يعكس الوضع الذي نعيشه اليوم على كوكبنا بوضوح حجم الدمار الذي ألحقته الرأسمالية بالبشر والطبيعة، حيث أصبحت الأزمة هي السمة الرئيسية التي تميز العالم اليوم، بشكل تغيَّر معه مفهوم الأزمة نفسه، بحيث لم تعد دورية أو مرتبطة بقطر من أقطار العالم أو بقطاع اقتصادٍ دون غيره. إنها أزمة دائمة في كل مكان بتجلياتها المتعددة وتأثيراتها على مختلف مناحي الحياة، بشكل أصبح النظام الرأسمالي اليوم يتكيف معها وفق مصالحه.
اقتصاديًا، نشهد أزمات عديدة تختلف حسب القطاعات المفجرة لها، لكنها تشترك في أنها تخلف وراءها ضحايا كُثُر، وفي مقدمتهم العمال وصغار المنتجين- ات، وتحملهم ضريبة الأزمة كما تعصف بمكتسابتهم التاريخية عبر نضالات مديدة. فأصبحنا نرى مخططات التقشف في كل مكان، وتدمير أنظمة الحماية الاجتماعية، والإجهاز على القطاعات العمومية عبر خوصصتها وفتحها أمام الرأسمال الخاص من أجل مزيد من مراكمة الأرباح، كما تُعمق بشكل مستمر التفاوت في توزيع الثروة لصالح طغمة صغيرة من كبار الرأسماليين والشركات الكبرى.
على الصعيد البيئي، أصبحت الحياة على كوكب الأرض غير متحمَّلة لأجزاء كبيرة من السكان والكائنات الحية بسبب تغير المناخ والكوارث المرتبطة به، مثل الحرائق والفيضانات والجفاف والأعاصير، التي تزداد وتيرتها وتشتد حدتها ويتفاقم دمارها. يهدد هذا التغير في المناخ بانقراض أنواع جديدة من الحيوانات والنباتات، ويؤدي إلى اختلال النظم البيئية الحيوية للبشرية.
في الوقت الذي لا تبذل فيه الدول الصناعية الكبرى، باعتبارها الملوث الرئيسي والمسبب الأكبر لانبعاثات الغازات الدفيئة، أي جهد حقيقي للتخلص من الطاقات الأحفورية، تكتفي هذه الدول بتقديم وعود وحلول تتماشى مع نفس المنطق الرأسمالي كنظام اقتصادي يقوم على “الإنتاجوية” ونزعة الاستهلاك، دون اعتبار لمحدودية موارد الطبيعة وتلبية حاجات السكان الأساسية. على الجانب الآخر، تصارع الطبقات الفقيرة والمجتمعات المحلية المرتبطة بالأرض للبقاء على قيد الحياة، حيث تعاني من التهجير والنزوح القسري بسبب الكوارث المرتبطة بأزمة المناخ.
سياسيًا، لا يقل الوضع كارثية. تنتشر الحروب والصراعات العسكرية في كل مكان بسبب تأجج التنافس الإمبريالي بين القوى الكبرى على أسواق المواد الأولية ومناطق النفوذ، وليست حرب الكيان الصهيوني على غزة والضفة الغربية ولبنان، وحرب روسيا على أوكرانيا، وطبول الحرب في بحر الصين الجنوبي، إلا تعبيراً همجياً على هذا التنافس. دون نسيان التسابق المحموم نحو التسلح والترسانات النووية، مما ينذر بحرب شاملة تهدد وجود الإنسان على الأرض.
نيوليبرالية للضعفاء وحمائية للأقوياء
تلك هي باختصار الصورة القاتمة التي خلفها أزيد من أربع عقود من النيوليبرالية. هذه العقيدة التي تتبناها الدول الغنية ومؤسساتها المالية العالمية (البنك العالمي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية، والاتحاد الأوروبي…)، وتفرضها على الدول النامية كطريق وحيد عليها سلكه بوهم بلوغ مستوى تنمية مستدامة ذاتياً. يدعو النيواليبراليون الدول الفقيرة إلى الاستدانة والاعتماد على الاستثمار الخارجي وفتح اقتصاداتها أمام الرأسمال العالمي، ورفض تدخل الدولة في حركة السلع والرساميل، وتحصره في توفير البنية التحتية والقوانين الضرورية كي يراكم القطاع الخاص المزيد من الأرباح… وينبذون في الوقت ذاته الحمائية ومحاولة الدول حماية اقتصاداتها المحلية والنسيج الاجتماعي المرتبط بها.
