منذ نهاية القرن التاسع عشر، أطلقت فرنسا سياسة استخراج الفوسفاط في منطقة قفصة. وقبل بناء المجمّع الكيميائي التونسي (GCT) في قابس سنة 1972، أنشأت أول مصنع كيميائي في صفاقس سنة 1951 (الشركة الصناعية لحمض الفوسفوريك والأسمدة SIAPE) خلال فترة الاستعمار، لتلبية حاجات زراعتها المكثفة. وهكذا، فإن الاستعمار الفرنسي وصناعة الفوسفاط كانا في الأصل مشروعا واحدا ومتكاملاً واليوم، لم يتغير هذا المشروع إلا في مظاهره، إذ لا يزال النموذج الزراعي الرأسمالي الفرنسي بحاجة ماسة إلى الأسمدة الفوسفاطية لزيادة الإنتاج.
بعد أكثر من قرن من الاستحواذ الاستعماري على الأراضي والتلوث البيئي، يطالب الشعب التونسي بتفكيك المجمّع الكيميائي التونسي في قابس. لكن من بناه؟ ومن المستفيد الأكبر من استمرار إنتاج هذه المادة الأولية؟
إنه الملياردير روليي* (Roullier)، الذي يغرق السوق العالمية كل عام بملايين الأطنان من الأسمدة الفوسفاطية، وقد ضاعف إنتاجه خلال عشرين عاما في المنطقة الصناعية بقابس. وكذلك الدولة الفرنسية، التي اختارت الاستمرار في الإنتاج المكثف للأسمدة الكيميائية لتغذية نموذجها الزراعي الصناعي ولإرضاء كبار المنتجين المنضوين تحت لواء اتحاد المزارعين الفرنسيين (FNSEA).
تونس لا تستفيد من الفوسفاط، والمناطق التي يستخرج منها ويعالج كيميائيا مدمَرة بيئيا. فيما استحوذت نخبة صغيرة على العائدات لعقود، مغمضة العينين عن الكوارث الإنسانية والبيئية الناتجة عن ذلك.
لقد كان المجمع الكيميائي التونسي نتاجا استعماريا، ولا يزال يخدم الطلب الإنتاجي الفرنسي وبعض الزبائن الجدد الذين يكررون النموذج نفسه في أماكن أخرى. هذه المصالح الاقتصادية تتناقض مع حياة التونسيين. كما أن التلوث الناتج عن الطحالب الخضراء وارتفاع حالات سرطان البنكرياس المرتبطة بالأسمدة الفوسفاطية، يبرزان أن هذه المصالح تتناقض أيضا مع حياة الفرنسيين أنفسهم، وإن كانوا لا يعيشون الكارثة البيئية نفسها التي تعرفها مدينة قابس ومنطقة قفصة.
إن تفكيك المجمع الكيميائي هو شعار ثوري من أجل المستقبل، أطلقه أهالي قابس خلال إضرابهم العام يوم 21 أكتوبر 2025. وعلى كل من يدرك أصل المشكلة أن يوجه الاتهام إلى المسؤولين الحقيقيين: ورثة الاستعمار، ويُحملهم مسؤولياتهم.
أما نظام قيس سعيد، فهو ضعيف وعاجز، لا يمتلك القدرة ولا الموارد لإيجاد حلول حقيقية، ولن يقدم سوى تصريحات كبيرة ووعود زائفة.
أوقفوا التلوث!
ولنمضِ نحو تفكيك المجمّع الكيميائي على نفقة فرنسا!
أوقفوا التلوث
المصدر : collectif Halfa بتاريخ 24 أكتوبر 2025
ترجمة arabic.cadtm
رفقته مقتطف قصير من فيلم “الأرض والكرامة“ يخص تحديدا مدينة قابس وأصل التلوث ذي الجذور الاستعمارية،
يضاف إليه بعض المشاهد من الإضراب العام الذي شهدته قابس يوم 21 أكتوبر 2015:
https://www.youtube.com/watch?v=3w32o2pLLkw
قد تسهم هذه الصور في فهمٍ أعمق للوضع الراهن.

