لم تكن الفيضانات التي عرفتها مدينة أسفي يوم 14 دجنبر 2025، مجرد حادث عرضي أو ظرف طبيعي عابر، بل كانت مرة أخرى صفعة قوية تكشف عمق الاختلالات التي تعيشها المدينة على أكثر من مستوى. فمع أولى التساقطات المطرية المتوسطة، غرقت الأحياء، تعطلت حركة السير، تسربت المياه إلى البيوت، ووجد المواطن نفسه وحيدا في مواجهة واقع هش، لا يليق بمدينة يفترض أنها واحدة من أغنى مدن المغرب من حيث الثروة الصناعية.
آسفي تحتضن أكبر مجمع صناعي بالمملكة، يتقدمه المجمع الشريف للفوسفاط والمركب الكيماوي، وتساهم بشكل أساسي في الاقتصاد الوطني وفي مداخيل الدولة من العملة الصعبة. ومع ذلك، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين تذهب هذه الثروة؟ وكيف لمدينة بهذا الحجم الاقتصادي أن تعاني من بنية تحتية مهترئة، وشبكات تصريف مياه عاجزة عن استيعاب أبسط التساقطات؟
الجواب لا يمكن فصله عن المديونية المتزايدة، وسوء التدبير، ونهب المال العام. فسنوات من القرارات الارتجالية، وغياب الحكامة، وتغليب منطق المصالح الضيقة على المصلحة العامة، جعلت الاستثمار في البنية التحتية آخر الأولويات. مشاريع تُعلن ولا تُنجز، وأخرى تُنجز دون احترام للمعايير، فتتحول مع أول اختبار طبيعي إلى عبء إضافي بدل أن تكون حلا.
ولا يمكن كذلك تجاهل التغيرات المناخية التي جعلت الظواهر الجوية أكثر حدة وعدم انتظام. غير أن هذا العامل الطبيعي لا يجب أن يكون شماعة لتبرير الفشل، بل كان يفترض أن يكون دافعًا للتخطيط الاستباقي، وتقوية شبكات الصرف، وتأهيل الوديان، وحماية الأحياء الهشة. لكن ما حدث هو العكس تماما: مدينة تتوسع عمرانيا دون رؤية، وتُغلف بالإسمنت على حساب المساحات الطبيعية القادرة على امتصاص المياه.
إلى جانب ذلك، تعيش آسفي وضعًا بيئيا مقلقا بسبب التلوث الصناعي الناتج عن المركب الكيماوي، والذي ساهم في إضعاف التوازن البيئي للمدينة، سواء على مستوى الهواء أو التربة أو الساحل. هذا التلوث، إلى جانب الإهمال، يزيد من هشاشة المجال الحضري ويجعل المدينة أقل قدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية.
فيضانات آسفي ليست فقط أزمة مياه، بل أزمة تدبير، وأزمة عدالة مجالية، وأزمة ربط المسؤولية بالمحاسبة. وما لم يتم القطع مع منطق الترقيع، وفتح ملفات الفساد، وإعادة توجيه ثروات المدينة لخدمة ساكنتها، فإن كل شتاء قادم سيحمل معه نفس المشاهد ونفس المعاناة.
إن أسفي لا تحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تجعل من كرامة المواطن أولوية، ومن الثروة الصناعية رافعة للتنمية المحلية، لا مجرد أرقام في تقارير رسمية.
إننا في الشبكة الدولية للجنة من أجل الغاء الديون :
1- نعبر عن تضامننا مع عائلات ضحايا الفيضانات بمدينة اسفي.
2- نطالب الدولة المغربية بتعويض المتضررين/ات…
3- نحمل المسؤولية للسياسات النيوليبرالية التي ينفذها عليها الحكام الفعليون للبلد، ونطالب بالتوقف الفوري عن أداء الديون غير الشرعية وتخصيص ميزانيات كافية لإعادة تأهيل المدينة القديمة بأسفي وتجهيز البنية التحية في كل البلد وفق معايير السلامة والطوارئ. فهذه ليست المرة الأولى التي تجرف فيها السيول هذا العدد الكبير من الكادحين والكادحات في بلداننا، ما يطرح ملحاحية التعامل الصارم والجدي مع التغيرات المناخية التي سببتها الرأسمالية ويدفع ثمنها الطبقات الشعبية الهشة.