المثير للسخرية أن جميع الدول الغنية التي تهيمن على الاقتصاد العالمي اليوم قد اعتمدت في مرحلة ما من تاريخها على حماية إنتاجها الوطني، قبل أن تسعى في عصر النيوليبرالية إلى منع الدول النامية من اتباع نفس المسار. والأكثر سخرية أنها اليوم تعتمد الحمائية لحماية أسواقها في إطار الحروب التجارية التي تخوضها. وصف الاقتصادي الكوري-البريطاني ها-جون تشانغ هذا الوضع بأنه “يشبه من استخدَم سُلّمًا لتسلُّق جدار ثم ألقى به بعيدًا ليمنع الآخرين من اللحاق به”. ساهم تشانغ بشكل كبير في نقد الأطروحات النيوليبرالية التي تدعي أن حرية التجارة هي السبيل الأفضل للتنمية، حيث أظهرت أبحاثه أن الدول الصناعية الكبرى لم تلتزم بمبادئ “حرية التجارة” و”عدم التدخل” خلال مراحل نموها الأولى، وهي الظروف المشابهة لما تواجهه الدول النامية اليوم.
المديونة: عقبة كَأْدَاء في وجهة التنمية
تشكل المديونية أساس النيواليبرالية والآلية الرئيسية لإدامة تبعية الدول النامية ورهن خيراتها وثرواتها للدول الغنية ومؤسساتها المالية، كما أوضح ذلك الميثاق السياسي للشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية، بقول: “سواء في شمال كوكب الأرض أو في جنوبه، تشكل المديونية آلية لتحويل الثروات التي أنتجها العمال والعاملات وصغار المنتجين رجالاً ونساءً لصالح الرأسماليين. يتم استخدام المديونية من قبل الدائنين كأداة للهيمنة السياسية والاقتصادية”.
يلخص فرانسوا شيسني هذه الآلية الاستعمارية في الجمل التالية: “تمثل أسواق سندات الدين العمومي (الأسواق العمومية الإلزامية) التي تم إرسائها من قبل الدول الأساسية المستفيدة من العولمة المالية، وتم فرضها في ما بعد على باقي الدول (دون مشاكل كبيرة في أغلب الأحيان)، حجر الزاوية بالنسبة للعولمة المالية، كما يقول صندوق النقد الدولي نفسه. وبشكل واضح، إنها بالضبط الآلية الأكثر صلابة التي تم إرساؤها عن طريق التحرير المالي لنقل ثروات بعض الطبقات الاجتماعية وبعض الدول نحو دول أخرى. تفترض مهاجمةُ أسس قوة المال تفكيكَ آلياتها، وبالتالي فإن إلغاء الدين العمومي لا يقتصر فقط على دين البلدان الأكثر فقراً، ولكن أيضاً على كل البلدان التي ترفض فيها القوى المدنية الحية أن ترى الحكومة مستمرة في فرض التقشف في الميزانية على المواطنين باسم أداء فوائد الدين العمومي”.
إلغاء الديون: شرط كل تنمية
إن مطلب الغاء الديون، خصوصاً الشق غير المشروع منها، يعد مطلباً ديمقراطياً يجب تبنيه من القوى الديمقراطية داخل كل بلد، وتدعمه مختلف الحجج الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والبيئية بل والقانونية أيضاً من داخل المؤسسات التي خلقها النظام الرأسمالي نفسه. فنجد مثلا على المستوى الأخلاقي، أن سداد الديون يشكل عقبة رئيسة أمام تلبية الحاجات البشرية الأساسية، مثل الحصول على مياه الشرب، والغذاء اللائق، والرعاية الصحية الأولية، والتعليم الابتدائي والإسكان الملائم، بالإضافة إلى بنيات تحتية مُرضية. لا شك أن تلبية الحاجات الإنسانية الضرورية يجب أن تكون لها الأسبقية على أي اعتبار آخر، سواء كان جيوسياسيًا أو ماليًا. على المستوى الأخلاقي، لا مجال لمقارنة حقوق الدائنين أو أصحاب الريوع أو المضاربين بالحقوق الأساسية لمليارات المواطنين.
إنه لمن غير الأخلاقي أن نطلب من بلدان نامية تخصيص مواردها الضئيلة لسداد ديون دائنين ميسورين (سواء كانوا من الشمال أو من الجنوب) بدلاً من تلبية هذه الاحتياجات الضرورية.
