مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في بداية عام 2025 لولاية جديدة، اتخذت السياسة العدوانية التي تنتهجها واشنطن، منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، منحًى أكثر حدّة. كما أن الزيادة الهائلة في النفقات العسكرية، التي بدأت على الصعيد الدولي منذ أكثر من عقد، تشهد قفزة نوعية.

يشكل نشر «استراتيجية الأمن القومي 2025» (NSS 2025) في 5 دجنبر 2025، والتي تلاها في يناير 2026 نشر «استراتيجية الدفاع الوطني» (NDS 2026)، تطورا كبيرا في الصياغة الرسمية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. وإذا كانت عقيدة مونرو قد شكّلت لفترة طويلة مرجعا ضمنيا لهيمنة الولايات المتحدة على الأميركيتين، فإن إدارة ترامب تقدم اليوم نسخة صريحة ومعلنة ومُعسكرة منها. فما كان سابقا ممارسة هيمنية غالبا ما تُخفى وراء خطاب التعددية والديمقراطية أو «الأمن الجماعي»، أصبح اليوم يُقدَّم من طرف الولايات المتحدة كحق حصري في السيطرة الاستراتيجية على مجمل نصف الكرة الغربي.

ماذا تعني «لازمة ترامب» لعقيدة مونرو؟

في 2025-2026، يرى ترامب أن أي حضور استراتيجي أو اقتصادي أو تكنولوجي لقوة منافسة — وخاصة الصين — في نصف الكرة الغربي يُعد تهديدا مباشرا لأمن الولايات المتحدة، ويجب منعه أو تفكيكه.
وتؤكد «استراتيجية الأمن القومي 2025»:
«على جميع البلدان أن تواجه الخيار التالي: هل تريد العيش في عالم تقوده الولايات المتحدة، مكوَّن من دول ذات سيادة واقتصادات حرة، أم في عالم موازٍ تخضع فيه لتأثير دول تقع على الطرف الآخر من العالم؟»

وفي هذا الوثيقة، يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة لا تواجه أي تهديد عسكري جدي. ومع ذلك، يواصل استخدام ذريعة تهديدات مزعومة لأمن البلاد لتبرير ما لا يمكن تبريره.

إن اعتداءات الولايات المتحدة على جيرانها في الأميركيتين ليست جديدة، لكن من النادر أن يعبّر رئيس أمريكي بهذه الصراحة والفظاظة عن إرادته في الهيمنة الكاملة وحقه في استخدام القوة متى شاء لتحقيق الأهداف التي يعتبرها تخدم مصالح سكان الولايات المتحدة.

وفي وثيقة «استراتيجية الدفاع الوطني» المنشورة في 23 يناير 2026 من طرف وزارة الحرب (كذا!)، يهدد البنتاغون صراحة دول نصف الكرة الغربي بعمليات مماثلة لتلك التي نُفذت في 3 يناير 2026 ضد فنزويلا:
«سننخرط بحسن نية مع جيراننا، من كندا إلى شركائنا في أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، لكننا سنحرص على أن يحترموا ويقوموا بدورهم في الدفاع عن مصالحنا المشتركة. وعندما لا يفعلون ذلك، سنكون مستعدين لاتخاذ إجراءات محددة وحاسمة تخدم بشكل ملموس مصالح الولايات المتحدة».

في يناير 2026، وبعد الاعتداء العسكري على فنزويلا واختطاف واحتجاز الرئيس الفنزويلي وزوجته، هدد ترامب غوستافو بيترو بأنه سيكون التالي. وقد نقلت عدة وسائل إعلام هذه التهديدات.

وبعد أن شجعه نجاح عمليته على الصعيد العسكري، وكذا احتجاجات دولية رسمية ضعيفة للغاية بالنظر إلى خطورة ما ارتكبه في فنزويلا، قررترامب تشديد السياسة التي ينتهجها  ضد كوبا منذ ولايته الأولى. فمنذ نهاية يناير 2026، سعى إلى خنق اقتصاد الجزيرة بالكامل عبر وقف كلي أو شبه كلي لإمدادات الوقود الضرورية لإنتاج الطاقة.

