رغم نجاة لبنان من هجمة شركات البذور المتعددة الجنسيات في السنوات الماضية بسبب وضعه الأمني والسياسية، قررت الحكومة اللبنانية الحالية، مستغلة موجة دعم الإصلاح وحالة التعبئة، أن الوقت قد حان لاقتراح قانون جديد ينظم تجارة وتبادل البذور والشتول تحت ضغط جهات أجنبية.
يفضح توقيت القانون غياب الكفاءة اللازمة لدى النظام في معالجة تأثير الأزمة الاقتصادية متعددة الأبعاد، وانهيار العملة المحلية، ومعدلات التضخم التي بلغت أربعة أرقام في أسعار المواد الغذائية، في الوقت الذي لا يزال فيه الأمن الغذائي اللبناني معرضاً للخطر بشكل كبير، حيث واجه ما يقرب من 1.17 مليون شخص انعداماً حاداً للأمن الغذائي في أوائل عام 2025، بسبب الانهيار الاقتصادي، وتضرر البنية التحتية الزراعية، والعدوان الإسرائيلي المستمر.
متجاهلًأ كل الحقائق المذكورة أعلاه، يهدد قانون تنظيم تجارة البذور المقترح بتفاقم الوضع، وتفكيك آلاف السنين من التقاليد الزراعية، وإعادة تشكيل مستقبل نظامنا الغذائي. وبينما يتم تقديمه كأداة تنظيمية محايدة، فقد تم تصميمه لتحويل مورد عام حيوي إلى سلعة وخصخصته.
وفقاً لسارة سلوم، رئيسة الحركة الزراعية في لبنان، “علينا رفض هذا التشريع المعيب من أساسه والمطالبة بإعادة صياغته بالكامل لحماية مزارعينا، وتنوعنا البيولوجي، ومرونتنا الوطنية”.
تمت صياغة القانون المقترح بالتعاون مع حكومات ومنظمات أجنبية دون التشاور مع المزارعين أو جمعياتهم أو أي من منظمات المجتمع المدني الحقوقية. ومع ذلك، بدا أن ممثلي شركات البذور الكبيرة كانوا على وفاق مع الوزارة في الاجتماع الوحيد الذي أُعلن عنه لمناقشة المسودات المُعدّة.
كجزء من الهلال الخصيب، يعود التراث الزراعي اللبناني إلى 11,000 عام. وطوال هذه السنوات، تم الحفاظ على هذه التقاليد من قبل المزارعين والمجتمعات الزراعية، بالانسجام مع الطبيعة واحتياجات المجتمع. وهي تعتبر اليوم ضرورية للانتقال إلى الزراعة الإيكولوجية والممارسات المستدامة.
ومع ذلك، فإن هذا التراث يتعرض لتهديد وشيك بسبب ضغوط السوق العالمية والمصالح الغربية. فقد تم تصميم الإطار المقترح لتهميش صغار المزارعين بشكل منهجي، وهم العمود الفقري لزراعتنا، ودفعهم خارج السوق الرسمي، لصالح البذور الصناعية والتهديد بحبس صغار المزارعين في حلقة مفرغة من التبعية والديون وعبودية البذور.
كما يضع الإطار حاجزاً متعمداً من الأعباء المالية والبيروقراطية (الترخيص المعقد، متطلبات التسجيل، رسوم التفتيش) التي لا يمكن للأغلبية العظمى من صغار المنتجين التغلب عليها. تم تصميم هذا الهيكل بشكل صريح لضمان سيطرة الكيانات الكبيرة ذات رؤوس الأموال الوفيرة فقط على سوق البذور.
يفتح الهيكل القانوني الاحتكاري الذي يقترحه القانون الباب أمام منح حقوق الملكية الفكرية على البذور، وهو “التطور الأكثر خطورة” المحتمل. وغني عن القول إن هذه الممارسة مسؤولة عن زيادة إفقار وتجريد المزارعين في جميع أنحاء العالم.
يعطي القانون الأولوية للتوحيد على التنوع، مما يضعف بشكل كبير قدرتنا على التكيف مع تغير المناخ. تكمن القوة الإقصائية الأساسية للقانون في معايير التسجيل الإلزامية للتميز والتوحيد والاستقرار (DUS)، المصممة خصيصاً للبذور المتجانسة والموحدة التي تنتجها الشركات الكبيرة. وسيؤدي ذلك إلى تهميش الأصناف المحلية، التي هي بطبيعتها ديناميكية، وتتكيف باستمرار من خلال اختيار المزارعين والظروف المحلية، وهو وضع يهمش بشكل منهجي البذور المحلية التي تشكل أساس التنوع البيولوجي الزراعي الوطني لدينا.