أما في الشق القانوني، فقد اعتمدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عدة قرارات بشأن مسألة الديون والتقويم الهيكلي. وفي أحدها، الذي جرى اعتماده في عام 1999، أكدت اللجنة أن “ممارسة الحقوق الأساسية لسكان البلدان المُستدينة في الغذاء والسكن والملبس والعمل والتعليم والخدمات الصحية والبيئة الجيدة، لا يمكن إخضاعها لتنفيذ سياسات تقويم هيكلي وإصلاحات اقتصادية ناجمة عن الديون”.
لم تعد البلدان النامية قادرة على تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية لسكانها. يضع هذا العجز موضع تساؤل مبرر وجود كل هذه الدول، التي يجب أن تتذرع بحالة الضرورة لوقف سداد ديونها من جانب واحد: “لا ينبغي أن نتوقع من دولة أن تغلق مدارسها وجامعاتها ومحاكمها، وتتخلى عن الخدمات العمومية على نحو يلقي بمجتمعها إلى الاضطراب والفوضى ببساطة كي تتمكن من تحصيل المال اللازم لسداد ديون دائنيها الأجانب أو المحليين”. [دليل لجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي، 1980، المجلد الأول].
(للاطلاع على مختلف الحجج المؤيدة لإلغاء ديون الدول النامية، يرجى مراجعة كتاب اريك توسان 65 سؤال وجواب بشأن الديون وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، أسئلة 42،43،44،45،46،47).
إن مطلب إلغاء الديون أمر ضروري من أجل تنمية حقيقية بالدول النامية تستجيب للحاجيات الأساسية لسكانها، وتحقق سيادتها الكاملة على ثرواتها وأمنها الغذائي، لتقطع مع تبعيتها تجاه دول الشمال والمؤسسات المالية العالمية التي تمثلها. ولتحقيق هذا المطلب، لا بد من تفحص شامل لهذه الديون بإشراك السكان وتحت مراقبة مؤسسات ديمقراطية تعبر عن الإرادة الحقيقية لمن هم تحت. هذا النهج من الديمقراطية التشاركية هو السبيل الوحيد لمنح شعوب البلدان النامية القدرة على اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم. الشروط الوحيدة المقبولة هي تلك التي تنبع من سكان الجنوب أنفسهم.
“ما نفعله من أجل الآخرين من دونهم، هو عمل ضدهم” [مثل للطوارق، استشهد به دانييل ميرمات، أجندة 2001].
لفهم أعمق حول أقسام الديون الواجب الغاؤها، من المهم أن نبدأ بتوضيح بعض المفاهيم التي تشكل أساس تحليلنا:
- جدولة الديون / هيكلة الديون
وفقًا لشروط صندوق النقد الدولي ونادي باريس، تنطوي إعادة هيكلة الديون السيادية على تعويض الديون القديمة بديون جديدة في أغلب الحالات، أو بسيولة نقدية في عدد قليل جداً من الحالات. عموماً، تكون إعادة هيكلة الديون ثمرة مفاوضات بين البلدان المُستدينة ومختلف فئات الدائنين.
هناك نوعان رئيسيان من إعادة هيكلة الديون السيادية:
أولاً، إعادة جدولة الديون: عبر خفض معدلات الفائدة لتقليص خدمة الدين و/أو إطالة الجدول الزمني للتسديدات.
ثانياً، ويمكن أن يترافق ذلك مع تخفيض حجم الدين (تخفيض مخزون الدين عبر التخلي عن المبالغ المستحقة). وينطوي هذا في الغالب على تعويض سندات قديمة أو عقود قديمة بسندات جديدة وعقود جديدة. ويمكن أن يجري تخفيض الديون عبر إعادة شراء الديون بسيولة نقدية.
كانت إعادة شراء الديون مقابل سيولة نقدية نادرة جداً، حيث تمت في 26 حالة فقط من بين 600 حالة إعادة هيكلة بين 1950 و2010. عادة ما تُجرى إعادة هيكلة الديون في سياق الأزمات وغالباً كردٍ على تخلف عن السداد (أي تعليقٌ جزئي أو كلي للأداء)، أو على خطر تخلف عن الأداء من طرف البلد المَدين.