وهكذا تمثل «لازمة ترامب» لعقيدة مونرو تحولا مهما بطابعه الصريح وبالمكانة المركزية التي يمنحها للأداة العسكرية. فبينما كانت الإدارات السابقة تفضّل الآليات الاقتصادية أو الدبلوماسية أو السرية — زعزعة الاستقرار، تدريب وتمويل المرتزقة، الاغتيالات غير المعلنة — فإن وثيقتي استراتيجية الأمن القومي NSS 2025 واستراتيجية الدفاع الوطني NDS 2026 تعلنان دون مواربة الاستعداد لاستخدام القوة المسلحة كأداة عادية لإدارة الشؤون الإقليمية. وتُجسد عملية فنزويلا في يناير 2026 والتهديدات العلنية لدول أخرى — كوبا، كولومبيا، المكسيك، البرازيل — هذه الإرادة في الترهيب الاستراتيجي.

وقاحة ترامب

من ناحية، يتهم ترامب دون دليل نيكولاس مادورو بالاتجار بالمخدرات، ويتهم غوستافو بيترو بعدم اتخاذ إجراءات ضد تهريب المخدرات. ومن ناحية أخرى، منح في 1 دجنبر 2025 عفوًا رئاسيا كاملا للرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هرنانديز (تولى منصبه من 2014 إلى 2022)، الذي كان يقضي في الولايات المتحدة حكمًا بالسجن لمدة 45 سنة. وقد أدانته العدالة الفيدرالية الأمريكية بعد محاكمة أمام هيئة محلفين بتهمة تهريب أكثر من 400 طن من الكوكايين إلى الولايات المتحدة وحماية أباطرة المخدرات مقابل ملايين الدولارات من الرشاوى في واحدة من أكبر قضايا الاتجار بالمخدرات في التاريخ الحديث. بهذا السلوك، يسعى ترامب إلى إظهار أنه قادر على إنقاذ رؤساء الدول الأجنبية المطيعين له مهما كانت جرائمهم. كما أراد التدخل في السياسة الداخلية لهندوراس، ونجح في إيصال مرشحه «نصري عصفورة» إلى الرئاسة في انتخابات نونبر 2025.

في المقابل، ومنذ غشت 2025، تعرضت عشرات القوارب لهجمات في المياه الدولية في البحرالكاريبي وشرق المحيط الهادئ من قبل الجيش الأمريكي، بذريعة مكافحة المخدرات. وقد قُتل أكثر من 130 شخصا من ركاب هذه القوارب بين سبتمبر 2025 ومنتصف فبراير 2026 دون نشر أي دليل على تورطهم ودون أي شكل من المحاكمة. وبأمر من ترامب لم تقم القوات الأمريكية بتوقيف هذه القوارب، بل دمرتها بمن فيها. وتُصنف هذه الأفعال كإعدامات خارج القانون من قبل منظمات حقوقية مثل «هيومن رايتس ووتش»، كما أدانها أعضاء في الكونغرس الأمريكي. لم تكن هناك أي تهمة، ولا أي مناقشة، ولا أي قرار قضائي: كان قرار واحد من ترامب كافيا لكي يقوم جيشه بإعدام المجرمين المزعومين دون أي شكل من أشكال المحاكمة، مرتكبا بذلك جرائم حقيقية.

في هذا السياق، شنت القوات الأمريكية في 3 يناير 2026 عملية عسكرية ضد فنزويلا أسفرت عن اختطاف واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في سجن أمريكي. واتهم ترامب مادورو، ب«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» والاتجار بالمخدرات، دون أن تقدم الإدارة الأمريكية أي دليل يدعم هذه الادعاءات. الدافع الحقيقي وراء الهجوم على فنزويلا لا علاقة له بالمخدرات، بل يرتبط بالسيطرة الجيوسياسية على الموارد، خاصة النفط الفنزويلي، أحد أكبر الاحتياطيات في العالم. فالمسألة ليست حربًا على المخدرات، بل إعادة تموقع استراتيجي أمريكي  في نصف الكرة الغربي، يركز على الطاقة (والمعادن النادرة في حالة غرينلاند).

