية ومتوسطاته من الناتج المحلي الإجمالي ترتفع يوماً بعد يوم، وعلى خلفية سياسات تقشف إجرامية، لها آثار متعددة. أولاً، هي تحويل للثروة بشكل مباشر لتجار الفائدة وصناديق الضواري العالمية وللطبقات الرأسمالية المحلية التي تقرض الدولة. في مصر مثلاً، 90% من عوائد الضرائب تذهب لمدفوعات الفائدة. لا مجال إذاً لسياسات صناعية ولا زراعية فعالة دون المزيد من الاقتراض، ناهيكم عن سياسات اجتماعية وإعادة توزيع للدخل والثروة. الدين العام أيضاً أحد أهم آليات مفاقمة اللامساواة الاجتماعية وتحويل المحرك الاقتصادي لناحية الريوع عوضاً عن الإنتاج، وهو تطور لم يعد قاصراً علينا إذ أنه صار سمةً للرأسمالية النيوليبرالية، حتى في مراكزها المتقدمة. الديون أيضاً سلاح مسدد لرؤوسنا فيما يتعلق بالسيادة، سواء كانت السياسية أم الاقتصادية.

6- هل من تأثير لصعود اليمين المتطرف في أوروبا وحرب الإبادة الإسرائيلية للشعب الفلسطيني واللبناني على الوضع العربي الموصوف أعلاه؟ وكيف؟

  • كما كان الوضع دوماً في أزمات الرأسمالية الكبرى: يظهر اليمين المتطرف حاملًا لواء الإنقاذ بتوجيه النقد لفساد النخب أو أثر الأجانب أو الأقليات، ويقدم نفسه كبديل يستخدم لغة تجذب المحبطين من سياسات الاستغلال، في الحقيقة لتقوية سياسات الاستغلال وشحذ أسلحة الحرب الطبقية ضد أغلبية الطبقات العاملة وحتى الطبقة الوسطى. هناك عناصر من كل هذا تم استيرادها لبلادنا، من أول حملات معاداة المهاجرين للنعرات القومية الوطنية، لنقد النيوليبرالية من يمينها… إلخ. لكن الأهم هو أن طبقاتنا الحاكمة لن تجد وضعاً أكثر مواتاة من هذا التحول لتثبيت أوضاعها وفرض استبدادها. موت حقوق الإنسان وخطابها بالنفاق الغربي هو أشد تسويغ لاستمرار انتهاكها عندنا. لهذا هي معركة مشتركة وجذورها في أرض واحدة.

7- يبدو أن الوضع في المنطقة مركب ومعقد، من جهة هناك دور المؤسسات المالية (IMF-WB) المانحة وهناك دور دول مجلس التعاون الخليجي. كيف نفهم دور ممالك الخليج في الاقتصاد السياسي لمجمل المنطقة العربية؟ وأين يتقاطع دورهم جميعاً؟

  • دول الخليج تحولت إلى إمبريالية مالية فرعية وحتى عسكرية، فهي تقود المشروع الإقليمي. لقد لعبت الإمارات وقطر والسعودية دوراً بارزاً في مواجهة الثورات العربية في مصر والسودان وتونس واليمن والبحرين، وسوريا بالطبع. باستخدام المال دائماً والسلاح أحياناً. وفي عقب الثورة المضادة صار التدخل المباشر سياسياً واقتصادياً أشد وأوضح (هي من أكثر دول العالم إنفاقاً على التسلح، شاركت بجيوشها في اليمن والبحرين بشكل مباشر، ودعمت ميليشيات مسلحة في العراق والسودان وليبيا وسوريا، ودعمت قوى سياسية سلفية وغير سلفية في مصر وتونس). ويمكن الإشارة هنا إلى الاستحواذات الجبارة على الأراضي والمصانع والشركات المالية في مصر، بالإضافة لتسليم مصر جزيرتي تيران وصنافير، المصريتين، للسعودية. ودور الخليج أيضاً قيادي في صياغة ودفع مشروع التحالف مع إسرائيل في المنطقة.

8- ما المخارج أمام الوضع المحبوس حالياً في المنطقة؟ هل من بدائل تقدمية أم أن المنطقة محكوم عليها بالنوسان بين بدائل رجعية وأنظمة استبدادية؟

هناك مهام قابلة للتنفيذ في كل لحظة، حتى لو كانت لحظة هزيمة وتراجع. البدائل التقدمية العادلة موجودة وتحتاج حاملها من القوى الاجتماعية المنظمة. والمعركة هنا طويلة كنهر النيل ومليئة بالفروع والصخور. والتغييرات يجب أن تخاض على كافة مستويات النضال للتحرر من الإمبريالية والاستغلال المحلي. على المستوى اليومي ضمن النيوليبرالية في معارك الأجور والضرائب والخدمات العامة والصحة والتعليم وغيرها، وعلى مستوى قواعد اللعبة ذاتها بمواجهة الترتيبات النيوليبرالية للحكم السياسي والاقتصادي، وعلى مستوى اللعبة ككل، بتجاوز النظام.