عندما تدخل صندوق النقد الدولي ونادي باريس أو الترويكا (كما كان الحال في اليونان في عام 2012) بتنظيم عملية إعادة هيكلة الديون، هدفت هذه المؤسسات إلى استعادة قدرة الأداء المالية للبلد المُستدين، وذلك، وبكل بساطة، عن طريق جعل ديونها مُتحمَّلة من ناحية الأداء. في كثير من الأحيان، يفرض الدائنون، مقابل إعادة الهيكلة، شروطاً تتعارض مع مصلحة البلد المُستدين وخصوصا مع مصلحة شعبه. وعلاوة على ذلك، فإن لاستراتيجيات الدائنين الجيوسياسية دوراً رئيسياً في اختيار البلدان التي ستُمنح لها إعادة هيكلة الديون وفي تحديد أحكام هذه الأخيرة.
- مثال
تمت إعادة هيكلة ديون الأرجنتين في 2005 وفي 2010 عبر عملية تبادل للسندات: تم تعويض سندات قديمة بأخرى جديدة. كان السياق كالتالي: في أواخر ديسمبر 2001، قامت السلطات الأرجنتينية عبر رئيسها المؤقت أدولفو رودريغيز، ومن جانب واحد، بتعليق أداء الديون الأرجنتينية التي كانت على شكل سندات بمبلغ 80 مليار دولار إزاء الدائنين الخواص ونادي باريس (6.5 مليار دولار). ونشير إلى أنه مع ذلك لم تعلق أداء ديونها إزاء صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المالية متعددة الأطراف الأخرى. حدث هذا التعليق في سياق الأزمة الاقتصادية والانتفاضة الشعبية ضد السياسات المتبعة منذ سنوات من طرف عدة حكومات نيوليبرالية متتالية، كانت آخرها حكومة فرناندو دي لا روا. بضغط شعبي، إذن، وبتزامن مع عجز مهول في صناديق الدولة، اضطرت السلطات الأرجنتينية إلى تعليق سداد الديون.
استمر تعليق سداد الديون التي كانت على شكل سندات سيادية من ديسمبر/كانون الأول 2001 إلى مارس/آذار 2005. وكان هذا التعليق مفيداً للاقتصاد وللشعب الأرجنتيني. فقد سجلت الأرجنتين، من 2003 إلى 2009، معدل نمو سنوي من 7 إلى 9٪. ويؤكد بعض الاقتصاديين بأن نمو الاقتصاد الأرجنتيني يعود فقط إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية التي تصدرها. والحال أنه من الواضح لو أن الأرجنتين واصلت سداد ديونها لخصصت العوائد التي ستحققها الدولة من خلال الصادرات (أي من الضرائب التي ستفرضها على أرباح المصدرين الخواص) لسداد الديون.
بين 2002 و2005، خاضت السلطات الأرجنتينية مفاوضات مكثفة مع الدائنين من أجل إقناع أغلبية منهم بقبول استبدال السندات. واقترحت السلطات الأرجنتينية تعويض السندات الجارية بأخرى جديدة، مع خصم ما يفوق 60٪ من قيمتها، ولكنها في المقابل تعهدت بسداد ديون هذه السندات الجديدة وضمان سعر فائدة كبير من خلال ربطه بمعدل نمو الناتج الداخلي الخام للأرجنتين. يتعلق الأمر إذن بإعادة هيكلة الديون عن طريق استبدال أسهم: تم استبدال 76٪ من السندات في مارس/آذار 2005. واعتبرت هذه العملية كأغلبية كافية للاحتماء من 24٪ الذين لم يشاركوا في عرض استبدال السندات. وكانت السلطات قد أعلنت آنذاك أن أولئك الذين لا يشاركون في عملية الاستبدال سيفقدون جميعاً الحق في إعادة هيكلة الديون في المستقبل.
وفي سنة 2010 فتحت الحكومة الأرجنتينية من جديد مفاوضات مع 24٪ من الدائنين المتبقين. وأدى ذلك إلى استبدال جديد للسندات مع 67٪ منهم. وفي المجموع، بقيت 8٪ من السندات التي عُلق سدادها منذ 2001 خارج هذين التبادلين المتتاليين (2005 و2010)، وتسمى “الصمود”.
قدمت السلطات الأرجنتينية إعادة هيكلة الديون هذه على أنها كانت ناجحة لأن خفض الديون (من حيث المخزون نسبة إلى المبلغ المستحق) كان مهماً، في حدود 50 إلى 60٪. ولكن في المقابل، منحت الأرجنتين تنازلات كبيرة جداً للدائنين: معدل فائدة كبير مع ربطه بنمو الناتج الداخلي الخام، وهو ما يعني أن البلد يقبل من تلقاء نفسه أن يفقد جزءاً من عوائد نموه ليستفيد منها الدائنون، ويتنازل عن ممارسة سيادته في حالة الخلاف معهم..