وتكشف المقارنة بين هندوراس وفنزويلا بوضوح سياسة «ازدواجية المعايير» الوقحة التي يعتمدها ترامب.

الحرب كحل للأزمة؟

يعاني النظام الرأسمالي على الصعيد العالمي من أزمة، ولم يتمكن من استعادة وتيرة نمو مستدامة، إلى درجة يمكن معها الحديث، كما يفعل الاقتصادي مايكل روبرتس، عن كساد طويل. ومن وجهة نظر الرأسمالية، فإن العجز عن استعادة نمو مستدام يشكّل مشكلة حقيقية لضمان التراكم الكبير للأرباح. وهذه الأزمة، التي تشتد بشكل خاص في القوى الإمبريالية القديمة — أي دول مجموعة السبع — تؤجّج التوترات بين الكتلة التي تهيمن عليها واشنطن من جهة، ومن جهة أخرى الصين التي تحافظ على نمو مستمر رغم تباطؤه.

إن التحضير للصراعات المسلحة الدولية (وتنفيذها) يشكّل جزءا من الردود التي تلجأ إليها الطبقات الرأسمالية من  مختلف القوى  العظمى بشكل دوري لمواجهة الأزمات الاقتصادية، وللبحث عن التوسع أو الحفاظ على النفوذ. وقد شهدنا ذلك مرارا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وخلال سنة 2025 وحدها، وفي انتهاك للقانون الدولي، لجأت الحكومة الأمريكية بشكل منهجي إلى استخدام القوة، سواء في البحر الكاريبي ضد فنزويلا، أو في اليمن، أو سوريا، أو نيجيريا… دون أن ننسى بالطبع دعمها الثابت للجيش الإسرائيلي ولحكومة نتنياهو ذات التوجهات النيوفاشية في تنفيذ إبادة حقيقية ضد الشعب الفلسطيني. وفي بداية سنة 2026، هاجمت فنزويلا، واختطفت الزوج الرئاسي، وأعلنت سيطرتها على الموارد النفطية للبلاد. وفي نهاية فبراير 2026، هاجمت إيران، بالاشتراك مع إسرائيل التي استهدفت أيضا لبنان. وبالتوازي مع ذلك، وللضغط على حلفائه، يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة دفعت فاتورة الدفاع عن حلفائها، وخاصة الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي أواخر يوليو 2025، قامت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بنفسها بإظهار الخضوع عبر توجهها إلى أراضي سيّدها في اسكتلندا، حيث التقت ترامب في ملعب غولف يملكه، لتعِده بأن الاتحاد الأوروبي سيشتري المزيد من الطاقة الأحفورية والمزيد من الأسلحة.

غير أن الادعاء بأن حلفاء الولايات المتحدة، وخاصة أعضاء حلف شمال الأطلسي، قد استفادوا ماليا من «سخاء» واشنطن هو ادعاء زائف تماما. في الواقع تمتلك الولايات المتحدة وسائل تمكّنها من فرض سيطرتها على جزء كبير جدا من العالم. ووفقا للبنتاغون، لديها أكثر من 700 موقع عسكري في 80 بلدا، منها أكثر من 220 قاعدة عسكرية دائمة تضم عددا كبيرا من الجنود (حوالي 250 ألفا). وتمثل القواعد الأمريكية في الخارج 80٪ من مجموع القواعد الأجنبية في العالم.