ويخلق القانون أيضاً وضعاً من التبعية الكيميائية والتدهور البيئي من خلال دعم نموذج صناعي يعتمد على “حزم تكنولوجية” مكلفة ويفرض الاستخدام المتزامن للأسمدة الكيميائية والمبيدات لتحقيق الغلال المعلن عنها.
أخيراً، من خلال تقويض تبادل واستخدام البذور المحلية المتنوعة بشكل منهجي، يدمر القانون بنشاط أهم الأصول التي يمتلكها البلد للتكيف مع تغير المناخ.
الحل ليس تعديلاً طفيفاً لوثيقة معيبة، بل اعتماد إطار عمل مختلف جذرياً متجذر في مبدأ السيادة الغذائية، الذي يضع حق الناس في تحديد أنظمتهم الغذائية فوق المصالح التجارية للشركات.
ندعو إلى إعادة صياغة فورية وجذرية لقانون البذور المقترح بناءً على المطالب التالية:
- إعطاء الأولوية لحقوق المزارعين والسيادة الغذائية: يجب إعادة تعريف الهدف الأساسي للقانون لمنح أولوية مطلقة لحماية حقوق المزارعين في حفظ وتخزين واستخدام وتبادل بذورهم المحلية بحرية، ولحماية التنوع البيولوجي الزراعي.
- الاعتراف القانوني بأنظمة البذور التي يديرها المزارعون (FMSS): يجب أن يتضمن القانون فصلاً مخصصاً يعترف صراحةً بـ أنظمة البذور التي يديرها المزارعون (FMSS) ويعززها، والتي تحافظ على البذور كمنفعة عامة. يجب أن يضمن هذا الحق في استخدام وتبادل البذور المحلية لأغراض غير تجارية دون أعباء قانونية أو مالية غير عادلة.
- رفض المعايير التجارية وحقوق الملكية الفكرية (IPR): يجب إلغاء جميع البنود التي تربط الأصناف المحلية والتقليدية بمعايير DUS التجارية أو آليات الملكية الفكرية. يجب استبعاد الأصناف التقليدية من متطلبات التسجيل المفروضة على البذور التجارية.
- سن حظر صريح على الكائنات المعدلة وراثياً (GMOs): يجب أن يتضمن القانون المعاد صياغته تعريفاً واضحاً وحظراً صريحاً ونهائياً على استيراد أو إنتاج أو تجارة الكائنات المعدلة وراثياً بجميع أشكالها.
- ضمان التمثيل العادل: يجب مراجعة تشكيلة اللجنة الوطنية للبذور لضمان التمثيل الإلزامي والفعال لمنظمات المزارعين وشبكات السيادة الغذائية ومجموعات المجتمع المدني (ما لا يقل عن ثلث الأعضاء).
يجب علينا رفض الوعود الكاذبة للنموذج الصناعي والمطالبة بحقنا الأساسي في إدارة مواردنا المحلية وبناء نظام غذائي مرن يخدم الناس والكوكب، وليس الشركات متعددة الجنسيات وآليات السوق المعادية لصغار المزارعين.
ندعو جميع المجموعات المعنية إلى ممارسة الضغط على حكومتي لبنان وإيطاليا (اللتين وُضع القانون تحت رعايتها وبخبرة خبرائها) والوقوف متضامنين مع مزارعي لبنان من خلال نشر الرسالة، أو الاتصال مباشرة بالأطراف المسؤولة وحكومات الاتحاد الأوروبي الأخرى، أو إرسال نسخة إلينا لمشاركتها في وسائل الإعلام وبين جمهورنا على العناوين التالية:
- بيانات التضامن:
- الحركة الزراعية في لبنان: marhaba@agrimovement.org
- الضغط على حكومتي لبنان وإيطاليا والمستشارين CIHEAM Bari سيام باري:
- مجلس الوزراء اللبناني: mail@ministry.gov.lb
- وزير الزراعة اللبناني: moaministeroffice@gmail.com
- الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي: aics@pec.aics.gov.it
- المركز الدولي للدراسات الزراعية المتوسطية العليا (CIHEAM – Bari): secretariat@ciheam.org