2 – الدين الكريه dette odieuse
دين مُنح في انتهاك للمبادئ الديمقراطية (والتي تتضمن الموافقة والمشاركة والشفافية والمسؤولية)، واستُخدم ضد المصالح العليا لشعب الدولة المُستدينة، أو دين باهظ ينتج عنه إنكار الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للسكان.
يقر القانون الدولي بضرورة مراعاة طبيعة النظام الذي تعاقد على الديون وكيف جرى استخدام الأموال المدفوعة. وهذا يعني مسؤولية مباشرة للدائنين مثل المنظمات الخاصة أو المؤسسات المالية العالمية. إذا جرى إحلال نظام شرعي مكان نظام ديكتاتوري، يمكن للأول أن يثبت أن الديون لم يجر التعاقد عليها لمصلحة الأمة أو جرى التعاقد عليها لأغراض كريهة. في هذه الحالة، يُعلَن بطلانها ولا يتعين على السلطات الجديدة سدادها. وليس أمام الدائنين سوى أن يلجؤوا إلى قادة الديكتاتورية شخصياً.
تعتبر الديون كريهة في حال توفر أحد الشروط الثلاثة التالية:
1– جرى التعاقد عليها من قبل نظام ديكتاتوري استبدادي من أجل تعزيز سلطته؛
2– جرى التعاقد عليها ليس لمصلحة الشعب، ولكن ضد مصلحته و/أو المصلحة الشخصية للحكام والمقربين من السلطة؛
3– كان الدائنون على علم بالوجهة الكريهة للأموال المقرضة.
إنها اللوحة الثلاثية الشهيرة (عدم الموافقة، عدم وجود منفعة، معرفة الدائنين).
- مثال:
في أمريكا اللاتينية بعد سقوط الديكتاتوريات العسكرية (أوروغواي، البرازيل، تشيلي) إلخ وفي الفلبين بعد رحيل ماركوس عام 1986، وفي رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، وفي جنوب افريقيا في نهاية نظام التمييز العنصري، وفي زائير بعد الإطاحة بموبوتو عام 1997، وفي إندونيسيا بعد سقوط سوهارتو عام 1998. لا يسعنا إلا أن نأسف أن حكومات خلفت ديكتاتوريات استسلمت للدائنين وقبلت تحمل الديون السابقة، وهي بالأحرى ديون كريهة، فوجدت نفسها أسيرة عمليات سداد يمكن تجنبها. باختيارها المضي في هذا الطريق، ألقت عبء ديون كريهة على عاتق شعوبها. ويؤثر هذا الخيار سلباً على الحياة اليومية للأجيال التالية.
3- الدين غير المشروع dette illégitime
دين لا يمكن أن يجبَر المَدين على تسديده لكون القرض، والسندات المالية، والضمانات أو الشروط والأحكام التي تتعلق بهذا القرض، هي جميعها مخالفة للقانون (الوطني والدولي على حد سواء)، أو للمصلحة العامة، أو لكون هذه الشروط والأحكام غير عادلة، وقاسية، وتعسفية، أو غير مقبولة بأي شكل من الأشكال. أو لكون الشروط التي تتعلق بالقرض، وبضمانته، تتضمن تدابير سياسية تنتهك القوانين الوطنية أو المعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. وأخيراً، لكون القرض أو ضمانته لم يُستعمل لصالح السكان، أو لكونه ديناً ناتجاً عن تحويل دين خاص (أو تجاري) إلى دين عمومي بضغط من الدائنين.
4- دين غير شرعي (غير قانوني) dette illégale
دين لم تُحترم من أجله المساطر القانونية الجاري بها العمل (بما فيها تلك المتعلقة بالسلطة الحكومية للمصادقة على القروض، أو الموافقة على القروض أو ضمانتها، من قبل الهيئة أو الهيئات التي تمثل حكومة الدولة المُستدينة). أو دين ينطوي على خطأ جسيم من جانب الدائن (مثل اللجوء إلى استخدام الرشوة، أو التهديد، أو النفوذ). ويمكن أيضاً أن يتعلق الأمر بدين مُنح في انتهاك للقانون الوطني أو الدولي، أو دين يحتوي على شروط مخالفة للقانون الدولي أو المصلحة العامة.