حرب  بطلاءحضاري بدون حقوق الإنسان

في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي 2025»، يتبنى ترامب، دون الإشارة الصريحة إليها، نظرية «الاستبدال العظيم»، وهي أطروحة تآمرية ذات طابع يميني متطرف واضح. وفي الولايات المتحدة تُعرف بنظرية «الابادة الجماعية للبيض». وبصيغة أخرى، تتقاطع  مع أطروحة ستيف بانون، أحد أبرز المنظّرين للترامبية، خاصة في بعدها القومي والسلطوي واليميني المتطرف. يتحدث بانون خصوصًا عن «حرب حضارية»، و«تدمير الغرب»، و«الهجرة الجماعية كسلاح سياسي»، ويدين «النخب المعولمة التي تتواطأ ضد الشعوب».

لم يعد ترامب حاليا يستخدم، في انتقاده للصين أو روسيا، الخطاب المنافق لحقوق الإنسان. والجديد لديه هو التخلي التام عن خطاب تعزيز حقوق الإنسان واحترام القانون الدولي والمعاهدات الدولية في هذا المجال. وهذا يتماشى مع هجمات وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام  NSS 2025 على مؤسسات الأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك أعلن ترامب، في 7 يناير 2026، انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، منها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة.

شكل جديد من الهيمنة الإمبريالية

بينما كانت الإدارات السابقة تمزج بين ممارسة العنف الإمبريالي وخطاب ليبرالي وإنساني، تقطع إدارة ترامب مع هذه الواجهة المنافقة. فقد اختفت تماما من الخطاب الاستراتيجي الرسمي الإشارات إلى حقوق الإنسان، والحقوق الاجتماعية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وسيادتها على مواردها الطبيعية، بل وحتى الإشارة البسيطة إلى التعددية. ذلك أن هذه الحقوق الكونية، المنصوص عليها في مختلف معاهدات الأمم المتحدة، تتعارض مباشرة مع السياسة الدولية لترامب. وقد استُبدلت برؤية للعالم تقوم على «الحقوق الطبيعية الممنوحة من الله»، والسيادة المطلقة للدول المهيمنة، وتراتبية الحضارات، وشرعنة الإكراه العسكري الدائم. تندرج هذه العقيدة في سياق أزمة بنيوية للرأسمالية العالمية، تتسم بكساد طويل، وتنافس محتدم بين القوى العظمى، وعجز القوى الإمبريالية التقليدية في مجموعة السبع عن الحفاظ على هيمنتها الاقتصادية. وأمام التراجع النسبي للولايات المتحدة، تختار واشنطن عمدًا الهروب إلى الأمام عبر النزعة العسكرية وسياسات حمائية عنيفة. وتُصنَّف الصين كخصم رئيسي، ليس لأنها تعارض الرأسمالية العالمية، بل لأنها اندمجت فيها بنجاح، مما يجعلها تنافس التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي الأمريكي. أما روسيا، باعتبارها قوة إمبريالية من الدرجة الثانية، فتُستخدم كفزّاعة لتبرير تسريع عسكرة أوروبا تحت وصاية الناتو، لكنها لم تعد تُعتبر تهديدا مباشرا لواشنطن.

إن الهيمنة العسكرية، والنهب الاقتصادي، والنزعة الإنتاجوية القائمة على الوقود الأحفوري، وإنكار الأزمة المناخية، تشكّل منظومة متكاملة تخدم مصالح المجمع الصناعي العسكري والطبقة الرأسمالية الأمريكية. وفي مواجهة هذا الانحراف ذي الطابع  النيوفاشي على رأس أقوى قوة عسكرية في العالم، يصبح التحدي المطروح أمام القوى التقدمية، والمناهِضة للعسكرة، والمناهِضة للفاشية والعنصرية، والنسوية، والأممية، هو، أكثر من أي وقت مضى ، إعادة بناء التضامن العابر للحدود، والتصدي لجميع أشكال الإمبريالية، والدفاع عن مشروع بديل جذري قائم على السلام، والمساواة في الحقوق، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الشعوب، والحفاظ على شروط الحياة نفسها على كوكب الأرض.

بقلم : إريك توسان

الناطق باسم الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية CADTM

المقال منشور في مجلة FALMAG الصادرة بالفرنسية، العدد 162 الصادر في أبريل 2026.