5- دين لا يُتحمَّل (dette insoutenable)
دين لا يمكن سداده دون إحداث ضرر بالغ بقدرة الدولة المُستدينة على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان الأساسية، كالتي ترتبط بمجال التربية والتعليم، والماء، والرعاية الصحية، وتوفير السكن اللائق، أو الاستثمار في البنى التحتية العمومية والبرامج اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. أو يمكن أن يكون ديناً يترتب عن سداده عواقب وخيمة على سكان الدولة المُستدينة (والتي تتضمن تدهور مستويات المعيشة الضرورية). قد يمكن سداد مثل هذا الدين، ولكن ينبغي للدولة أن توقفه حتى تتحمل مسؤولياتها المتعلقة بحقوق الإنسان.
خاتمة
يمكن أن تمنح آلية المديونية فئةً صغيرة فرصة الاستحواذ على مصادر دخل تمكِّنها من زيادة ثرواتها ومراكمة أرباحها بشكل مستمر. ونتيجة لذلك، تفقد الدولة الموارد اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، في الوقت الذي تتضخم فيه ثروات الأثرياء وتزداد الفجوة الاقتصادية بينهم وبين باقي المجتمع. كما أن هذه القوة الاقتصادية المتنامية تمنح بعضهم القدرة على الضغط بشكل كبير على السلطات فيما يتعلق بإعداد السياسات العمومية لصالحهم.
ينتج عن ارتفاع المديونية إعادة توزيع للمداخيل لصالح الأكثر غنى، وهو ما يعد سببًا ونتيجة في آن للاستغلال الكثيف جداً لليد العاملة وللموارد الطبيعية. لمواجهة هذا الوضع، تقترح الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير المشروعة بالتعاون مع منظمات أخرى، إجراء تدقيقات على الديون تحت إشراف شعبي، لتوضيح مصادرها وتحديد الأجزاء التي يجب اعتبارها غير مشروعة أو غير قانونية تمهيداً لإلغائها.
تسعى الشبكة إلى إدانة “نظام المديونية” ككل، حيث إن نفس آليات الاستغلال والهيمنة التي تحكم الديون العمومية والديون الفردية غير المشروعة تؤدي إلى إخضاع الشعوب والأفراد من الطبقات الفقيرة، مثل الفلاحين المَدينين والأسر المطرودة من منازلها بسبب البنوك، والنساء ضحايا القروض الصغرى في الجنوب، والطلاب المثقَلين بالديون.
بالطبع، يجب أن يترافق إلغاء الديون غير الشرعية مع مجموعة من الإجراءات، مثل تأميم القطاع المصرفي وشركات التأمين وتحويلهما إلى خدمات عمومية، وإصلاح النظام الضريبي لصالح أغلبية السكان، وتأميم قطاع الطاقة وتحويله إلى خدمة عمومية، وخفض ساعات العمل مع توفير فرص عمل جديدة وزيادة الأجور والتعويضات، وتطوير وتوسيع الخدمات العمومية، مع تعزيز أنظمة التقاعد وتحقيق المساواة بين الجنسين.
تأتي هذه الإجراءات في إطار مشروع شامل للتغيير الاجتماعي والبيئي والسياسي، بهدف التخلص من النظام الرأسمالي المدمِّر. ويُعتبر النضال ضد “نظام المديونية” جزءاً من كفاحٍ أوسع من أجل بناء عالم متحرر من كافة أشكال الاضطهاد والاستغلال.
المقال منشور في العدد الثاني من مجلة أصوات الكوكب الأخرى : اضغط هنا لقراءة العدد كاملا
بقلم : حسن جدل – عضو جمعية أطاك المغرب
مصادر ومراجع:
- كتب :
- كتاب: “السيادة والتنمية”، دار بدائل، جلبير الأشقر.
https://t.ly/T2m33
https://shorturl.at/Jd1Xj
- كتاب: ” 6 سؤال وجواب بشأن الديون وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي”، داميان ميه وإريك توسان.
https://shorturl.at/a55Le
- كتاب: “أرقام الديون 2015″، لجنة إلغاء ديون العالم الثالث CADTM
https://shorturl.at/G7fnz
- مقالات :
- تعريف الديون غير المشروعة، وغير الشرعية، والكريهة، وغير المحتملة (لا تطاق)
https://bit.ly/4fQacp3
- إعادة هيكلة الديون، وتدقيقها، وتعليق سدادها، وإلغاؤها.
https://bit.ly/3AHt2zW
